يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


السكر والعربدة والشذوذ ودسائس القتل والانغماس في ملذات النساء.. صفات التصقت بالعديد من حكام الدولة العثمانلية البائدة، على مدار عقودها، منذ جدهم الأكبر عثمان بن أرطغرل، حتى آخر طغاتهم عبد المجيد الثاني، لذلك مثلما صعدوا سريعًا، سقطوا أسرع مما كانوا يتخيلون.

"مجرد دمية تخضع أفعالها لمراقبة لصيقة من الحكومة" هكذا وصف دبلوماسي أوروبي عبد المجيد الثاني آخر "الخلفاء" العثمانيين الذي نصبه أتاتورك على العرش وسلبه جميع السلطات فكان دمية على العرش.
أتاتورك لم يستطع إلغاء السلطنة دفعة واحدة خوفا من احتجاج أصحاب المصالح المرتبطة بها والغضب الشعبي خصوصا في إسطنبول لذلك نصّب عبدالمجيد لمدة عامين حتى جاءته الفرصة عام 1924.

وضع أتاتورك خطة مرحلية للقضاء على الدولة العثمانية، ففي خطوة اولى امر بإلغاء السلطنة العثمانية العام 1922، وقرر سحب جميع السلطات الزمنية من سليل العاثمنيين، وقرره في منصب الخليفة بلا أي صلاحيات، وجعل منه منصبا شرفيا، بهدف استخدام مسمى الخلافة في مفاوضاته مع الدول الأوروبية من أجل الاستيلاء على شمال العراق وسورية.


الشعب التركي واجه الخبر بلامبالاة واستسلام ولم يعبأ بالسلطان أو أتاتورك، فقد جر العثمانيون البلاء عليه طوال قرون لذا رأى في أتاتورك فرصة في الخروج من شرنقة الفوضى التي عانوا منها وجعلت إسطنبول مطمع لكل الدول الأوروبية.

العائلة العثمانية
الدولة العثمانلية استسلمت في الحرب العالمية بعد شهور من ولاية السلطان محمد السادس (1916-1922) واحتل الحلفاء إسطنبول وسمحوا لليونان باحتلال أزمير وفي تلك الأثناء برزت قوة الوطنيين الأتراك بزعامة مصطفى كمال أتاتورك ولقي تشجيعا من السلطان في البداية ثم تغير الدعم إلى عداء عندما بدأ أتاتورك في تجاهل السلطان والعمل لحسابه الخاص مستغلا عاطفة الشعب المناوئة للمحتلين.

السلطان محمد السادس رحل عن إسطنبول إلى مالطا وتخلى عن العرش بعد ثورة سلمية قادها رفعت باشا أحد جنرالات أتاتورك سيطر خلالها على المدينة ولم يبق أحد حول السلطان.
إسطنبول ظلت محتلة من قبل الحلفاء لكن بعد دخول رفعت باشا المدينة اتفقوا على تقاسم السلطة والسيطرة بين الأتراك بقيادة أتاتورك والحلفاء منعا لإراقة الدماء وظلت المدينة مقسمة حتى رحيل الحلفاء عام 1923.

رحيل السلطان كان هدية بالنسبة لأتاتورك الطامح إلى إلغاء السلطنة ليحل مكانها حاكما للبلاد، أتاتورك نصب ولي العهد عبد المجيد بن عبد العزيز سلطانا عام 1922 وتردد عبد المجيد في قبول المنصب خوفا من أن يكون دمية بيد رجال أتاتورك.

الدمية الأخيرة
عبد المجيد وافق في النهاية بعد أن وعده الجنرال رفعت بأن السلطنة ستعود في النهاية، وأنه عليه قبول المنصب خوفا من اضطرابات داخلية إذا شغر المنصب الآن وتم تتويج عبد المجيد في قصر توبكابي وتلقى بيعة العلماء وكبار المسؤولين.

لكن أتاتورك حرص على تذكير عبد المجيد أنه ليس سلطانا ورفض مراسم تطويقه بسيف عثمانلي في جامع أيوب، كما جرت العادة مع أسلافه، ورغم ذلك كانت إسطنبول مرتبطة عاطفيا بالعثمانيين.
مخاوف السلطان تحققت وأصبح دمية أتاتورك الذي يستخدمه كأنه فلكلور أو عروض إلهاء لإمتاع الجماهير ريثما يتمكن من مفاصل الدولة، ويصبح قادرا على الإطاحة به ورغم ذلك ظل عبد المجيد يتقن دوره بمهارة، ولم يتخذ موقفا حازما لإنقاذ نفسه أو عائلته وكأنه استمرأ دور الدمية.

الخليفة الدمية أحاط نفسه بالألقاب القديمة فأطلق على نفسه خادم الحرمين الشريفين، وكان يذهب إلى المساجد المختلفة في إسطنبول في موكب رسمي كل يوم جمعة وأحيانا يركب حصانا أبيض، وتحيط به فرق الخيالة، وكان الناس يتجمعون لمشاهدة الموكب كأنه بهلوان أو وسيلة ترفيه.

حبيس القصر
الخليفة الوهمي غرق في لعبة المظاهر والعظمة الزائفة وخداع البسطاء بزيارة المساجد كل جمعة بينما كان الواقع يشهد تنحية للإسلام من تركيا حتى مظاهر التدين الشكلية التي مارسها السلاطين مثل تبجيل آثار النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- المسروقة من مكة لم تعد تحظى باهتمام السلطان الأخير والحكام الجدد بزعامة أتاتورك.

كان ممنوعا على السلطان تعاطي أي شأن داخلي أو خارجي أو استقبال مسؤولين أجانب وكانت حاشية السلطان عبارة عن شبكة جواسيس ترصد حركاته وتعد عليه أنفاسه.

كتب دبلوماسي أجنبي عن وضع السلطان البائس: "مجرد دمية تخضع أفعالها لمراقبة لصيقة من الحكومة وحتى المراسم الرثة التي كان هو مركزها كانت تترك في المراقب إحساسا بالألم".

في أغسطس عام 1923 انسحب الحلفاء بشكل كامل من إسطنبول وفق معاهدة لوزان التي نصت على نزع سلاح الدردنيل والبوسفور وإبقاء البطريركية المسكونية والجالية اليونانية في المدينة على عكس رغبة أتاتورك.
في يناير عام 1923 قال أتاتورك لمجموعة من الصحافيين إنه يخطط لإلغاء السلطنة بعد أن يهيئوا الرأي العام لذلك.

نهاية العثمانيين

في 29 من أكتوبر عام 1923 استيقظ سكان المدينة على صوت 101 مدفع تطلق النار تحية لإعلان الجمهورية وتنصيب أتاتورك رئيسا، لتنتهي فعليا دولة العثمانلية.

خفض أتاتورك ميزانية الخليفة وسحب قارب الكياك والحرس الخاص به وتم منعه من حضور صلاة الجمعة. وفي 3 مارس عام 1924 تم إلغاء السلطنة بقرار من المجلس الوطني الكبير في أنقرة.
أحاط الجيش بقصر دولمة بهجة وتم إعلام السلطان بالرحيل عن المدينة في الفجر وأخذ السلطان أسرته الصغيرة وثلاثة موظفين وخادمين برفقته.

خوفا من المظاهرات ألزمت الحكومة السلطان بالمغادرة من خارج المدينة ووصل إلى محطة قطار تشاتالجا وظلوا طوال النهار منتظرين القطار وكان رئيس المحطة من اليهود وهم الأقلية الوحيدة التي احتفظت برابطة ولاء تجاه العائلة العثمانلية التي أمنت لهم الملاذ الآمن والرعاية طوال قرون وكان نهايتها بإهداء فلسطين لهم ليقيموا وطنا فيها على حساب سكانها العرب.
السلطان وأسرته ركبوا قطار الشرق السريع إلى سويسرا وبذلك انتهى حكم الأسرة العثمانلية.

المصادر :


Qatalah