يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من الأمريكتين إلى أوروبا وإفريقيا وآسيا بات كل شيء مباحا في شريعة نظام العدالة والتنمية، لتنفيذ مخطط بث الحياة في السلطنة العثمانية المقبورة، واستعادة هيمنتها البائدة منذ هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

حصان طروادة جديد كشف عنه مركز مشروع التحقيق حول الإرهاب "أي بي تي" يمتطيه رجب إردوغان لترويج وهم "الخليفة المُنتظر"، عبر فضح تورطه مع الجماعات الإرهابية في بنجلاديش وباكستان وأذرعها الطويلة في أمريكا الشمالية.

شبكة أسستها ومولتها أنقرة في أمريكا تحت ذريعة تقديم المساعدات الإنسانية للجاليات الإسلامية، بينما تنشط في الخفاء وتتعاون مع الجماعات الإرهابية لتنفيذ مخططات الترويج للأفكار المُتطرفة وتسويق تركيا كـ "أمل الأمة الأخير".

العشق الممنوع
تحت حكم العدالة والتنمية أضحت تركيا الراعي الرئيسي للمنظمات المرتبطة بالجماعات المتطرفة في بنجلادش وباكستان بالإضافة إلى مؤسسات إرهابية في أمريكا الشمالية.
خلال لقاء تلفزيوني العام الماضي، فضح مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية ياسين أقطاي استخدام حزبه للمنظمات الإرهابية وعلى رأسها الجماعة الإسلامية والإخوان لتنفيذ مخططات بث الحياة في جسد السلطنة العثمانية المقبورة.
أقطاي قال لتلفزيون الهلال الموالي لحزبه إن الجماعة الإسلامية والإخوان "وكلاء قوى ناعمة" ساعدا على تعزيز دور تركيا كقائد لخلافة عالمية، وحاول التسويق لوهم دفاع نظام إردوغان عن الإسلام قائلًا :"نحاول إغاثة المسلمين المضطهدين والواقعين تحت الظلم".

العلاقة الوطيدة بين قادة التطرف وإردوغان عكستها إشادات متبادلة بين الطرفين، فعندما أعدمت السلطات في بنجلاديش قائد الجماعة الإسلامية مطيع الرحمن نظامي، خرج الرئيس التركي ليعلن رفضه للحكم قائلًا: "ليس عادلًا ولا يمثل عقلية ديمقراطية"، ووصفه بأنه "مجاهد إسلامي عظيم".
في يونيو الماضي، بعد إعادة انتخاب إردوغان رئيسًا، وصفه قائد الجماعة الباكستاني سراج الحق بأنه "قائد عظيم للعالم الإسلامي"، ووصف تركيا في ظل حكمه بأنها "أمل الأمة".

شبكة الإرهاب
"أي بي تي" -المعني برصد أنشطة جماعات الإسلام السياسي حول العالم- كشف رعاية نظام العدالة والتنمية لاتحاد المنظمات الأهلية الإرهابي "يو إن أي دبليو" واستخدامه في تنسيق الأنشطة المتطرفة.
الاتحاد أسسه نظام إردوغان في إسطنبول عام 2005، ويضم في عضويته 340 منظمة غير حكومية في 65 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.
قائمة أعضاء الاتحاد تضم منظمات ترتبط بالإرهاب، مثل الإغاثة الإنسانية "أي إتش إتش"، والندوة العالمية للشباب المسلم "دبليو أيه أم واي"، زمزم (الصومال)، والإغاثة الإسلامية (المملكة المتحدة)، والإغاثة الإسلامية عبر العالم "أي أي أر أو"، يد العون للإغاثة والتنمية "إتش إتش أر دي"، والمجلس الكشميري الأمريكي "كيه أيه سي"، وغيرها.

وهم الخلافة
مستخدمًا الاتحاد الإرهابي يحاول نظام العدالة والتنمية التسويق لوهم إعادة إحياء سلطنة العثمانيين البائدة، تحت ذريعة الوقوف في وجه النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
المهمة المعلنة للاتحاد الإرهابي "خلق وعي قائم على الأمة" بين أعضائه، والسعي إلى الوحدة "ضد الغرب الذي يريد إضعاف العالم الإسلامي من خلال حيلهم القذرة ومحاولة فصله عن بعضه البعض رغم اتحاده".  
الاتحاد الإرهابي المدعوم من نظام العدالة والتنمية يحاول دغدغة مشاعر المواطنين بالدول الإسلامية، التي تسلل إليها عبر بوابة رعاية وتنسيق المشاريع التنموية وتقديم المساعدات الإنسانية ومعالجة الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان والحريات، والدفاع عن الثقافة والقيم الدينية والمساعدة في إيجاد "حلول للمشاكل المتعلقة بالعالم الإسلامي".


يد الإرهاب
منظمة يد العون للإغاثة والتنمية "إتش إتش أر دي" أحدى أخطر المؤسسات الإرهابية التي يضمها الاتحاد، تأسست عام 2005 في نيويورك.
"يد العون" تعد ذراع طولى لمنظمة الدائرة الإسلامية لأمريكا الشمالية "أي سي إن أيه"، التابعة للجماعة الإسلامية، وتستخدم الإغاثات والإعانات كبوابة لغسل عقول المسلمين في الدول التي تنشط فيها.
شركاء "يد العون" الإقليميون ثبت تورطهم مع كيانات إرهابية مُدانة من الولايات المتحدة، بما في ذلك مؤسسة فلاح إنسانيات "إف أي إف"، وحزب المجاهدين- مقره كشمير- "إتش إم" وزعيمه سيد صلاح الدين.
تحت قيادة صلاح الدين، شنّ حزب المجاهدين العديد من الهجمات الإرهابية، منها هجوم بالمتفجرات في أبريل 2014 في ولاية جامو وكشمير الهندية وأصاب 17 شخصًا.
أما مؤسسة فلاح إنسانيات فترتبط بشكلٍ خاص بمجموعة إرهابية يطلق عليها "لشكر طيبة"، مقرها باكستان ومدانة بتنفيذ هجمات مومباي الإرهابية عام 2008.

دائرة الإرهاب
منظمة الدائرة الإسلامية لأمريكا الشمالية "أي سي إن أيه"، التابعة للجماعة الإسلامية تعد الوكيل الأبرز لها، وتحظى أنشطتها بدعم شامل.
في مقال نشر في أغسطس 1999 في مجلة الرسالة الدولية التابعة للجماعة الإسلامية، قالت الأخيرة إن الدائرة نجحت في زرع بذور الحركة في القارة الأمريكية، وفي مقابلة إعلامية أجراها قائدها السابق قاضي حسين أحمد أكد دورها في خلق "مجتمع وحكومة ودولة إسلامية".
في عام 2013، دانت محكمة جرائم حرب بنجلاديشية نائب رئيسها السابق وقائد فرع نيويورك أشرف خان، وحُكم عليه غيابيًا بالإعدام، بوصفه "العقل المدبر" لفرقة القتل المعروفة باسم "البدر"، وهي فرع متشدد للجماعة الإسلامية.

تخابر
المجلس الكشميري الأمريكي إحدى المنظمات التابعة لاتحاد المنظمات الأهلية الإرهابية التابع لإردوغان، ويمول من الحكومة الباكستانية.
 في ديسمبر 2011، أمضى سيد غلام نابي فاي، المدير التنفيذي للمجلس 16 شهرًا في السجون الأمريكية بعد أن أقرّ بأنه مذنب بتهمة التآمر والعمل كوكيل للحكومة الباكستانية دون تسجيل، بموجب قانون الوكلاء الأجانب "إف أيه أر أيه".
سيد غلام تلقى 3.5 مليون دولار من جهاز الاستخبارات الباكستاني للتأثير على السياسة الأمريكية تجاه كشمير، كما استخدم المجلس كواجهة لأنشطة الضغط غير القانوني.
تُظهر الوثائق التي تم الاستيلاء عليها من منزله أنه يعمل مع الاستخبارات الباكستانية لسنوات قبل تأسيس المجلس، ولديه صلات قديمة بالجماعة الإسلامية، حيث تعرّف عليها من خلال قائد محلي لها أثناء دراسته، حسبما ذكر موقع بروبيبليكا "ProPublica" عام 2011. 
غلام يعد متحدثًا اعتياديًا في مؤتمرات اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي، لذلك لم يكن مستغربًا حضوره معرضه الدولي في ديسمبر 2017 في إسطنبول، وشوهد مع عضو الاتحاد علي كيرت، ورئيس مؤسسة "الخدمة" عبد الشكور، التي تعد الجناح الخيرية للجماعة الإسلامية في باكستان.

العنكبوت السام
منذ وصول إردوغان إلى السلطة في 2002، وتركيا تحاول لعب دور الوريث الشرعي للسلطنة العثمانية، وتسوق صورتها باعتبارها قلعة الإسلام الأخيرة، والزعيم الرئيس لبث الروح في الدولة البائدة.

أنقرة لم تكن القوة الإقليمية الوحيدة التي تستغل الإسلام للهيمنة على المنطقة، طهران نافستها من خلال تمويل المنظمات والمساجد، ما دفع تركيا  للترويج لوهم أنها الأكثر تسامحا والأقل تطرفا، لتظهر في عيون الغرب على أنها الأجدر بالقيادة.
أطماع تركيا فضحتها نزعتها القومية أمام أوروبا، التي ترى فيها دولة تحاول بسط نفوذها خارج أراضيها، فيما تعلم بلدان الشرق الأوسط أن أنقرة تحاول إعادة عقارب الزمن للوراء باسترجاع  دولتها الاستعمارية الساقطة.

حصان طروادة
نظام العدالة والتنمية ينشط في بناء المساجد داخل عواصم ومدن العالم، لنشر أفكاره المتطرفة التي تُمهد لغزو عثماني جديد باسم الدين.
إردوغان افتتح مسجدا في تيرانا عاصمة ألبانيا عام 2015، وفي العام التالي حضر مراسم افتتاح مركز إسلامي كبير يتوسطه جامع ومركز ثقافي في ولاية ماريلاند الأمريكية، وصفه بـ"أكبر حرم إسلامي في نصف الكرة الغربي".

في سبتمبر من العام نفسه، افتتح أحد أكبر المساجد في أوروبا بمدينة كولونيا الألمانية، التي تعد موطنا لمجتمع تركي ضخم، وفي يونيو الماضي افتتح جامع هالة سلطان في الجزء المحتل من العاصمة القبرصية نيقوسيا، ، فيما يخطط لبناء مساجد في كوبا ورومانيا وفنزويلا.

أذرع الشيطان
رئاسة الشؤون الدينية والمعروفة باسم "ديانت" -تأسست  عام 1924- وقت تفكك السلطنة العثمانية في بداية مهد الدولة التركية الحديثة، تمثل رأس الحربة في مشروع إردوغان الاستعماري.
لم تلعب "ديانت" حتى الثمانينيات من القرن العشرين أي دور خارج تركيا، اقتصر نشاطها على بناء المساجد وصيانتها وتوظيف الأئمة، وكتابة الخطب التي تقرأ كل أسبوع في مساجد البلاد، إلى جانب التعليم الديني وشرح الفتاوى.
في أعقاب انقلاب عام 1980 وما نتج عنه من شتات، بدأت المنظمات الإسلامية واليسارية في توسيع نفوذها في أوساط الجاليات التركية المهاجرة غرب أوروبا، ليظهر دور "ديانت" كمروج لنسخة على هوى السلطة الحاكمة.
ابتداءً من 2010 وسع حزب العدالة والتنمية الحاكم مهام "ديانت" الدولية لتصبح معبرة عن أجندته السياسية والإيديولوجية، بعد أن كانت تتمتع بشبه حكم ذاتي.
"ديانت" تمارس نشاطها حاليا في الكثير من دول العالم، من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وإفريقيا وآسيا، تحت ستار الخدمات الدينية، التي تتمثل في  تنظيم رحلات الحج وتوعية الدعاة الجدد ونشر الكتب الإسلامية، وترجمة القرآن إلى اللغات المختلفة، وتقديم منح دراسية للطلاب من القارة السمراء والبلقان وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية لدراسة الشريعة في أنقرة.

تدفع "ديانت" رواتب الأئمة الذين يتم إرسالهم خارج تركيا، وتتحكم في الرسائل التي يوجهونها، من أجل الترويج لإردوغان، واعتماد سياسته التوسعية في نفوس المصلين. 

سرطان إردوغان
وكالة التعاون والتنسيق التركية الحكومية "تيكا" تعد إحدى أدوات سلطات أنقرة في التمدد، وذراع إردوغان الطولى التي يستخدمها للتدخل في شؤون الدول تحت مزاعم المساعدات الإنسانية.

"تيكا" تأسست 24 يناير 1992، لتنسيق علاقات أنقرة المتنوعة مع دول وسط آسيا، وبعد تولي العدالة والتنمية الحكم، اتسعت رقعة تواجدها، لتشمل مشروعاتها المناطق التي تسعى حكومة الحزب الحاكم الانفتاح عليها بشكل واسع، خاصة الشرق الأوسط والبلقان وإفريقيا.

تبييض وجه تركيا، وغسل يديها من الممارسات القمعية، هي ما تعمل عليه الوكالة، لتنشر صورة مختلقة مفادها أن أنقرة تسعى لأن تربح مع غيرها، دون الإضرار بالدول والعرقيات والطوائف، ما يخدم مخطط إردوغان بالتمدد وتحقيق أقصى المكاسب دون إظهار الوجه الحقيقي لأطماعه.

Qatalah