يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


العالم كالجسد الواحد إذا مرض عضو يجب علاجه أو بتره إن فشل العلاج، هذا الدرس لم تتعلمه أوروبا خلال تعاملها مع الرجل العثماني المريض، فقد أبقت لعبة التوازنات الأوروبية على سلطنة العثمانيين ضمن الجسد العالمي.
وقفت إنجلترا وفرنسا أمام التهام الروس للعثمانيين، لولا ذلك لكانت روسيا طردت الأتراك إلى قراهم في جبال آسيا، ودفعت أوروبا ثمن تأخير بتر العضو العثماني الفاسد بعد أن فشلت جميع محاولات العلاج، كان الثمن هو الحرب العالمية الأولى، التي اندلعت كأنها نهاية حتمية للعبة التوازنات الأوروبية.
كانت منطقة البلقان خاضعة للعثمانيين خمسة قرون، خلق الأتراك خلالها حالة من الصراع العرقي والديني، وشردوا شعب الصرب وأمعنت الدولة العثمانية في اضطهادهم، حتى أنها وضعت البوسنة التي يشكل الصرب نصف سكانها تحت حماية النمسا - عدو الصرب - ما أدى إلى غضب الصرب، فقام أحد القوميين الصرب ويدعى "غافريلو برينسيب" بقتل ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند أثناء زيارته إلى البوسنة عام 1914 م.
كان الاغتيال الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب العالمية الأولى، التي راح ضحيتها 37 مليون إنسان، منهم مليون ونصف المليون صربي ومئات الآلاف من شعوب البلقان.
 
غليان البلقان
خضعت شبه جزيرة البلقان بشكل تدريجي للحكم العثماني منذ 1353، وانتهى في حدود عام 1913، ولم يبق بيد الأتراك سوى جزء صغير ضمن دولة تركيا الحديثة.
خلال ما يزيد على خمسة قرون رزح البلقان تحت الحكم العثماني، وخضع الإقليم لحكم باشوات الأتراك وتم استبعاد سكانه من الإدارة.
يضم الإقليم تنوعاً عرقيا ولغوياً ودينياً ويدين أغلب سكانه بالمسيحية، وأدت سياسة التفرقة العنصرية التركية بحق غير المسلمين من جهة، وغير الأتراك من جهة أخرى، إلى فشل العثمانيين في إنشاء دولة واحدة يتمتع المواطنون فيها بالمساواة، وتشكلت هوية مستقلة لدى شعوب البلقان بعد تهميشهم من الأتراك.
تقول نادية مصطفى في كتاب "العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية": كانت لمنطقة البلقان روابط عرقية ولغوية ودينية مع القوى الأوروبية الصاعدة المناهضة للدولة العثمانية، وتبلورت لدى هذه الأغلبية الجاذبية نحو الأيديولوجيات العلمانية، بسبب سياسة التفرقة العنصرية التركية، حتى أن شعب ألبانيا المسلم طالب بالاستقلال أيضاً عن الدولة العثمانية بسبب التعصب التركي.
 
 
انتشرت روح القومية بين شعوب البلقان، واندلعت ثورات عديدة في مناطق اليونان والصرب والبلغار والبوسنة والهرسك ورومانيا والجبل الأسود، ضد سوء الحكم التركي وضد الضرائب الباهظة وتفشي الظلم واستئثار الأتراك بملكية الثروة الزراعية.
لم يهتم الأتراك بدراسة مطالب الشعوب، ما أدى إلى نمو النزعات الاستقلالية، فقد فقدت شعوب البلقان الأمل في إصلاح الدولة العثمانية، بسبب أن الأتراك لا يفهمون إلا سياسة القوة.
 
رجل أوروبا المريض
تشترك شعوب البلقان في الأصل السلافي مع روسيا، كما تشترك دينياً مع الكنيسة الروسية والكنيسة الكاثوليكية، وكانت البلقان ملتقى تدخل قوى عالمية كبرى هي النمسا وروسيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وأدى التنافس الدولي إلى حماية الدولة العثمانية من الاكتساح الروسي بعد أن تحول الأتراك إلى رجل مريض.
توقف الأتراك منذ نهاية القرن السابع عشر عن تمثيل خطر عسكري يهدد قلب أوروبا، وبدأت تتجمع ملامح التفوق العسكري الأوروبي الذي انتقل إلى مهاجمة الحدود العثمانية مع نهاية القرن الثامن عشر، كما ذكرت نادية مصطفى في كتابها.
ففي معاهدة كارلوفيتز عام 1699 تنازلت الدولة العثمانية عن أوكرانيا وبودوليا إلى بولندا، والمجر وترانسلفانيا للنمسا، والمورة للبندقية.
كذلك لم يعد بمقدور الدولة العثمانية الدفاع عن أرجائها دون تحالفات مع طرف أوروبي ضد طرف أوروبي آخر، وذلك في وقت برز التنسيق بين الدول الأوروبية من خلال نظام متحرك للتحالفات، وفق المرجع السابق.
 
استقلال البلقان
أدت سياسة التعنت التركي ضد شعوب البلقان إلى منح الذريعة للدول الأوروبية للتدخل في الإقليم، وشجعت روسيا استقلال الشعوب السلافية المضطهدة، وساهم فشل الحكم العثماني في تثوير البلقان بالكامل ضد الأتراك، وبدأت حركة التحرر القومي مع الصرب في نهاية القرن الثامن عشر ونجحوا في الاستقلال عام 1878.
نشبت حرب البلقان عام 1875  - 1878 ونتج عنها استقلال عدد من دول البلقان.
كانت التوترات تسود البلقان بصفة كلية، حيث اندلعت ثورة البوسنة والهرسك 1875 م ثم ثورة البلغار اعتراضاً على زيادة الضرائب وعلى ملاك الأراضي الأتراك، وطالب الثوار باستقلال إداري مثل الذي حققه الصرب والجبل الأسود.
قمع العثمانيون الثورات، وأعلنت الصرب والجبل الأسود مساندة الثوار والحرب على الأتراك، إلا أن قواتهم كانت ضعيفة مقارنة بقوة الأتراك، وتم سحقهم.
إزاء استمرار انفجار البلقان، تقدمت بريطانيا بوساطة إلى الأتراك، تتضمن بحث مطالب الشعوب البلقانية من أجل تفويت الفرصة على تدخل روسيا.
رفض العثمانيون وساطة بريطانيا، وأعلنت روسيا الحرب على العثمانيين عام 1877م، التي انتهت بهزيمة ساحقة للأتراك، وفرضت روسيا معاهدة سان ستيفانو عليهم، وتم تعديلها لاحقاً في مؤتمر برلين، وفيها حصلت شعوب البلقان على الاستقلال عن العثمانيين.
 
 
اهتم الأتراك في مؤتمر برلين بالحصول على ضمانة بريطانيا وفرنسا وروسيا والنمسا بضمان أمن الدولة العثمانية.
كان استقلال الدول البلقانية مع تصارعها وعداوتها وفي نفس الوقت مع طموحاتها عاملا مؤثرا قويا ليس على الدولة العثمانية فقط لكن على استقرار وأمن أوروبا برمته حيث إن تفاعلات هذه الدول وحولها كانت من العوامل التي شكلت مسار التطورات في السنوات القليلة السابقة على اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 م.
 
الحرب العالمية الأولى
تنصلت الدولة العثمانية من تطبيق الإصلاحات داخل مقدونيا، وبقية المناطق البلقانية التي مازالت تحت سيادتها، ما أدى إلى تكتل شعوب البلقان في تحالف عُرف باسم "عصبة البلقان".
1912 م اندلعت الحرب بين عصبة البلقان وتركيا، واحتل الصرب كوسوفا، وتقدمت قوات العصبة على حساب تركيا، التي هرولت تطلب وساطة الغرب مرة أخرى، وانتهت الحرب بمعاهدة لندن 1913 م، إلا أن الأتراك استغلوا نشوب صراع بلغاري ضد اليونان والصرب ونقضوا المعاهدة، ودخلوا الحرب على أمل استرجاع ما فقدوه، وتدخلت الدول الكبرى وتم تعديل معاهدة لندن.
زادت الأطماع التركية في تعقيد أزمة البلقان، ورغم وقف القتال إلا أن المنطقة ظلت قابلة للانفجار في أية لحظة.
كانت البوسنة خاضعة لإدارة النمسا منذ مؤتمر برلين، فقد رأت الدولة العثمانية أن تمنح إدارتها للنمسا بعد أن هُزمت أمام روسيا 1877م.
 
 
يشكل الصرب نفس سكان البوسنة، وتعرضوا طوال خمسة قرون إلى اضطهاد وتمييز على يد الأتراك.
قبل أن يرحل العثمانيون عن غرب البلقان والبوسنة، قاموا بمؤامرة خبيثة كانت السبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى، فقد سلمت تركيا البوسنة إلى النمسا، وكانت الأخيرة من أشد أعداء الصرب، كان هدف تركيا إشعال العداوة بين النمسا والصرب المدعومين بروسيا، بهدف إبعاد خطر روسيا عنها.
عام 1908م لم تكتف النمسا بالإشراف على إقليم البوسنة بل عملت على إعلان تبعيته كأحد أقاليم الدولة النمساوية بصورة رسمية، وأدى القرار إلى إثارة الصرب ضد النمسا، فقد كانوا يطمعون في ضم البوسنة إلى المناطق الصربية من أجل تحقيق حلم صربيا الكبرى.
ازداد التقارب العثماني الألماني بعد حروب البلقان، في محاولة عثمانية للعب على الخلافات الأوروبية، ما أدى إلى زيادة التنافس البريطاني الفرنسي مع ألمانيا، وقيام كل الدول برفع عدد قواتها العسكرية، ما كان أحد أسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى.
قام طالب صربي عام 1914 م باغتيال ولي عهد النمسا وزوجته خلال زيارة الأخير إلى البوسنة، وردت النمسا بتوجيه إنذار إلى صربيا، وكانت النمسا تسعى إلى الحرب لإبادة الصرب، لذلك لم تمهل صربيا الوقت اللازم لبحث الأزمة.
اندلعت الحرب العالمية الأولى (1914 م - 1918 م)، وسرعان ما انضمت تركيا إلى النمسا وألمانيا، بهدف إعادة احتلال منطقة البلقان.
كانت الهزيمة من نصيب الدولة العثمانية، وسقطت قواتها على يد شعوب البلقان المتحالفة مع دول الحلفاء.

Qatalah