يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تطارد أشباح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك الرئيس الحالي رجب إردوغان، يحاول الأخير بشتى الطرق محو إرث الدولة المدنية التي أرساها مؤسس تركيا الحديثة لصالح نظام ديني متشدد على الطريقة الإخوانية المنحرفة، ليرضي طموحاته الإمبراطورية في استعادة الأرض المفروشة بالجماجم، التي خلفها أجداده في الدولة العثمانية.
خسر إردوغان جولة تغيير القسم في المدارس التركية، ضمن معركة يستهدف خلالها تغيير هوية البلاد، لتسييس الأتراك وصبغهم بأفكار حزبه ضمانا لتأييدهم، وأصدرت الدائرة الثامنة لمجلس الدولة قرارا ببطلان اللائحة الخاصة بإلغاء القسم الطلابي الذي أقره مؤسس الجمهورية أتاتورك.
سارع حزب العدالة والتنمية الحاكم، وعلى رأسه وزير العدل عبد الحميد جول، إلى انتقاد قرار مجلس الدولة، فيما دعم حزب الحركة القومية القرار عبر حسابه على "تويتر" وكتب "ما أسعد من يقول أنا تركي"، وهي إحدى عبارات القسم.
يقول المسؤول بنقابة المعلمين تورجوت يوكوش، تعليقا على مخطط تغيير التعليم من قبل إردوغان،
إنهم لن يسمحوا أبدا بخضوع نظام التعليم للسيطرة الكاملة للحكومة، داعيا إلى إنهاء السياسات التي تتسبب في استقطاب المجتمع ووقف الممارسات التي تكون ضد التعليم العلمي والعلماني.

قصة القسم الجمهوري
يردد الطلاب الأتراك منذ عام 1933 قسما يتعهدون فيه بالسير على خطى أتاتورك، والتضحية بأنفسهم من أجل بلادهم، وكعادة إردوغان وحزبه الحاكم ألغى القسم عام 2013 في مدارس المرحلة الابتدائية بقرار حكومي، حتى أقر مجلس الدولة في 19 أكتوبر الجاري بطلان اللائحة الصادرة من مجلس الوزراء.
بررت الحكومة التركية إلغاء القسم الطلابي من المرحلة الابتدائية بأنه "يعد شكلا من أشكال القومية البغيضة، وأن الجمهورية لا تضم الأتراك فحسب، بل هناك أعراق أخرى مثل الأكراد وغيرهم لا يمكن أن يطلب منهم أن يقسموا يوميا بأن يضحوا بأرواحهم فداء للجمهورية التركية".  
كانت نقابة التعليم التركية رفعت دعوى إلى مجلس الدولة التركي عام 2013، تطالب فيها بإعادة ترديد القسم في المدارس، وبعد القرار الجديد للمجلس يعود القسم الطلابي مرة أخرى للمدارس الابتدائية بعد توقف منذ 8 أكتوبر 2013.
بعد صدور قرار مجلس الدولة انتشر هاشتاج "نقرأ قسمنا في المدارس" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكتبت مستخدمة تركية تحمل اسم ديلارا باش "إنه أصح قرار جرى اتخاذه إلى الآن، بعد مضي 5 سنوات تعاد قراءة القسم من جديد"، فيما قالت المستخدمة نور جونجول "القسم الطلابي يدخل حيز التنفيذ من جديد".
وعلق المدير العام لنقابة التعليم التركية طالب جيلان على القرار قائلا :"يجب على وزارة التعليم أن تطبق القرار وأن يبدأ الطلاب ترديد القسم من جديد"، فيما أعلنت وزارة التعليم أن "الاستئناف مازال مفتوحا وأن العملية القانونية لا تزال مستمرة والقرار لم يحدد بعد".
برز موقف وزارة التعليم التركية من قضية القسم في نوفمبر 2017، عندما شهد البرلمان التركي جدلا واسعا بسبب فيديو أعدته الوزارة بمناسبة الاحتفال بيوم المعلم، ولم تظهر خلاله صورة مؤسس الجمهورية أتاتورك أو أية إشارة إليه، وخرج حينها حزب العدالة والتنمية للدفاع عن موقف الوزارة بأنه "قام على فكرة تكريم المعلم ولم يتطرق إلى قضايا أخرى".

محو أتاتورك
يسعى إردوغان بشتى الطرق إلى طمس آثار مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، مبررا موقفه بأنه يريد تنشئة "جيل ورع ومتدين"، بما يقضي نهائيا على أهم مبدأ في الجمهورية وهو الفصل بين الدين والدولة بشكل واضح، وتحويل مواطنيه إلى أعضاء في حزبه.
نشر موقع "سبيكتاتور" مخطط إردوغان بالارتداد عما بناه مصطفى كمال أتاتورك وخلفه من إرث، من أجل أن يصبغ المجتمع بصبغته ويطوعه بين يديه حتى يظل حاكما مدى الحياة ويواصل خططه الشيطانية، التي ترتد بالسلب على أنقرة قبل غيرها.
وقال كاتب المقال إن سياسات إردوغان تبدو واضحة في الالتفاف على نهج أتاتورك، لكن ما يحول بينه وبين التعجيل في إجراء ذلك عدم امتلاكه الشعبية الكافية، لأن الشعب لا يزال يحترم أتاتورك كثيرا ويزور ضريحه الملايين كل عام.
إردوغان تجرأ بعد اعتقال عشرات الآلاف في يوليو 2016، عقب مسرحية الانقلاب، وقال خلال فعالية شارك فيها في مايو 2017: من المؤسف أننا أعددنا تاريخنا الرسمي لسنوات، بالشكل الذي أراده البريطانيون، مناهج كتب التاريخ في تركيا ناقصة، الذين يشرحون التاريخ القديم ينتقلون مباشرة إلى تاريخ الجمهورية متجنبين ذكر تاريخ حقبة زمنية استمرت 600 عام ( قاصدا الدولة العثمانية)، إنهم أعداء لنا.
كانت تصريحات إردوغان بمثابة إشارة خضراء لوزارة التعليم التركية للعمل على تقليص المناهج التي تمجد مؤسس الجمهورية، واستبدالها بأخرى تتعمق أكثر في تاريخ الدولة العثمانية وسلاطينها ومزاعم إنجازاتهم في نشر الإسلام عن طريق إدخال دروس تتعلق بالغزوات والجهاد، وأوضح مؤيدو إردوغان أن الخطوة ضرورية من أجل إنهاء "قدسية أتاتورك".
منذ عام 2014 قررت المؤسسات التعليمية ضرب "التعددية" التي أسست عليها الجمهورية التركية في مقتل، حيث أدخلت وزارة التعليم العديد من التغييرات على طرق التدريس، من بينها إجبار الطلاب في جميع المراحل على حضور الدروس الدينية القائمة على تحفيظ القرآن والسيرة النبوية مهما كان دينهم وطائفتهم.
حول إردوغان المدارس إلى زوايا للوعظ وليس أماكن للتعليم، وتعد مدارس "إمام خطيب" من أبرز محاولات "العدالة والتنمية" لأسلمة التعليم، حيث تدعمها الحكومة على حساب نظيرتها، إذ ارتفع عدد تلاميذها إلى 1.3 مليون طالب في السنوات الست الأخيرة.
في أبريل 2018 كشفت وزارة التربية والتعليم عن خطط لاستيعاب نحو ربع الطلاب المتفوقين في المدارس العليا، في مدارس إمام خطيب الدينية، في خطوة يرى النقاد العلمانيون أنها تعطي أولوية للتعليم الإسلامي، ومن المقرر وضع أفضل 10 % من طلاب السنة الأخيرة بالمدارس الثانوية في مدارس منتقاة، في إطار نظام جديد للقبول تم إقراره في يونيو.

اللغة العثمانية
إردوغان يسعى منذ سنوات طويلة لإدراج اللغة العثمانية في المناهج، حيث يرفض تعديلات أجراها أتاتورك واصفا إياها بأنها "أفقدت تركيا اتصالها بتاريخها"، وكان آخر دعواته في أوائل 2018 حيث وصف "الثورة اللغوية" بتدمير اللغة التركية. وتابع: إنها واحدة من أكبر المشكلات في التاريخ الحديث، لدرجة أن لغتنا أصبحت موضوع مناقشات سياسية. باسم ثورة اللغة، هوجمت تركيتنا بكلمات ليست جذابة، كما أنها مملة وبلا روح.
كما غيرت وزارة التعليم بداية 2018 خطتها لإدخال اللغة الإنجليزية في مناهج الدراسة اعتبارا من الصف الأول الابتدائي ليبدأ تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الحكومية من الصف الخامس اختياريا، حيث يشمل الإنجليزية أو العربية أو لغات أوروبية أخرى مثل الإسبانية والألمانية والروسية.
كشفت وكالة رويترز للأنباء أن الإنفاق على مدارس إمام خطيب الثانوية للبنين والبنات بين سن 14 و18 عاما تضاعف إلى 6.57 مليار ليرة (1.68 مليار دولار) في 2018 أي ما يقرب من ربع إجمالي الإنفاق على المدارس، ورغم أن تلاميذها لا يمثلون سوى 11 % من إجمالي طلبة الثانوية، فالتمويل المخصص لهم يبلغ 23 % ما يمثل ضعف ما ينفق على نظرائهم بالمدارس العادية. 
وحسب صحيفة جمهورييت التركية، جرى تحوّيل جميع مدارس "حركة الخدمة" المعروفة بمدارس "الفاتح" وعددها 1400 مدرسة، بعد 2016  إلى "إمام خطيب".
رغم كل الدعم الرسمي والتمويل المخصص للمدارس، إلا أن بيانات عام 2017 بشأن مقاعد الدراسة المتاحة بالجامعات تظهر أن خريجي التعليم الديني أقل من نظرائهم بالمدارس العادية، فقد حصل 18% من المتقدمين منهم على أماكن لدراسات مؤهلة لدرجات علمية كاملة في الجامعة مقارنة مع 35 % من المدارس العادية و45 % من الخاصة.

كوارث المناهج الجديدة 
الكتب الدراسية الجديدة تكشف ما يسير به إردوغان على طريق تدمير النظام التعليمي، فهي مليئة بالكوارث، فمثلا كتاب الحكايات "زهور الضحك" - يدرس للصفين الثاني والثالث الابتدائي - يورد قصة طفلة ترى طفلا مقطوع الرأس، يتم طبخ رأسه في وعاء، وفيها عبارات "لن يدخل لحم أخي فمي"، و"اجمع كل العظام وادفنها تحت شجرة الورد"، ما يعد تربية على العنف تشوه نفسية الأطفال وتعرضهم لاختلالات واضطرابات.


كتاب أخر هو "كل اوغلان أك أولكا"، المخصص للصف الثالث الابتدائي، يحتوي على تعبيرات مثيرة للجدل حول الاستغلال الجنسي، فيظهر في الكتاب شخصية كاريكاتيرية، تحمل اسم "خضر" يتحدث عن الاستغلال الجنسي للأطفال قائلا: "اقترب من الطفلة ودقق النظر إليها بعينيه الواسعتين، ولطخ شرف وعرض الطفلة الفاقدة للوعي"، ثم يتابع سرد تفاصيل كثيرة عن رفض الطفلة وابتزازها، حتى ينتهي إلى "قال لها خضر: لقد أصبحتي زوجتي، تحملين في بطنك طفلي، وسيولد قريبا".

Qatalah