يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بذبح الرقاب، وإشعال النيران في الأجساد، وإطلاق الرصاص على الصدور، وهدم البيوت على الرؤوس، والجوع والعطش في الصحراء، وترك الأوبئة والأمراض تنهش الأكباد، والعديد من الوسائل الوحشية الأخرى أباد العثمانيون مليونا ونصف المليون أرميني في واحدة من أكبر الجرائم بشاعة في التاريخ.

لقد خطط آل عثمان لإزالة أرمينيا من الوجود بإفراغها من سكانها، وربط دولتهم بأذربيجان وسائر العناصر ذات الأصل التركي من منغوليا حتى القوقاز. تلك السياسات العنصرية احتضنت فكرة نقاء العنصر التركي، وأحقيتهم المطلقة في السلطة والأرض دون باقي الشعوب، وهو ما نادى به المؤتمر الطوراني.

 

سيف الحقد 
يذكر محمد رفعت الإمام في كتابه "القضية الأرمنية والدولة العثمانية" أنه عشية الحرب العظمى (العالمية الأولى) كانت الدولة العثمانية قد وصلت إلى مستوى حضاري متدنٍ، في حين بزغ فيه نجم شعوب خاضعة لها، وخاصة الأرمن الذين حققوا خلال القرن الـ19 تقدما على جميع الأصعدة، الثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، في زمن أُطلق عليه تاريخيا "عصر النهضة الأرمنية"، حيث كان العثمانيون يتحدثون اللغة التركية ويفكرون بالأرمنية!

لم يجد الأترك من يلقون عليه مسؤولية ضعفهم التاريخي إلا الأرمن بعد أن نجت دول البلقان واليونان في الاستقلال من سلطتهم ، ولم يتبق إلا الشعب الأرمني آخر أقلية مسيحية ما زالت تحت حكمهم. وعلى الجبهة الروسية تعرضت القوات العثمانية لهزائم متتالية، مما هدد بقاءها على الخريطة السياسية، فقرر أنور باشا وزير الدفاع التعجيل بالمخطط الطوراني، لإنقاذ موقفه العسكري الحرج.

لقد ألقى أنور باشا باللوم على أبناء الشعب الأرمني، مستغلا تحالفهم مع  جيش القيصر، واتهمهم بالخيانة العظمى، بسبب عدم تطوعهم في الجيش. ولم يكن أنور هو أول من قام بعمليات وحشية ضد الأرمن، فقد سبقه السلطان عبدالحميد الثاني الذي اتهمهم بإثارة الفتنة الطائفية وعدم طاعة السلطات وظل على مدار سنوات يقوم بتصفيتهم بمختلف الوسائل.

الأوامر الوحشية
صدرت الأوامر العليا بإبادة الأرمن وفق سياسة عثمانية - رسمية - تهدف للتخلص منهم والاستيلاء على أراضيهم وأموالهم. وألقى سعيد حليم باشا الصدر الأعظم أوامره لجنوده بقتلهم وتوعد من يتكاسل عن إبادتهم، قائلا: "قررنا إزالة الأرمن من الوجود نهائيا، ويُعاقب بالإعدام من يتواطأ معهم".

قصة الإبادة الكبرى
بدأت بتجريد الجنود الأرمن من أسلحتهم ورتبهم العسكرية بإشراف أنور باشا وزير الدفاع التركي في فبراير من العام 1915، إذ كوّن أنور منهم فرق السخرة بالجيش، وأجبرهم على تجهيز الطرق وبناء الجسور ومد الخطوط الحديدية، وعندما قاموا بتأدية واجبهم كانت المكافأة هي قتلهم جميعا.

وفي 24 من أبريل من نفس العام تم اعتقال 200 مثقف وسياسي من صفوة الأمة الأرمنية بإسطنبول، ووجهت لهم تهمة التخابر لصالح قوات الحلفاء، وصدرت أحكام فورية في حقهم بالإعدام رميا بالرصاص. وقد تولى وزيرا الداخلية والدفاع التنسيق فيما بينهما لتنفيذ مخطط الإبادة الجماعية وصدر القرار في مايو 1915 بترحيل الأرمن من مناطقهم، وتهجيرهم إلى صحراء سورية والعراق "مدينتي دير الزور ورأس العين".

 

الجيش الخمسيني
بفتوى من شيخ الإسلام محمد خيري أفندي قال فيها:"جماعات الأرمن كفرة وخونة، وقتلهم جهاد وفرض على كل مسلم"، وبأمر مباشر من السلطان العثماني شكلت حكومة الاتحاد والترقي ميليشيات عسكرية، أطلقوا عليها "الجيش الخمسيني"، أشرف على تنظيمها طلعت باشا وزير الداخلية التركية، بُغية معاونة أفراد الشرطة على إبادة الأرمن عن بكرة أبيهم.

يصف المؤرخ أرنولد توينبي مجازر الأرمن فيقول: "كان الرجال الأرمن يهرعون إلى مبنى الحكومة حال سماعهم المنادي تقديم أنفسهم شخصيا للوالي، وبدون إعطاء أي سبب يلقون في السجن لعدة أيام، ثم يؤخذون خارج المدينة حفاة مقيدين بعضهم إلى بعض بالحبال، وعند أول فرصة سانحة في مسيرتهم الطويلة ينفرد الجنود بالرجال ويذبحونهم ، ثم يخطفون الأطفال والنساء ويشنعون بهم ويستحوذون على ما لديهم".

3 مدن تعرضت لإبادة جميع سكانها هي "بدليس" و"فان" و"ساسون"، وفي بقية المدن الأخرى تم ترحيل الأطفال والنساء الأرمن ممن ظلوا على قيد الحياة، في قوافل تمشي من مدينة إلى أخرى، حيث كان أفرادها فريسة عصابات "الجيش الخمسيني".

 

الموت أمنية المعذبين  
كلما دخلت مليشيات العثمانيين مدينة تمنى أهلها الموت، فالجنود كانوا يتلذذون بعمليات التعذيب الوحشية بلا رحمة للرجال قبل قتلهم، ويستبيحون أعراض النساء ويتخذون الجميلات منهن سبايا لهم، أما الأطفال فقد كانوا يلقون بهم في الصحراء لينال منهم الجوع والعطش حتى الموت، وهو ما جعل الأعداد التي تصل إلى سورية قليلة جدا وغير قادرة على مواصلة الحياة، وفق ما ذكره واهاكن ن.دادريان في كتابه "دور الأطباء الأتراك في المذابح الأرمنية أثناء الحرب العالمية الأولى".

لم ترو كل تلك الدماء طلعت باشا الذي أرسل برقية إلى والي حلب يقول فيها: "إننا نهيب بكم أن تتجردوا من أي إحساس بالشفقة والرحمة، كما نطالبكم أن تعملوا جاهدين للقضاء عليهم ومحو الأمة الأرمنية بالذات".

عظمة المأساة 
احتجزت الحكومة في ولاية بتليس جماعات الأرمن في السجون، وأشعلت فيهم النيران، وقتلت عددا كبيرا منهم رميا بالرصاص، واستأجرت قصابين (جزارين) مقابل ليرة عثمانية لكل منهم في اليوم، ليذبحوا عائلات الأرمن، الذين خطفتهم ميليشيات الأتراك وقيدتهم بالحبال.

ونالت المجاعة والأمراض قسطها من الضحايا لتزيد من عظمة المأساة، ويتم القضاء على أكثر من مليون أرمني، وفق إحصائيات المؤرخين وجمعيات حقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة، وذكرت النيويورك تايمز أن "القوات التركية ذبحت قرابة المليون ونصف المليون شخص أرمني".

المذابح الـثلاث
أحصى المؤرخ الأرمني آرام أندويان أعداد القتلى كالتالي: "ذهب العديد من الضحايا الأرمن من رجال ونساء وأطفال في المجازر الثلاث التي أقامها العثمانيون سنة 1916، الأولى في رأس العين قتل فيها أكثر من 70 ألف شخص، والثانية في أنتيللي قضي على أكثر من 50 ألف نسمة يعملون في حفر نفق بغداد، والثالثة أشد رهبة وبشاعة وقعت في مدينة دير الزور حيث قتل التركي زيا بك أكثر من 200 ألف نسمة، ثم هجروا من بقي على قيد الحياة، إلى الصحراء السورية حيث تجمع مهاجرون من المناطق الأرمنية الـ6 ومن مدن شواطئ البحر الأسود، كان اللقاء بين النساء والأطفال دون السابعة فقط، بعد أن تم إعدام كل شخص تجاوز هذه السن".

 

فرق النهب 
لم تقف الجريمة التركية عند التطهير العرقي فقط، بل تخطتها إلى الاستفادة من ثروات الضحايا، بتشكيل فرق لنهب ممتلكات الأرمن، وعرضها بأبخس الأثمان على الجنود، بينما اختص الولاة والقادة العثمانيون أنفسهم  بالتحف والمجوهرات الثمينة، وأُرسلت حصيلة البيع لخزانة الدولة.

من وجهة نظر الدموي - طلعت باشا وزير الداخلية - فالأرمن ليسوا أبرياء، بل هم مذنبون وخونة، ويجب إبادتهم جميعا بلا رحمة. ويذكر توركايا أتاوف في كتابه "الأرمن في أواخر العهد العثماني" أن سعيد حليم باشا الصدر الأعظم قابل السفير الأميركي بإسطنبول، وطالبه بتجميد أرصدة الأرمن بالبنوك الأوروبية، وطلب منه قائمة بأسماء المتعاقدين مع شركة نيويورك للتأمين على الحياة، لصرف قيمة العقود لصالح الدولة، أو احتسابه جزءا من أقساط الدين السنوية، ووفق عقيدته فالأرمن الكفرة سيموتون على أيديهم، وليس لهم ورثة غيرهم، وأموالهم غنيمة لهم.

Qatalah