يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن المصريون لقمة سائغة تحت أضراس المحتلين الجدد، الذين أنزلوا بهم سوء العذاب، وجعلوهم غنيمة حرب أشبه بـ "السبايا"، رغم أنهم شركاء قبلة واحدة ودين واحد، كما زعم المحتل عند دخوله أرض المحروسة على جثث حراسها. 
ثلاثة قرون من القسوة العثمانية ضد شعب مصر، قابلها أبناء الأرض والحضارة بالسخرية اللاذعة، فضلا عن بعض أعمال المقاومة التي سجلها التاريخ منذ غزو الجيوش العثمانية أبواب القاهرة في عام 1517، حتى طردهم على يد محمد علي باشا وجيوش الفلاحين. 
"أبو شادوف" واحد من أشهر شعراء مصر في تلك الفترة، تصدر قائمة الساخرين من المحتل التركي، الذين قاوموا بالكلمة والنكتة فكانوا أشد وطأة على المستعمرين.

خراب القرى وهروب أهلها
اعتبرت القوانین العثمانیة أن كل الأراضي الزراعية في مصر ملك للسلطان، بمباركة بعض رجال الدين الموالين لإسطنبول،  كما يذكر الباحث محمد مصطفى في دراسة بعنوان "حيازة الأراضي تحت الحكم العثماني"، أجبر العثمانيون الفلاحين على مواصلة زراعة الأرض لحسابهم بنظام السخرة، مقابل حصولهم على فتات يسد الرمق، وإمعاناً في استنزاف مصر، تم فرض جزية سنوية، يتولى الوالي استخلاصها بالقوة من الأهالي، وإرسالها كل عام إلى إسطنبول، ما حرم مصر من تحقيق أي فائض اقتصادي يستخدم في بنائها.
طبق العثمانيون نظام "الالتزام" على المصريين، وهو عبارة عن بيع حق جمع الضرائب من الفلاحين مقابل سداد قيمة محددة من المال للخزانة مسبقاً، وبذلك ضمن العثمانيون قيمة الجزية التي كانوا يفرضونها على الشعوب غير الإسلامية، وتركوا الفلاحين يعانون من قسوة الملتزمين، الذين حصلوا الضريبة أضعافاً مضاعفة، باستخدام وسائل العنف البدني والإهانات، ما أجبر الفلاحين على الهرب من قراهم، فخلت القرى من أهلها، وخربت كما ذكر ابن إياس في كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور".
ويصف محمد ثابت الفندي الفلاحين المصريين خلال ذلك العهد، في كتابه الطبقات الاجتماعية بقوله :"هم دائماً في انقباض، وطرد، وجري، وحبس، وضرب، وسب وهوان وشيل تراب، وحفر آبار، وخروج للعونة على جهة السخرة، وتعب شديد بلا أجرة، وإذا كان فيهم ذو فضل ضاع فضله، أو ذو عقل ذهب عقله، أو ذو مال أغروا عليه الحكام، أو ذو تجارة نهبوه في الظلام".

المقاومة بقصائد الهجاء
يقول ابن إياس عن ظلم الأتراك للمصريين: وضعوا أيديهم على رزق الناس والإقطاعات، وأصبحوا يقررون الأموال على كل بلد حسب ما يختارونه من الأموال، وأصبحوا يجورون على الفلاحين في الصيف والشتاء، حتى خربت غالب القرى، وكان هذا من أكبر الفساد بحق الناس.
وفي هذا الجو المليء بالظلم، والمشحون بالغضب تجاه المحتل العثماني، كان شعر الهجاء سلاح المصريين الفعال للمقاومة، وعبر الشعراء عن ما سببه الأتراك وموظفوهم من الظلم والفقر والجهل، ومن أشهر هذه القصائد، القصيدة التي عرفت باسم "قصيدة أبو شادوف"، والتي انتشرت على نطاق واسع، حتى أن العثمانيين اضطروا لدفع بعض المتملقين من الشعراء للرد على أبو شادوف، حيث تصدى الشيخ يوسف الشربيني للرد بكتاب "هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف"، إلا أن الشربيني لم يستطع إنكار الظلم الفادح الذي أوقعه الترك بالمصريين.
يقول أبو شادوف عن الحال المزري الذي عاشه الفلاح المصري تحت الاحتلال التركي:
هم الفلاحة حـيرني     وكل ساعة في نقصان
ما أنفك من هم الوجبة      لما يجي مال السلطان

"لاشافني إلا المدمس وريحته"
عاش الفلاح المصري في حال من الفقر المدقع في العهد العثماني، فخير الأرض يذهب إلى سلاطين الاحتلال، ولا يبقى للفلاح إلا القليل، الذي يدفعه رشاوى لرجال الحكومة التركية في مصر اتقاء لشرهم. وعبر الشاعر أبو شادوف عن فناء عمر الفلاح في الزراعة والحصاد لسداد جزية السلطنة العثمانية بقوله:
ويا دوب عمري في الخراج وهمه       تقضي ولا لي في الحصاد سعيف
في هذا البيت يتأسف الشاعر على ضياع عمره في تسديد ضرائب وغرامات الأتراك، دون أن يناله نصيب مما يشقى في إنتاجه طوال العام.
وفي أبيات عديدة عبر فيها عن حرمانه من أبسط الأطعمة مثل الفول المدمس، والخبز، ويقول:
ولا شافني إلا المدمس وريحتو    على من جتو جفنة ونص رغيف
أنا إن شفت عندي يوم طاجن      مشكشك  فهداك يوم البسط والتقصيف

وصل الحال بالمصريين إلى تمني فتات العيش، في ظل النهب العثماني المستمر، الذي أطلق يد المماليك والملتزمين ومعاونيهم من جباة الضرائب في نهبهم، فلم يبق لهم إلا الجوع الدائم، وصار وجود الخبز في البيت أمنية بعيدة المنال، عبر عنها أبو شادوف بقوله:
متى أنضر الخبيز في الدار        عندنا وأندف منها بالعويش نديف
أنا خاطري أكلة فسيخ على        النده ضال عليها باكيا واسيف
أنا لو عشت لأروح المدينة        وأشبع كرو ولو أني أموت كفيف

عن الفقر المدقع الذي عاشه الفلاحون المصريون في عهد بني عثمان يقول عبد الرحيم عبد الرحمن في كتابه "الريف المصري في القرن الثامن عشر" إن حياة الفلاح المعيشية، كانت كما يستفاد من إشارات المصادر المعاصرة حياة بائسة، فأكله الدائم في الرخاء كان الشعير، والجبن القريش والبصل، والعدس، أما اللحوم والطيور فكانت حلماً، صعب المنال.
أما الطيور والدجاج فكانت تتم تربيتها طوال العام لتقديمها رشاوى لموظفي الإدارة التركية، الذين فرضوا على الفلاحين ضرائب غير رسمية منها "الوجبة" وهي ما يجب على فلاحي القرية من أفخر الطعام لضيافة الموظفين الأتراك، وكان بعضهم يستعيض عنها بالمال، وأما من يعجز عن توفير "الوجبة" فكان مصيره الضرب والحبس، حتى وصل الأمر بالفلاحين إلى بيع ملابسهم من أجل تلبية رغبات الأتراك وأتباعهم.
وليس أدل على شدة الجوع التي عاشها الفلاح المصري من تعبير أبو شادوف عن نيته سرقة معدات وزينة المسجد، وبيعها لسد جوعه، بقوله:
وأسرق من الجامع زرابين عدة      وأكل بهم من شهوتي في الريف

في مقابل الضرائب المتعددة لم يقدم الأتراك شيئاً للمصريين، ففي أوقات الكوارث كانوا يتركونهم بلا عون فريسة للجوع والمرض، ويصف المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي ما حل بالفلاحين في إحدى الكوارث في كتابه ""عجائب الآثار في التراجم والأخبار" بقوله: "جلت الفلاحين من بلادهم من الظلم، وانتشروا في المدينة بنسائهم وأطفالهم، يصيحون من الجوع، ويأكلون ما يتساقط في الطريق من قشور البطيخ وغيره، ولا يجد الزبال شيئاً يكنسه، واشتد بهم الحال حتى أكلوا الميت من الخيل والحمير".

ضرب وحبس وسخرة
كان الضرب والحبس والجلد أدوات السلطة العثمانية المسلطة على رقاب الفلاحين، الذين تحولت حياتهم إلى جحيم، وصار ميعاد تحصيل الضريبة منهم أسوأ أيامهم، وما وصفه شاعرهم أبو شادوف بقوله:
ويوم يجي الديوان تبطل مفاصلي    وأهر على روحي من التّخويف
وأهرب حدا النسوان وألتف بالعبا   ويبقى ضراطي شبه طبل عنيف
حول الأتراك المصريين إلى عبيد أرض، تقتصر وظيفتهم على الزراعة، و توريد نفقات السلاطين العثمانيين، وزاد الطين بلة أن السلطنة منحت جباة الضرائب سلطة على رقاب الفلاحين، لمنعهم من الهرب من قراهم.
أما عن أصناف العقاب البدني فشمل الضرب بالنبابيت وسحب الفلاحين من شواربهم من أجل إذلالهم، بجانب الجلد بالسياط، والحبس، علاوة على ذلك ألزمت السلطة العثمانية الفلاحين بأعمال السخرة في حفر الترع، والآبار، وبناء الجسور، والطرقات، وتنفيذ ما يُطلب منهم من أعمال، وفق رغبة رجال الإدارة العثمانية.

لا دينار ولا نافخ نار
لم يكتف العثمانيون بكل أشكال الظلم هذه، فعمدوا إلى تكليف بعض الشعراء المنافقين بهجو الفلاحين، فكان هؤلاء عوناً بكلماتهم على ظلم بني وطنهم، من هؤلاء الشيخ يوسف الشربيني الذي راح يؤلف أرجوزات وقصصا تسخر من حياة الفلاحين، وتشوه من صورتهم، منها ما ذكره مستهزئاً بأحد الفلاحين: "وأخذ الفلاح خاطر أستاذه وتوجه إلى بلده، فلما طلع الكفر لاقته زوجته أم معيكة، وسلمت عليه، وجلست وإياه في منادمة مثل منادمة القرود، أو بربرة الهنود".
وانبرى عدد من الشعراء لذم الفلاحة والفلاحين، طمعاً في رضا الأتراك، فقال أحدهم:
لا تسكن الأرياف إن رمت العلا   إن المذلة في القرى ميراث
تسبيحهم هات العلف حط الكلف  علق لثورك جاءك المحراث
أدى الفشل الإداري التركي والظلم والقسوة بحق الفلاحين إلى تدمير الإنتاج الزراعي في مصر، وهجر الفلاحين للقرى، وهو ما عبر عنه الجبرتي بقوله: "إن إقليم المنوفية لم يتبق فيه عام 1804 إلا خمس وعشرون قرية فيها قليل من السكان، أما باقي القرى فقد تحولت إلى خراب، ولم يبق فيها دينار ولا نافخ نار".
ويضع الجبرتي قلمه عجزا عن تصوير الأعباء التي تحملها الفلاح المصري إبان الاحتلال العثماني قائلا: "يكل القلم عن تسطيرها، ويستحي الإنسان من ذكرها، ولا يمكن الوقوف على بعض جزئياتها، حتى خربت القرى، وافتقر أهلها و جلوا عنها".

Qatalah