يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في ديسمبر من العام 2013، كشفت الولايات المتحدة الأمريكية، عن شبكة فساد دولية، تضم في أعضائها رجالا مقربين من الرئيس التركي، رجب إردوغان، هو نفس العام الذي ظهرت فيه تسريبات صوتية لشبكة فساد محلية أخرى، تورط فيها ابنه، بلال، وعدد من وزرائه والمحيطون به، بالإضافة لاسمه شخصيا .

الفضيحتان أثارتا قدرا كبيرا من الشكوك حول الجانب الخفي من حياة إردوغان، وعلاقاته، وما إن كان لا يزال هناك المزيد من الأسرار المشينة المستورة، خصوصًا أن الرئيس التركي كان دائما ما يقدم نفسه كزعيم سياسي وديني أيضا، حين يتحدث عن "الأمة الإسلامية"، ويتدخل في قضاياها.

وزير الدولة التركي لشؤون الاتحاد الأوروبي، أجامان باغيش، كان جزءًا من الفضيحة الدولية، حيث كان الوسيط بين إردوغان وبين رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب. وحينها اضطر الرئيس التركي لإعفاء وزيره من منصبه، لكنه ظل مبقيًا عليه في مناصبه القيادية داخل حزب العدالة والتنمية.

أخطبوط إداري
أجامان باغيش ولد في 23 أبريل 1970، في مدينة بينجول، وتنحدر أصوله من مدينة سيرت جنوب تركيا. عمل والده عبد الله باغيش رئيسًا لبلدية سيرت في الفترة بين عامي 1974 و1979. وفي عام 2002 انتخب نائبًا لحزب العدالة والتنمية عن مدينة إسطنبول، وشغل منصب كبير مفاوضي تركيا مع الاتحاد الأوروبي للحصول على عضويته الكاملة.

بعدها، شغل باغيش منصب نائب رئيس حزب العدالة والتنمية للعلاقات الخارجية، بالإضافة إلى عضويته للمجلس التنفيذي المركزي، وهو أعلى الأجهزة التنفيذية بالحزب، قبل أن يتم تعيينه في 9 يناير 2009، كأول وزير مسؤول عن شؤون الاتحاد الأوروبي.

باغيش هو مؤسس منصة مشكلات المنصات العالمية في جامعة بيلجي، وشغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للمنصة.  وفي عام 1990 شغل منصب رئيس اتحاد الجمعيات التركية الأمريكية في نيويورك، وانتخب مرتين متتاليتين رئيسًا للاتحاد، بإجماع أصوات الأعضاء. كما كان عضوًا في المجلس الاستشاري للأتراك الموجودين في الخارج. حصل على مؤهل عالٍ من قسم الموارد البشرية بكلية الإدارة، بجامعة نيويورك.

علاقة وطيدة جمعت باغيش ورئيس الوزراء في ذلك الوقت، رجب إردوغان، وكان من  أقرب الأسماء المقربة له، حتى إنه قال عنه: "إذا كانت مدينة أورفا (مجيدة)، ومدينة عنتاب (محاربة)، ومدينة كهرمان (بطلة)، فإن مدن ريزا وإسطنبول وسيرت مباركات، لأنها كانت خير وسيلة لميلاد أكبر قائد وزعيم في تاريخ الجمهورية التركية".

فضائح بالجملة
باغيش استمر وزيرا لشؤون الاتحاد الأوروبي إلى أن تم فضح وقائع الفساد والرشوة في 17 ديسمبر 2013، وصدر قرار بإعفائه من منصبه في 25 ديسمبر من العام نفسه، حيث كان من بين وزراء إردوغان الأربعة المتورطين الذين حصلوا على رشوة من رجل الأعمال التركي إيراني الأصل رضا ضراب.

بحسب جريدة "سوزجو" التركية فقد حصل أجامان باغيش على 1.5 مليون دولار أمريكي رشوة من رضا ضراب، على ثلاث دفعات مختلفة، في مقابل تسيير أعماله داخل تركيا، ووقف نشر الأخبار المتعلقة بفساده في الصحف التركية، والتوسط لوالده للحصول على تأشيرة دخول إيطاليا والحصول على تصريح إقامة هناك، بالإضافة إلى مساعدته في أعمال مشروع الفندق الذي يقوم بتشييده داخل تركيا.

كان من بين فضائح الفساد والرشوة التي كشف عنها، تسجيل صوتي لباغيش، يتحدث فيه مع أحد أصدقائه عن أنه يستيقظ كل يوم جمعة يبحث عن آية قرآنية على الإنترنت لينشرها على حسابه الشخصي على تويتر، حتى يظهر أمام الرأي العام أنه متدين، وأضاف في محادثته الهاتفية: "اليوم نشرت آية من سورة البقرة، مضيفا: "بقرة مقرة، إنها شيء جيد". وهو أسلوب سخرية في اللغة التركية يعتمد على تكرار الكلمة مع تغيير الحرف الأول منها.

"صبي" لأبسط المهامّ
وفي 5 مايو 2014، وقف أجامان باغيش أمام البرلمان التركي للدفاع عن نفسه، نافيًا ادعاءات حصوله على رشوة من رجل الأعمال رضا ضراب، وكذلك ادعاءات التسجيل الصوتي المسرب، مؤكدًا أن هذا "إعدام سياسي" من حركة الخدمة ضده. إلا أنه أراد تحسين صورته، قائلًا: "عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، هكذا قال أجدادنا وكبارنا"، متغافلًا عن أنها الآية 216 من سورة البقرة.

جريدة "سوزجو" في خبرها المنشور في نوفمبر 2017، ذكرت تفاصيل جديدة عن رشوة أجامان باغيش، موضحة أن رضا ضراب حاول فتح حساب بنكي لدى بنك "Aktif Bank" التركي، إلا أن مسؤولي البنك رفضوا، مما دفعه للتواصل مع أجامان باغيش الذي رتب له لقاء مع المدير التنفيذي للبنك، ليتمكن من فتح الحساب، وإجراء التحويلات البنكية في عملياته المشبوهة.

وبالرغم من النفي المتكرر من أجامان باغيش لتلقيه الرشوة، إلا أن ضراب في أول اعتراف منه أمام المحاكم الأمريكية في قضية غسيل الأموال وخرق العقوبات الأمريكية على إيران، أكد أن أجامان باغيش ساعده في التواصل مع إدارة بنك "Aktif Bank" من أجل إجراء التعاملات الخاصة برجل أعمال إيراني يدعى "أجازاني" يمتلك حسابا في البنك ولكنه لا يسمح له بالتعامل في أمواله. وقال: "رتَّب الوزير أجامان باغيش اجتماعًا مع المدير التنفيذي للبنك، وحصلت على التصاريح اللازمة، بالرغم من الرفض السابق لإدارة البنك".

الأموال تذهب لإردوغان
وفي مقال الكاتب الصحافي أحمد دونماز على موقع "Tr724" الإخباري التركي، بعنوان "هل قضية ضراب قضية قومية؟"، نقل عن ضراب أقواله التي قالها أمام المحكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قال: "رئيس الوزراء (إردوغان) له يد في كل شيء. كان لديه علم بكل شيء. الأموال التي قدمتها إلى باغيش ذهبت إلى إردوغان، سأفضح كل شيء، ولكن الأهم أفرجوا عني".

وأوضح الموقع أن باغيش حصل على مبلغ 1.5 مليون دولار أمريكي من رضا ضراب مقابل تسهيل عمليات تحويل الأموال بين تركيا وإيران، بالإضافة إلى منح شقيق ضراب الجنسية التركية.

الرشوة في صندوق أحذية
في 19 ديسمبر 2013، أي بعد يومين من كشف فضيحة الرشوة، نشر موقع "sandika.com" التركي صورًا لعملية تسليم صندوق أحذية تابع لرجل الأعمال ضراب، إلى مكتب عمل أجامان باغيش في إسطنبول التابعة لوزارة شؤون الاتحاد الأوروبي.

وفي مارس 2014، أوضحت جريدة "سوزجو" التركية أن ضراب اتصل بباغيش هاتفيًا، وطلب لقاءه، واتفقا على الموعد، إلا أن الموعد كان يسبقه اتفاق بينهما بوضع مبلغ 500 ألف دولار أمريكي في صندوق أحذية، وتزيينه بشكل هدية، ليقدمه ضراب لباغيش، حسب الاتفاق.

أحزاب المعارضة التركية، تقدمت بمذكرات استجواب أمام البرلمان، لرفع الحصانة عن أجامان باغيش والوزراء الثلاثة الآخرين، من أجل محاكمتهم، نظرًا لعضويتهم في البرلمان، إلا أن البرلمان، بعد مماطلات وتأجيلات كثيرة، أصدر قرارًا في يناير 2015، برفض الطلب، بتأثير من أغلبية أصوات حزب العدالة والتنمية.

لم يختف أجامان باغيش من المشهد، ولم ينل العقاب على ما فعل، وإنما قربه الشديد من إردوغان، جعله يتصرف بحرية بالرغم من الانتقادات الشديدة، إلى أن نشرت جريدة "سوزجو" خبرًا في مايو 2015، أن باغيش سيعين مستشارًا خاصًا لإردوغان مسؤولًا عن شؤون أوروبا والسياسة الخارجية، عقب انتخابات 7 يونيو 2015، نظرًا لأنه لن يتمكن من الترشح في الانتخابات البرلمانية للمرة الرابعة، بسبب شرط أن يترشح النائب لثلاثة انتخابات فقط.

المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية إبراهيم كالين، أكد في تصريحات له بعد شهرين تقريبًامن ظهور هذه الادعاءات، بعدم صحتها.

جنسية أخرى.. للهرب
في 12 نوفمبر 2011، حصل أجامان باغيش على جنسية قبرص الشمالية، التي تسيطر عليها تركيا، بموجب قرار من مجلس وزراء قبرص الشمالية، استنادًا إلى المادة التاسعة من قانون الجنسية، تحت بند: "الشخصيات اللازم حصولهم على الجنسية بقرار من مجلس الوزراء".

وبحسب نائب حزب الشعب الجمهوري تانجو أوزجان، فقد حصل باغيش على جنسية قبرص الشمالية، تحسبًا لصدور مذكرة اعتقال من الإنتربول الدولي في حقه على خلفية تورطه في قضية كسر الحصار المفروض على إيران مع رجل الأعمال رضا ضراب.

في أبريل 2015، نشر موقع "onedio" الإخباري التركي، أن قوات الأمن في مطار هيثرو في إنجلترا استوقفت أجامان باغيش عند وصوله المطار، وعثرت بحوزته على حقيبة أو حقيبتين كبيرتين ممتلئتين بالأموال تتجاوز الحد الأقصى للأموال المسوح بجلبها على متن الطائرات. 

وأوضح أن خبرا نشر من قبل نائب حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول باريش ياركاداش، مشيرًا إلى أن قوات الأمن في المطار احتجزت الأموال، وبدأت تحقيقات في حق أجامان باغيش.

مستثمر في التعليم
أما الآن وحسب المعلن في وسائل الإعلام والصحف التركية، فإن باغيش أحد المساهمين في شركة "Abacus" لاستشارات التعليم في الخارج التي تأسست في ديسمبر 2016. وتقوم الشركة بتسهيل التحاق الطلاب الموجودين في تركيا بالجامعات في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وإنجلترا وعدد من الدول الأخرى.

باغيش لم يتمكن من البقاء خلف الستار طويلًا، إذ نشر موقع "T24" الإخباري التركي تقريرًا في 20 ديسمبر 2017، نقلًا عن الكاتب الصحافي جان ألتالي، حول حياة الرفاهية التي يعيش فيها أجامان باغيش، مشيرًا إلى أن السيارة التي يستقلها يبلغ ثمنها أكثر من 250 ألف يورو.

جريدة "صول" كشفت في أبريل الماضي عن تخصيص رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى، في وقت سيطرة حزب العدالة والتنمية عليها، سيارة فارهة وسائق لخدمة الوزير السابق، التابع لحزب العدالة والتنمية، أجامان باغيش، مشيرة إلى أن السائق تقاضى راتبًا على مدار 13 عامًا يقدر بنحو 780 ألف ليرة تركية، يتم سدادها من خزانة البلدية، حسب تصريحات عضو حزب الشعب الجمهوري وعضو مجلس بلدية إسطنبول الكبرى نادر أتامان.

تحت جناح إردوغان
فساد أجامان باغيش وتجاوزاته لم تمنعه من أن يكون مقربا من إردوغان، ظهر باغيش، الملطخ اسمه في وقائع فساد ورشوة، خلال الحفل الذي شارك فيه إردوغان، الشهر الماضي، لإطلاق أعمال إنشاء كنيسة مسيحية في إسطنبول.

الفيديو ظهر فيه إردوغان ومعه عدد من المسؤولين، ومن بينهم رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو، يستعدون للضغط على زر بدء تنفيذ المشروع، ونقلت الكاميرات تعابير وجه إمام أوغلو الذي ظهر عليه الحيرة والدهشة عند تزاحم أجامان باغيش من أجل الضغط على الزر معهم. وبعد أيام، تقدمت الخارجية التركية بطلب إلى دولة التشيك للموافقة على تعيين بغايش سفيرًا لديها.

قرار تعيين أجامان باغيش سفيرًا لتركيا، لم يكن الوحيد، وإنما جاء ضمن حزمة جديدة لتعيين عدد من مسؤولي حزب العدالة والتنمية سفراءً خلال الفترة المقبلة، من بينهم نائب حزب العدالة والتنمية السابق عن مدينة شانلي أورفا، عبد القادر أمين أونان، عُين سفيرًا لتركيا لدى الصين، ونائبة الحزب السابقة في مدينة بورصا، تولين كارا، سفيرة لدى مقدونيا قبل ثلاثة أعوام، بالإضافة إلى تعيين النائب السابق للحزب، زكريا أكجام، سفيرًا للبلاد في إندونيسيا.

Qatalah