يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


25 نوفمبر 2018 إردوغان "أقنعة متعددة" و"وجه واحد"

فى كل مكان وزمان وعلى مرِّ التاريخ يحاول البعض تعويم أنفسهم وبناء مجدهم، لا سيما الحكام الباحثين عن صناعة أسطورتهم الخاصة وتقديم أنفسهم كرموز وشخصيات تاريخية على مبدأ (التاريخ يكتبه الأقوى) ليخطوا فترات ولاياتهم كما شاؤوا لها أن تكون، ولكن هذا فى زمن مضى أما اليوم فلا تخفى الحقيقة على المتمحص والمدقق والقارئ المتمكن، ففى ظل الثورة التكنولوجية والانتشار الواسع للأخبار والحقائق صوتاً وصورة باتت هذه الألعاب مكشوفة إذا استطعنا الربط بينها.

من هذه الشخصيات على سبيل المثال لا الحصر الرئيس التركى رجب طيب إردوغان، الذى تسلق موجة الاضطرابات التى يشهدها محيطه الإقليمى (العربى) ولم يترك فرصة أو مناسبة لإظهار نفسه كزعيم بل سلطان أيضاً، معتمدا بذلك على عنصر الدين بشكل رئيس، خاصة أنه ينتمى بمفهومه العقائدى لتنظيم "الإخوان المسلمين" الذى ينادى بقيامة ما يُطلق عليه مصطلح "الأمة "على حساب أمن الأوطان واستقرارها.

ثلاث دعائم يرتكز عليها إردوغان للوصول إلى مبتغاه:

المرتكز الأول والرئيس هو لبوس الدين، وهو القناع الذي يجيد ارتداءه إردوغان مستغلاً القضايا التى تلامس قلوب الشعوب المسلمة ولا سيما القضية الفلسطينية والقدس التى هى من أقدس أقداس المسلمين، فلا يترك الرئيس التركى مناسبة إلا وأصابعه تشير إلى القدس وتمكنها من قلبه وضرورة تحريرها وفك أسرها من براثن الصهاينة قتلة الأطفال ورعاة الإرهاب الأول، كما يصفهم بخطابات تجعل سامعها من العرب والمسلمين يرى فيه صلاح الدين لهذا القرن، ولكن حقيقة الأمر أن تركيا إردوغان تقيم علاقات لا حدود لها مع إسرائيل، وإن كانت قد تأزمت -شكلياً- بعد مقتل مواطنين أتراك فى حملة أسطول الحرية عام 2010، تطالعنا اليوم وسائل إعلام إسرائيلية بأن العلاقات التركية الإسرائيلية ستعود قريباً إلى سابق عهدها، فقد نقلت صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبرية منذ أيام عن مصادر دبلوماسية وصفتها برفيعة المستوى أن تركيا وإسرائيل ستتبادلان السفراء بعد فترة الأعياد اليهودية، وأن الخارجية الإسرائيلية نشرت إعلاناً لتعيين سفير إسرائيلى جديد فى تركيا اعتباراً من صيف 2019، أما على الصعيد الاقتصادى وعلى الرغم من التصريحات الإردوغانية بضرورة مقاطعة إسرائيل انتصاراً للدين والمقدسات تطالعنا النسب الاقتصادية والأرقام الإحصائية التى لا تقبل التشكيك، بأنه منذ وصول إردوغان إلى سدة القرار التركى ارتفعت نسب التبادلات الاقتصادية والتجارية، وحسب الإحصاءات الصادرة عن وزارتى التجارة فى البلدين فقد بلغ حجم التبادل التجارى بين تركيا وإسرائيل بين عامى 2002-2017 إلى 2.5 ضعفاً، كما ارتفعت الصادرات بواقع ثلاثة أضعاف والواردات بواقع الضعفين تقريباً 1.8 عما كانت عليه من قبل، أرقام تكشف عدم صدقية التصريحات والخطابات التى يتباهى بها "الزعيم التركى" بين حين وآخر.

المرتكز الثانى هو القناع الإنسانى الذى يصرخ عبره إردوغان بأعلى صوته من أجل نصرة المظلومين، ومن ذلك قضية اللاجئين السوريين الذين يتباكى عليهم ليل نهار، وفى الواقع لم يكن هؤلاء سوى ورقة ضغط يبتز بها الدول الأوروبية بعيدا عن الوازع الإنسانى، بل كانت المصالح السلطوية هى البوصلة، فبعد استقبال إردوغان لما يكفى لسياسته من اللاجئين لم تعد الحدود التركية مفتوحة أمام لاجئ جديدٍ وإن كان الموت يطارده، بل صارت خط موت قضى عليه مئات اللاجئين نحبهم برصاص الجندرمة وحرس الحدود.

المرتكز الثالث يتمثل بدفاع "السلطان" عن حرية الشعوب وحقوقها فى التعبير ومعارضة أنظمة الحكم فى دولها، وهذا مسموح وفق سياسية حزب العدالة والتنمية الذى يترأسه إردوغان خارج الحدود التركية، بينما الداخل لا يمكنه ممارسة هذه الحقوق، ولعلّ العدد الكبير من السجناء الأتراك من ضباط وسياسيين ومعارضين وصحفيين ورجال أعمال خير دليل على العنف المتبع من قبل حكومة إردوغان باتجاه شعبها، وتظهر حجم التضليل الكبير الذى يسوق له رجال الرئيس التركى وداعموه المؤدلجون بأن تركيا تعيش حالة من الديمقراطية غير مسبوقة.

(راجع طريقة تعامل حكومة إردوغان مع المعارضة وإغلاقها الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية)

كل هذا وغيره من الممارسات والسياسات التي يتبعها إردوغان فى الواقع ما هى إلا الحقيقة الدامغة التى يخفيها وراء التصريحات الصاخبة والخطابات الرنانة سعياً لبناء السلطنة الإردوغانية، على غرار السلطنة العثمانية التى ما زال من شهودها وأعيانها من يعيش بيننا راويا مآسى 400 عام من الظلم، فضلاً عن التاريخ الذي لم يترك شاردة وواردة مارسها السلاطين العثمانيون بحق وطننا العربى إلا وسجلها، لذلك مهما بلغت الأقنعة من السبك والإتقان لدى الرئيس التركى رجب طيب إردوغان إلا أنها تبقى غطاء لوجه واحد يسعى جاهدا لتحقيق حلمه بالعودة إلى ما كان عليه أجداده العثمانيون قبل نحو مئة عام، وهذا ما يرفضه الكثير من الشباب العربى ويناضلون من أجل عدم تحقيقه.

Qatalah