يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحولت تركيا إلى زنزانة كبيرة على يد إردوغان الذى اغتصب العدالة واستخدم سيفها لإرهاب معارضيه وقطع ألسنتهم، لكن هجمته ارتدت إليه لتصيبه فى مقتل، حيث استخدم الروائى والصحفى أحمد ألتان محبسه منبرا لفضح جرائم النظام وكشف عوراته أمام الجميع.
لم يجزع ألتان الملقب بـ "عميد الصحافة التركية المعاصرة" من تهديد رجب ووعيد النيابة، وصرخ فى إحدى جلسات محاكمته "لم آت إلى هنا لتحكموا علىً، بل جئت لأكون الحكم أمام هؤلاء الجناة الذين اغتالوا القضاء بدم بارد وزجوا بآلاف الأبرياء إلى السجون".
اعتقل إردوغان ألتان البالغ 68 عاما في سبتمبر 2016 بعد شهرين من مسرحية الانقلاب، مع 5 صحفيين آخرين بينهم شقيقه محمد ألتان والإعلامية والصحفية فى جريدة زمان نازلى أليجاق، بتهمة الانتماء لحركة الخدمة التى يتزعمها رجل الدين المعارض فتح الله غولن.
ألقت قوات الشرطة القبض على الأخوين ألتان بعد ظهورهما فى برنامج المذيعة أليجاق على قناة "جان إرزينجان" للتعليق على أحداث مسرحية الانقلاب، وقال ألتان فى الحلقة: "أيا كانت التطورات التى أدت لحدوث انقلابات تركيا فإن إردوغان يمهد الطريق لانقلاب جديد".

أنا الحكم
يستغل ألتان الذى تولى رئاسة تحرير صحيفة طرف التركية 5 أعوام جلسات محاكمته للتنديد بسياسات رجب القمعية وكشف عورات قضائه المسيس، فيقول: "القضاء فى تركيا يلفظ أنفاسه الأخيرة، من يدرى ربما مات، فرائحة جثته المتعفنة تفوح فى كل مكان. قضاؤنا وإعلامنا يرون الآن أن العدالة تتمثل فى عقاب الآخر".
سليل الأسرة العريقة يؤكد أن "خصوم حزب العدالة والتنمية يقفون على الجانب الآخر بلا قاض حقيقى ولا ادعاء حقيقى ولا محام حقيقى، الجميع أصبح أداة فى يد الخيانة، والهيئة الوحيدة التى تعمل بشكل سليم فى بلادنا هى مديرية المقابر".

مصادرة الحياة
أصدرت المحكمة التركية قرارا بحبس ألتان وشقيقه محمد والصحفية نازلي أليجاق و3 آخرين مدى الحياة فى فبراير 2018، بتهم منها "دعم مسرحية الانقلاب في صيف 2016 وانتهاك الدستور التركى"، وفى أكتوبر الماضى أيدت محكمة النقض الأحكام الصادرة بحق الستة.
وصفت منظمة مراسلون بلا حدود تأييد الحكم بحسب ألتان وزملائه مدى الحياة بأنه "حكم بربرى وسابقة مزعجة للغاية"، معتبرة أن الحكم "ليس إلا قتل قضائى"، وتدخل الاتحاد الأوروبى لمساندته وزملائه، ووصفت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الأحكام بـ "الانتهاك القانونى".
اعتبرت المحكمة الأوروبية أن الأحكام تؤكد الإخلال ببنود المادة رقم 1/5 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الخاصة بالحرية والحق فى الأمن، والمادة العاشرة من الاتفاقية ذاتها التى تكفل حرية الرأى والتعبير، فيما دعا 38 من الحاصلين على جائزة نوبل إردوغان إلى إطلاق سراح الشقيقين.

بصيرة المبدع
استشرف ألتان مصيره البائس على لسان بطل روايته الخامسة "مثل جرح السيف" بقوله: "أمشى فى الظلام مثل كاهن ملعون كتب مصيره بنفسه، حياتى تقليد لروايتى. الذى كتبته يتحقق، أشعر أننى أسير فى دوامة يتشابك فيها خيالى وحياتى، ما نوع المصير الذى اخترته لبطل روايتى؟". 
تسرد الرواية الصادرة عام 1998 الأحداث الأخيرة للإمبراطورية العثمانية فى عهد السلطان عبد الحميد الثانى، حيث يعتقل أحد الأشخاص ويدان بتهم واهية ويحكم عليه بالسجن المؤبد، وهو نفس السيناريو الذى تكرر مع ألتان.

إهانة إردوغان
واصل إردوغان تلفيق القضايا للأخوين ألتان، وأصدرت إحدى المحاكم التركية قرارا بسجن الصحفى والأديب 6 سنوات بتهمة "دعم حزب العمال الكردستانى وإهانة إردوغان"، ولكن ألتان رفض جميع التهم الملفقة إليه وقال: "ماذا يعتقدون بشأن الانقلابات؟ الانقلاب لا يحدث بالكلام ولكن بالسلاح".
وفى إحدى جلسات محاكمته قال: "تهمة التورط فى الانقلاب كذبة، فوحدة الاستخبارات التى تراقبنا منذ سنوات تعلم عدم صلتنا بالانقلاب، ونحن نتعرض للسجن وتنتهك حرياتنا فقط لأن هذه السلطة لا تخاف من الجنرالات قدر ما تخاف من الكتاب، ولأن الأقلام يمكنها أن تمضى أبعد من البنادق، يمكنها أن تصل إلى ضمير المجتمع".

حكاية سيلفرى
نشرت سانام ألتان ابنة الصحفى والأديب أول صورة مع والدها من داخل سجن سيلفرى فى إسطنبول فى 21 يوليو الماضى، وعلقت عليها عبر "تويتر": "الحياة تمر، كل شخص يمر، كل شىء يمر، ولكن هناك حكايات جديرة بالذكر، أحمد ألتان، هنا حكاية سيلفرى".
أصدر ألتان من خلف القضبان مذكراته بعنوان "لن أرى العالم مرة أخرى"، وفيها يتحدث عن مشاعر السجناء وتأثير الكلمة على الجماهير وضمير المجتمع، فسارعت دور النشر العالمية لترجمة مذكراته إلى جميع اللغات دون التركية، وستصدر نسخة منها فى بريطانيا فى مارس المقبل.

Qatalah