يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"العثمانيون أسسوا دولتهم على الظلم والاستبداد والجهل، أطلقوا جنود الإنكشارية لتنهش لحوم وأعراض الرعية، وأهملوا العمران، فباتت أرضنا خرابا وأثرا بعد عين"، هكذا وصف الرحالة عبدالغني النابلسي أوضاع البلاد العربية مطلع القرن الـ18، بعد قرنين من الاحتلال التركي، وسجل مشاهداته ورحلاته لتكون وثيقة تاريخية تفضح جرائم العثمانيين.

عبدالغني بن إسماعيل بن عبدالغني النابلسي الدمشقي "1641-1731" شاعر سوري وعالم دين وأديب ورحالة عربي، ولد ونشأ في دمشق، اشتغل بالتدريس في الجامع الأموي في دمشق عندما بلغ العشرين من عمره، وبعد 5 سنوات زار أدرنة وإسطنبول، ثم حصل على وظيفة قاضٍ في حي الميدان جنوبي دمشق، لكنه استقال وتفرغ للتدريس والتأليف.

النابلسي يعد من أبرز الشخصيات الشامية التي لعبت دورا بارزا في تاريخ دمشق على مدار 70 عاما، كان يسبق عصره بأفكاره المتفتحة وكتاباته الإصلاحية، وإن كانت ذات طابع فقهي، حيث أباح الاستماع إلى الموسيقى، وكان يرى في الفقه الإسلامي أداة لرفع الحرج وكسر التعصب استنادا إلى قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة".

تعددت رحلاته بين البلدان الإسلامية، شملت إسطنبول ولبنان وفلسطين ومصر والجزيرة العربية، وسجلها في عدة كتب أهمها "الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز" و"الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية"، وفيها يتحسر على مصير العرب بعد قرنين من الاحتلال العثماني، فاتخذ من كتاباته سلاحا لفضح جرائم العثمانيين.

محنة دمشق
النابلسي عارض الاحتلال العثماني، وحملت خطبه وكتاباته كلمات لاذعة للولاة الأتراك ورجال الإدارة، ما جلب إليه عداء الترك وحاشيتهم الفاسدة، فأمر الوالي رجال الشرطة باعتقاله في سجن دمشق، وهناك عانى من التعذيب والاضطهاد لعدة شهور.

قرر الاعتزال عن المجتمع، في محاولة لتحفيز الأهالي على الثورة، واختلى بنفسه في داره بجوار الجامع الأموي، وبقي على هذه الحال 7 أعوام، ثم قرر إنهاء عزلته، وصار شيخ دمشق الأول دون منازع، يرشد أهلها ويتصدى معهم للظلم والطغيان العثماني.

فنجان قهوة
دخلت القهوة والدخان دمشق والعالم الإسلامي في القرن الـ16، انقسم الناس حيالها، البعض حرمها واعتبرها خمورا مسكرة، منهم فقهاء إسطنبول الذين قالوا: "لا يشرب القهوة إلا أراذل الناس، فهي مضرة بالصحة ومذهبة للعقل، تساعد على السهر وتداول الكلام في شؤون الحكم والسياسة".

النابلسي قدم رسالة حاسمة في القضية، سماها "فتوى الإخوان في حل شرب الدخان"، وبين فيها بالأدلة الشرعية أن "تحريم الحلال مثل تحليل الحرام"، وأنه لم يرد في القهوة والدخان شيء، وذكر طرفا من ذلك في رحلته، ما يدل على تحرره من الجمود واندماجه في مشكلات المسلمين الطارئة.

سجل في رحلاته حوادث القمع والاعتقال التي مارسها العثمانلي في الشام ومصر، ووصف فقهاء السلطنة بقوله: "تجمدت عقولهم، وباتوا أغبى من الحمار"، ونظم شعرا يقول: "قيل لي كنت قبل هذا الأوان * قهوة البن تحتسي في الأوان * مالك الآن قد أضفت إليها * وهي بنت الحلال شرب الدخان * وهي سوداء وهو أسود هذا * مقتضى الاستواء في الألوان * فاحضروا يا شهود وقت زفاف * لتفوزوا بكوكب الاقتران".

شرار الجند
سجل في رحلته فظائع العثمانيين في الشام على يد جنود الإنكشارية الذين يسميهم "شرار الجند"، وكان من أشدها فسادا طوائف "القبي قول"، والتف حولها جماعة من الفاسدين عرفوا بالزعران والمناجيس، فرضوا الإتاوات على المستضعفين من أهل البلد.

اشتد بطش عساكر السلطان على طائفة الجزارين، ويقول النابلسي: "أرغموهم على تقديم اللحوم إلى الزعران الذين كانوا يطرحونها للبيع في (برج الروس) بظاهر باب توما، فوجد كثير من الناس حرجا شديدا في شرائها لأنها مغتصبة"، حسب رسالة الشيخ "تطييب النفوس في حكم المقادم والروس".

لم ينته جشع الإنكشارية عند هذا الحد، تمردوا في دمشق عام 1707، هاجموا الأسواق ونهبوا البضائع والسلع، وذبحوا 5 من الأشراف (أحفاد النبي محمد)، وقتلوا 20 شخصا من أهل دمشق، فتصدى لهم الشيخ بمنتهى الشجاعة وهاجمهم ودعا عليهم، ثم أنشد قصيدة يهجو فيها الأتراك.

النابلسي أنشد قائلا: "تجمع القول للإضرار واختبطوا * ما بينهم وبساط السوء قد بسطوا * يا سطوة الله حلي عقد ما ربطوا * وشتتي شمل أقوام بنا اختلطوا * إبليس للشر داعيهم وجامعهم * وما لهم عن هواهم من يمانعهم * ناديت الله أكبر سيف الله قاطعهم * وكلما علوا في ظلمهم هبطوا".

خراب البلاد
النابلسي رصد ما أصاب البلاد العربية من خراب وتدمير على يد العثمانيين، وصف أوضاع المدن والقرى في البلاد الإسلامية، وصور أحوال عشرات المدن التي أصبحت خرابا وأثرا بعد عين، بعد أن أصابها الإهمال والخراب على يد الولاة الأتراك وجنود الإنكشارية.

في رحلته إلى الشام، شاهد مدينة الصالحية التاريخية وقد أصابها الدمار وباتت خرابا، وسمع من أهالي القرى المجاورة أسباب الخراب، فقال :"والي الشام مر على هذه القرية، وأبلغ أهلها بأن الضريبة زادت هذا العام للضعف، وعجز الأهالي عن سدادها، وأجمعوا كلمتهم على الهروب ليلا إلى الصحراء، فتركوا ديارهم وزرعهم، لكن الباشا أرسل قواته فقبضت على 500 رجل وقدموا للإعدام".

وثق خراب مدينة وقلعة طرسوس، بقوله: "ثم دخلنا إلى قلعة طرسوس، وهي الآن غالبها خراب، وجدرانها متهدمة على ساحل البحر المالح (المتوسط)، فلم نجد بها شيئا يؤكل، ووجدنا بعض أناس ساكنين بيوتا كالمقابر فسألناهم عن شيء يباع عندهم، فلم نجد ولا كسرة خبز ولولا ما كان معنا من الزاد، لمتنا جوعا وأكلتنا الضباع والوحوش الكاسرة".

الخراب امتد إلى مدينة عكا، وعنها يقول: "وصلنا عكا وهي بلدة خراب مندكة، تهدمت أسوارها، وانكسر سوارها، وانقلعت عين قلعتها، وخفيت بدائع صنعتها، ولم يبق منها إلا القليل من البيوت، والأخصاص من العيدان التي ليس لها ثبوت".

النابلسي توجه إلى مصر وفي طريقه مر بمدينة الرملة على الحدود مع فلسطين، ووجدها خرائب وأطلالا، فذكر أوصافها في العصر المملوكي بقوله :"مدينة واسطة بلد فلسطين، وأرض سهلة كثيرة الأشجار والنخيل، وحولها كثير من المزارع والحدائق، وكان فيها قلعة لها 12 بابا، ومسجدا جامعا، وأسواق عامرة".

الحال تبدل على يد آل عثمان، يقول النابلسي: "أما في عصرنا هذا فلم يبق أثر لتلك الأوصاف التي بالرملة، وقد زال سورها وأسواقها القديمة، يحوطها المقابر من كل مكان، ولم يبق من المدينة ثلثها ولا ربعها، لإهمال العثمانيين لها وتعمدهم هدم أسوارها لنهب أحجارها".

فور وصوله إلى حدود مصر طالبه الترك برسوم باهظة للعبور، ويقول: "اعترضنا الجنود الأتراك عند منطقة قطية، وكل من يمر في ذلك الطريق يأخذ الكاشف منه أموال باسم (حق خفارة)، وبعد أن دفعنا لهم ما أرادوا، هجم علينا الترك كالجراد المنتشر أو الأسماك، ينهشوننا بالأفواه والأيدي، يأكلون ما يجدونه من الطعام، ويأخذون ما يقدرون عليه من المتاع".

رصد إهمال العثمانيين لمقياس النيل في منطقة الروضة بقوله: "كانت الروضة في عهد سلاطين المماليك فرح ونزهة وبها قصور ودور وبساتين، يجتاز إليها على جسر من السفن فيه 30 سفينة، وكان بها قلعة عظيمة، وبها دار المقياس يحيط بها أبنية دايرة وبها فسقية عميقة ينزل إليها بدرج من رخام".

يضيف الشيخ في مرثيته لما آلت إليه أوضاع مصر على يد الاحتلال التركي :"لكن في زمن دولة آل عثمان خرب النيل وخربت الروضة وضاقت الناس ذرعا بالمعايش"، ثم ينشد قائلا: "إذا ما سكنت بمصر فكن * صبورا على عارض يستدام * الظلم في مصر كل ظلم * يضرب في الأمثال بل في النظم".

دولة المجاذيب
النابلسي رصد إيمان العثمانيين بالخرافات والخزعبلات، شاهد في رحلته علي باشا والي طرابلس الشام وهو يصاحب أحد الأتراك المجاذيب في القصر، ويطلق عليه "شيخ السرايا"، ويستشيره في شؤون الحكم، فتدخل المجذوب في فرض الضرائب وتحديد عدد الفرق العسكرية بالولاية.

يقول الشيخ: "ذهبنا إلى الشيخ المجذوب فرأيناه جالسا وهو عريان وحوله النار موقدة لا تنطفئ في غالب الأوقات، وعنده الإبريق للقهوة والفناجين، وكل من دخل عليه لا بد أن يسقيه، وكل شيء يجعله على الطاجن في النار، ويدقه ويجعله قهوة فيصير قهوة، ويعتقد الناس في ذلك القطر بأن له كشوفات وكرامات".

النابلسي طلب من الوالي إذن بالإقامة في طرابلس لمدة أسبوع، فعرض الأخير الأمر على المجذوب، فأمر بتقديم القشيش نظير الإقامة، وبالفعل دفع الشيخ 100 درهم، لكن المجذوب عاد وألزم المصاحبين للرحالة بمكان إقامتهم وموعد مغادرة طرابلس، فثارت حفيظة الشيخ، واعتبر الأمر إهانة للعلماء وانحطاطا لدولة آل عثمان التي تعلي كلمة الدجل والشعوذة، فوصفها بـ"دولة المجاذيب".

رصد مظاهر الانحرافات العقدية التي بثها العثمانيون في المجتمع المصري، خاصة الاعتقاد في كرامات الأولياء والمدعين، ويقول إنه مر بقبر الشيخ أبي السعود الجارحي، وسمع قصة هذا الرجل الذي يعظمه الوالي، بل وجعل من قبره مزارا، فيقول: "كانت له كرامات خارقة وله القبول التام عند الملوك والوزراء وكانوا يحضرون بين يديه خاضعين".

ومضى قائلا: "عملوا بأيديهم في عمارة زاويته بحمل الطوب والطين والحجر، وروى الناس قصته وقالوا: كان ينزل في سرداب تحت الأرض من أول ليلة في شهر رمضان فلا يخرج إلا بعد العيد بـ6 أيام بوضوء واحد من غير أكل، وأما الماء فكان يشرب منه كل ليلة قدر وقية، ثم يخرج على الناس فيقول كنت أقرأ كتاب الغيب، فيزوره أعالي القوم لمعرفة أقدارهم ورزقهم، وذلك من عجائب الدهر".

المصادر :


Qatalah