يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


1 أكتوبر 2018 إردوغان وانهيار الحلم التركي

تشير بوصلة المال والاقتصاد في أنقرة إلى أزمة مالية ومأزق اقتصادي قادم وخاصة أن الليرة التركية عند مستوى منخفض قياسي مقابل الدولار، وتصنف من بين أسوأ العملات أداء هذا العام ، ولا سيما بعد أن تهاوت العملة إلى أدنى نقطة لها مقابل الدولار الأميركي، لتصل إلى 4.7051 يوم الأحد الماضي. وقد ارتفع الدولار بحوالي 18 في المائة مقابل الليرة حتى الآن هذا العام ومع ذلك لم يحرك الرئيس التركي ساكن ويجلس إردوغان على أسعار الفائدة، ويختار سياسة نقدية تعطي الأولوية للنمو على التحكم في التضخم ذي الرقم المزدوج بعد أن شغلت ماكينته الإعلامية شعبه بمعدل النمو في تركيا والنسبة المثيرة للإعجاب والتي بلغت 7.4 في المائة لعام 2017 وكيف أن تركيا تقود مجموعة العشرين في هذا الجانب، ولكن ما لا يدركه العامة وأن كان واقعاً يُعاش يومياً بأنه نمو تم على حساب التضخم الذي ارتفع إلى 10.9 في المائة.

ويشعر المستثمرون بالقلق من تدخل الحكومة في السياسة النقدية واستقلال البنك المركزي، حيث يلعب إردوغان دوراً محورياً غير معتاد في تقرير السياسة النقدية لبلاده، وبالرغم من ارتفاع عجز الحساب الجاري والاقتراض الحكومي بعملات أخرى فأن إردوغان لا يريد أن يتخلى عن السيطرة على البنك المركزي بعد حكم دام 15 عاماً وسيطرة مطلقة على السلطة، حيث تشير استطلاعات الرأي العام إلى أن إردوغان هو المرشح الأقوى وعلى نحو مريح للفوز بالانتخابات الرئاسية الحالية وخاصة أنه يحظى بدعم نخبة من أثرى الأثرياء في تركيا، والذين يملكون تقريباً 46.5 بالمئة من ثروة البلاد، وفي المقابل هناك ما يقارب من 16.7 مليون شخص في تركيا يعانون الفقر.

وفي جانب آخر قد أظهرت بيانات من وزارة الجمارك والتجارة في الربع الأول من السنة الحالية بأن العجز التجاري التركي ارتفع إلى 109 بالمئة على أساس سنوي ، ليسجل 9.06 مليار دولار، وبالرغم من استخدام إردوغان أسلوباً ذكياً استقاه من فكر الجماعة الأم وتنظيمها الدولي الذي خرج من تحت عباءته بتنظيم "إخواني" تركي خالص حداثي، ويعتمد أسلوب الدعاية التضليلية لتسويق لفكرة أن حزب "العدالة والتنمية" نموذج إسلامي- مدني معاصر وحضاري وبديل ناجح للأحزاب السياسية التقليدية، وأخذ يسوق ويروج لشعبه والعالم العربي والإسلامي بأنه الحل لعودة أمجاد الماضي وحامي حمى المسلمين.

فالشعارات الخادعة المستخدمة كثيرة ومنها شعار تسديد ديون تركيا، وتحولها من دولة مدينة إلى دائنة، وإردوغان صادق في هذا الأمر، ولكن بالنسبة لموقف تركيا من صندوق النقد فقط، وليس موقفها من كافة المؤسسات المالية الدولية وديونها بشكل عام، حيث إن ديون تركيا حالياً تتجاوز الـ900 مليار دولار، وفوائد هذا الدين نحو 86 مليار دولار عام2018، و90 مليار دولار عام2019، وهو ما يعني إفلاس الدولة إذا استمرت تركيا تحت حكم الجماعة.

فإردوغان من قام بأكبر عملية اعتقالات وسجن للإعلامين في التاريخ الحديث في احتكار شبه كامل للتغطية الإعلامية الإذاعية والتلفزيونية. كما أن الإعلام التركي ملجم تماماً عن التطرق للنمو التركي غير المتوازن، وارتفاع التضخم وتضخم تكاليف الديون الخارجية وتوقعات أسواق العملات المحلية غير المستقرة والحديث عن الضغط الانخفاضي على الأصول التركية.

قد يناور إردوغان بدهائه المعهود ويُدخل تركيا في صراعات خارجية وداخلية ستكون بمثابة الفزاعة القومية للأتراك، ويخلق أكثر من عدو ويدغدغ مشاعر الشارع بشعارات إسلامية وقومية، وستعمل أجهزة استخباراته على خلق عدو داخلي يهدد الحلم التركي وستتوالى الأحداث التي تتطلب وحدة الشعب التركي خلف رئيسه ضد عدو مشترك بعد أن أشاد الغرب به كنموذج يحتذى للشرق الأوسط الجديد - وهو- من وجهة نظر غربية- إسلامي منتخب ديمقراطياً يخدم المصالح الجيوسياسية الغربية.

ربما يتفاجئ الغرب يوماً ما بأنه سيكون أول ضحاياه وأمامهم عبر ودروس من العلاقة التركية - الإسرائيلية المميزة، دون أن يتوقف إردوغان عن دعم "حماس" ورعاية "الإخوان" في العالم العربي ولو سمعوا بما يتداول بين أوساط الحزب الحاكم التركي، وخاصة مصطلح ورؤية الدولة العثمانية الجديدة، لعلموا أن معضلة إردوغان ليست مختلفة عن ماكبث لشكسبير، ولا يجب أن يراهنوا على أن إردوغان سينهار تحت الضغط، فبراعته البراغماتية لا تعرف حدوداً، ولو كان مكيافيلي بيننا اليوم لشعر منه بالغيرة.

نقلا عن صحيفة "الاتحاد"

Qatalah