يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اختاره سليمان القانوني ليكون شيخا للإسلام بديلا عن محيي الدين أفندي فناري زاده في أكتوبر 1545، فكان عند حسن ظن السلطان به، إذ أجاز له قتل إخوته ليستقر على العرش بدون منازع، وأفتى بإعدام ولديه إرضاء لزوجته، وأباح الربا وشرب الخمر لتتدفق الأموال المحرمة على خزائن القصر، وحلل الزنا وبارك مذابح السلطان التي أزهق فيها أرواح مئات الآلاف من الأبرياء.
باع أبو السعود أفندي دينه بعد أن منحه السلطان النفوذ والسلطة، وجعل له الحق في فرض الغرامات وتحصيل الإتاوات، واختصه بحصة من غنائم الحروب، وأهداه الجواري والغلمان، ورفع راتبه إلى 700 أقجة في اليوم، فأهان شيخ الإسلام المنصب الشريف، وخالف الشريعة الإسلامية في كل فتاويه إرضاء للسلطان والحريم.

فتوى البغي
أفتى شيخ الإسلام بجواز قتل المنافسين للسلطان حتى لو كانوا إخوته وأولاده مستندا على تشريعات "القتل سياسة وفتوى البغي" التي أصدرها شيخ الإسلام فخر الدين عجمي أفندي للسلطان محمد الفاتح عام 1553، والتي تقول :"إن قتل الأخ والابن جائز للسلطان، لأجل المصلحة العامة وحفظ النظام"، وحصل في مقابل فتواه من السلطان على هدايا نقدية وعينية، وتحصينه من العزل.
وتحول أبو السعود أفندي إلى منفذ لرغبات روكسلانا جارية السلطان وزوجته فوسوس لسليمان بقتل ولده الأكبر مصطفى لتستطيع تنصيب ابنها وليا للعهد، أفتى بإعدامه تحت ذريعة أن الأمير يمثل خطرا على العرش، ويسعى للتخلص من والده، وأشرف بنفسه على قتله داخل الخيمة السلطانية على يد جنود صم بكم.
وبعد رحيل روكسلانا طاردت الشكوك سليمان، فظن أن ابنه بايزيد يتآمر عليه فقرر تصفيته، وأدرك الابن ما يحاك ضده في الخفاء فخشي على نفسه من القتل على أيدي الجنود الصم والبكم، فأعلن الثورة على والده لكن جيوش السلطان ألحقت به الهزيمة ففر إلى إيران التي أعطته حق اللجوء في ضيافة الشاه طهماسب، ولكن الشاه غدر به وسلمه مع أولاده الـ5 إلى السلطان سليمان الذي شنقهم جميعا بلا شفقة عام 1563، بفتوى من أبو السعود أفندي.

قتل العلماء
أغلق شيخ الإسلام باب الاجتهاد وجعله حكرا على شيوخ الإسلام، وحظر القراءة خارج الكتب التي يقرها، وحرم على الرعية التفكير، وهو ما جعله يصطدم بأبحاث العالم الجغرافي بيري ريس التي تبنت مشروعا يتيح مشاركة العثمانيين في اكتشاف القارات الجديدة، بعد نظرية كروية الأرض، ودخل معه في مناقشات ومناظرات انتصر فيها بيري بحججه العلمية، مما أوغر صدر أبو السعود أفندي، فاتهمه بالجنون ومخالفة إجماع علماء المسلمين، وطلب من سليمان القانوني قتله، وأصدر فتوى في عام 1554 تتهمه بالكفر والهرطقة وتهدر دمه، فانساق السلطان خلفه وتخلص من  بيري ريس باغتياله على يد والي مصر، بعد مصادرة أمواله.

إبادة الإيزيديين
بسلسلة من فتاوى شيخ الإسلام التي أجازت للسلطان القتل والذبح والتدمير والهلاك وسبي النساء واغتنام الأموال، بحجة مخالفة الشريعة الإسلامية، حصد سليمان القانوني الآلاف من أرواح الإيزيديين وأجبر الكثيرين منهم على اعتناق الإسلام تحت سيف التعذيب والإرهاب.
شن سليمان حملة على الإيزيديين في عام 1566، بعد أن صدرت فتوى من شيخ الإسلام أبو السعود أفندي أباحت قتلهم علنا وبيعهم بالأسواق، وزاد عليها أن المسلم الذي يقتل في المعارك مثواه الجنة معللا ذلك بأن الجهاد ضد الإيزيديين فرض.

مشرع القوانين الوضعية
ساهم أبو السعود أفندي في وضع 200 قانون عرفت بـ"قانون نامه" أصدرها سليمان وجعلها دستورا للدولة، بديلا عن الشريعة الإسلامية، الأمر الذي أثار غضب كبار العلماء الذين لقبوه بسليمان القانوني، ذما وقدحا وتشكيكا في عقيدته بسبب قوانينه المقتبسة من أوروبا، وتخالف إجماع الفقهاء والمذاهب الـ4.

تحليل الربا
لجأ السلطان إلى أبو السعود أفندي ليجد له مخرجا شرعيا يتيح له تبني سياسات اقتصادية تقوم على استثمار رؤوس الأموال لدى الدولة والأفراد عن طريق الربا، فأفتى له بالتعامل بالفائدة ليضفي الشرعية الدينية على تلك المعاملات، وأعلن موافقتها لأحكام القرآن والسنة، وصدرت الفتوى في كتاب أطلق عليه "رسالة في جواز وقف النقود"، تحايل فيها على النصوص الفقهية، بجمع الأحاديث الضعيفة والموضوعة لتخرج فتوى تحليل الربا كالتالي: "بيع الدنانير والدراهم جائز، وهو في زماننا خير من البيوع التي تجري في أسواقنا، وهو مشروع بإجماع فقهاء السلطنة".

مُشرع الإباحية
تذكر المصادر التاريخية أن سكان إسطنبول رفعوا دعوى ضد 50 باغية، اتهموهن بإدارة بيوت للدعارة، وفي المقابل رفع البغايا شكوى إلى الصدر الأعظم محمد صوقولو باشا، فتباحث مع السلطان لإيجاد طريقة قانونية تسهل ممارسة البغاء، وجاء المخرج بإصدار فرمان يبيح لهن الانضمام إلى طائفة الراقصات.
استدعى القانوني شيخ الإسلام أبو السعود أفندي ليصدر فتوى عاجلة تبيح الاختلاط بين الرجال والنساء من أجل زيادة موارد الدولة بعد سلسلة الحروب التي استنزفت الخزانة، فوافق شيخ الإسلام على الفور وأصدر "فتوى الغجر"، التي أسقطت حد الزنا مقابل رسوم شهرية على المومسات.

وبنفس المنطق خرجت فتوى من أبو السعود أفندي تبيح شرب الخمر وبيعه علنا، بعد أن طلب منه سليمان ذلك بذريعة زيادة موارد الدولة الضريبية، فتحت الفتوى أبواب السُكر والمجون على مصراعيها، وشجع الأمر الولاة الفاسدين على إقامة الخمارات، وفرض رسوم وضرائب عليها، بعد أن زعم أبو السعود أفندي أن الخمر مباح في الفقه الحنفي، وباتت الدولة تُحصل ضرائب على الخمور باسم "رسم زجرية"، ورسم "الوحش" عن بيع الخنازير.
حلل شيخ الإسلام التصوير للسلاطين والأمراء، وقال: "إن لم تكن الصورة كبيرة فلا كراهية"، وفي الوقت نفسه أفتى بإعدام من يفعل ذلك من الرعية على الخازوق واعتبر المخالفين ممن يقتنون لوحة أو يقومون برسمها زنادقة ومبتدعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1 - أحمد عبدالرحيم مصطفى في أصول التاريخ العثماني

2 - أحمد آق كوندز الدولة العثمانية المجهولة

3 - يلماز أوزتونا تاريخ الدولة العثمانية

4 - خليل اينالجيك تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار

5 - محمد جميل بيهم فلسفة التاريخ العثماني

6 - دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

7 - شيخ الإسلام أبو السعود أفندي رسالة في جواز وقف النقود

8 - أكرم كيدو مؤسسة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية

9 - أحمد صدقي شقيرات تاريخ مؤسسة شيوخ الإسلام في العهد العثماني

10 - Metin Kunt : Suleyman the Magnificent and His Age

Qatalah