يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


1 نوفمبر 2018 إردوغان والاقتصاد التركي.. رهينتان تحتجزان بعضهما البعض!

أصبح الاقتصاد التركي رهينة لواقع التردي السياسي الذي تعيشه تركيا اليوم، ويمكن رؤية انعكاس سياسات الرئيس رجب طيب إردوغان على حال الاقتصاد في أكثر قطاعاته حيوية من خلال المحنة التي يعيشها المثقفون والأكاديميون والصحافيون وأصحاب التوجه الديموقراطي والعديد من الأجانب، سواء أكانوا مسجونين أو مفصولين من وظائفهم أو غير قادرين على السفر إلى الخارج. ولعل الأحكام التعسفية الصادرة بحقهم والسهولة التي يتم بها إسقاط التهم ضدهم تظهر أنهم أيضا رهائن للنظام التركي الحالي.
وساهم إردوغان في ترسيخ هذا الواقع من خلال تصريحاته في العديد من المناسبات. فعلى سبيل المثال، وخلال أوج الخلاف مع الولايات المتحدة بشأن احتجاز القس أندرو برانسون، اقترح إردوغان صراحة الإفراج عن القس الإنجيلي الأميركي مقابل تسليم واشنطن للداعية التركي فتح الله غولن الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا وتتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016 في صفقة تبادل.
وقد وفرت حالة الطوارئ التي فرضتها السلطات بعد محاولة الانقلاب لاجتثاث أعضاء شبكة غولن من أجهزة الدولة إطارا قانونيا لهذه الاعتقالات أو تمديد فترة احتجاز الموقوفين رهن المحاكمة، لتصبح هذه الانتهاكات ممارسات اعتيادية لجهاز قمعي يفعل ما بوسعه لوضع المزيد والمزيد من الخطوط الحمراء للمجتمع وضمان عدم تجاوزها من أي طرف كان.
واليوم، بات أي يشخص يحاول كسر المحرمات الأساسية للدولة التركية، والتشكيك مثلا في السياسة الرسمية ضد الحركة الكردية، يُنظر إليه باعتباره عدوا للدولة. وليس من قبيل الصدفة أن أولئك الذين يتجرؤون على اتخاذ موقف نقدي من هذه المسألة المحرمة يميلون أكثر إلى الجناح التقدمي من مختلف المذاهب السياسية ويحتفظون بصلات وثيقة بالأحزاب الليبرالية والمؤسسات الأكاديمية البارزة والمنظمات غير الحكومية التي تنشط في مجالات العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. ومن ثم، فقد أصبح هؤلاء الأشخاص أيضا رهائن لدى السلطات التركية في نظر التيار التقدمي في الغرب.
كما أن تجربة الفدرالية الديموقراطية التي يقودها الأكراد في شمال شرق سورية باتت أيضا، ولو جزئيا على الأقل، رهينة لمخاوف تركيا من حدوث صحوة سياسية كردية لا يمكن احتواؤها عبر بلاد الرافدين. وقد تدخلت تركيا عسكريا بالفعل لاحتلال منطقتي الباب وعفرين السوريتين وفرضت أيضا سيطرتها على إدلب في إطار هدفها الواضح والصريح للحد من تقدم قوات سورية الديموقراطية التي يقودها الأكراد وتقويضها. وهذه المخاوف جعلت من تركيا، وهي عضو قديم في حلف شمال الأطلسي ومرشحة شكليا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، خصما مثيرا للمشاكل من وجهة نظر الحكومات الغربية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، اللتين استثمرتا في قوات سورية الديموقراطية في البداية لدحر تنظيم الدولة الإسلامية، والآن للوقوف كقوة موازنة للنفوذ الإيراني في المنطقة.
وهذا التدخل فاقم من الموقف الأوروبي المعقد بالفعل تجاه تركيا. إذ جعلت أزمة الديون الحالية في تركيا معضلة التشابك المالي للقطاعين المصرفيين الأوروبي والتركي أكثر وضوحا. وهذا هو أحد أوجه الشراكة التجارية القائمة بين أوروبا وتركيا، فحوالي 40 في المئة من صادرات تركيا تذهب إلى أوروبا، لكن الأهم من ذلك أن السلع الوسيطة تمثل جزءا كبيرا من حجم التجارة بين تركيا وأوروبا. كما تم إدماج القطاع الإنتاجي التركي على نطاق واسع في جسد الاقتصاد الأوروبي من خلال سلاسل التوريد.
باختصار، يتشابك الاقتصاد الأوروبي مع نظيره التركي بشكل وثيق ومعقد، وستكون عملية فك الارتباط مكلفة لكلا الطرفين. لكن هناك عاملا على نفس القدر من الأهمية، إن لم يكن بقدر أكبر، وهو خوف الدول الأوروبية من تدفق اللاجئين على أبوابها، مما يجعلها هي أيضا رهينة لتركيا باعتبارها الدولة التي تحمي الحدود الأوروبية من التبعات الاجتماعية والسياسية والبيئية لانفجار برميل البارود الذي يمثله الشرق الأوسط. 
كما انضمت الطبقة البرجوازية التركية إلى قائمة رهائن أنقرة من خلال التواطؤ والسكوت عن الكوارث التي ترتكبها الحكومة بحق الوطن والطبقات الأخرى. وعلى الرغم من أن إردوغان يقدم نفسه كخصم لما يطلق عليها "جماعات ضغط أسعار الفائدة" في إشارة للطبقة البرجوازية في إسطنبول التي تسيطر على جزء كبير من القطاع المالي، وأيضا للمؤسسات المالية العالمية، كان إردوغان وحزبه دائما من أكبر الداعمين لأصحاب الأعمال التجارية والمناهضين للطبقة العاملة بشكل صريح. وتمكن حزبه من الفوز بالانتخابات الماضية من خلال سيطرته على شريحة واسعة من أبناء الطبقة العاملة المتدينين من خلال قنوات السياسة الاجتماعية التي تلبي احتياجات العمال معيشيا وليس احتياجاتهم في مكان العمل.
أما في سوق العمل، فقد وقف حزب العدالة والتنمية الحاكم مرارا في وجه النقابات العمالية ودائما ما كان مساندا للشركات في رفع معدلات استغلالها لموظفيها. ولعل حالات الوفاة الكثيرة وظروف العمل المروعة التي عانى منها العمال أثناء بناء المطار الثالث الجديد في إسطنبول من بين الأمثلة الأكثر وضوحا للعنف الطبقي المتكرر الذي تمارسه الحكومة الاستغلالية بحق صغار العمال. واستفادت البرجوازية التركية، وعلى وجه الخصوص البرجوازية في إسطنبول، من مواقف حكومة إردوغان المؤيدة لقطاع الأعمال وتواطأت معها في هذه السياسات، على الرغم من شعورها بعدم الارتياح إزاء أسلوبه.
وساهمت أزمة الديون الحالية في إبراز هذا التواطؤ الفج على نحو أكثر وضوحاً. فعلى الرغم من أن حكومة إردوغان تبدو وأنها تتخبط مؤخرا في طريقة إدارتها للأزمة، لا تزال تمتلك السلطة لتحديد من سيتم إنقاذه ومن سيتم التخلي عنه ليغرق خلال فترة الركود التي من المتوقع أن تستمر لمعظم عام 2019، إذا لم تمتد لما بعد ذلك. وفي حين أن الأزمة ستكون لها بلا شك عواقب غير متوقعة (خاصة مع إجراء الانتخابات المحلية في مارس)، من المرجح أن تبحث الحكومة عن الفرص المتاحة لإعادة تشكيل الطبقات الرأسمالية حسب رغبتها.
ويمكن لحكومة إردوغان أن تتجاوز الأزمة في نهاية المطاف، وذلك فقط لأن المعارضة القومية في تركيا (سواء بقيادة حزب الشعب الجمهوري ذي الميول اليساري أو الحزب الصالح اليميني) هي أيضا، إلى حد ما، رهينة لخطاب إردوغان عن التهديدات الإمبريالية التي تستهدف الوحدة الوطنية للبلاد وسلامة أراضي الدولة التركية. وهو ما يدفع المعارضة أيضا إلى التواطؤ حتى أخمص قدميها مع الخطاب الرسمي للدولة ومخاوفها العميقة من الإرادة السياسية الكردية.
لكن في الواقع قد يكون الرهينة الحقيقي في صميم هذه الشبكة المتشعبة هو إردوغان نفسه. فمما لا شك فيه أن السياسة هي فن أتقان الأخذ والعطاء والموازنة بين كونك مديونا وكونك مدينا للآخرين. ولطالما كان إردوغان بارعا في الاستفادة من هذا الجانب التجاري من السياسة، لكن صعود الإسلام السياسي في تركيا لا يمكن اختزاله في مناوراته البارعة مع أنصاره وخصومه. واليوم، تنحصر سياسة إردوغان في إبرام سلسلة من صفقات التبادل التي لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا من خلال الاحتفاظ بالاقتصاد الوطني كرهينة. بعبارة أخرى، أصبح إردوغان رهينة لسياساته التي انتهجها على مدار السنوات الماضية وتعتمد في جوهرها على احتجاز اقتصاد البلد برمته كرهينة له.

نقلا عن صحيفة "أحوال"

Qatalah