6 أكتوبر 2018 إردوغان يحوّل تركيا إلى شركة عائلية

"ألا تريدون أن تروا هذا البلد يُدار مثلما تدار الشركات؟ هل تفهمون ما أقول؟ ينبغي أن تُدار تركيا بنفس الطريقة التي تُدار بها الشركات.. بهذه الطريقة سيمضي هذا البلد على الطريق الصحيح."

بهذه الكلمات استفاض الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في شرح منهج حكمه خلال مناسبة بمدينة باليكيسير في غرب تركيا في مارس عام 2015.

وبمرسوم رئاسي صدر يوم الأربعاء الماضي فقط، قطع إردوغان خطوة هائلة على طريق تحقيق ذلك الحلم.

مرسوم بموجبه أصبح الرئيس قائما على صندوق الثروة السيادية التركي، بينما بات صهره، وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، نائبا له.

قرار واحد جعل لإردوغان السلطة الوحيدة والمطلقة في إدارة عمليات صندوق يملك حصصا ضخمة في عدد من أكبر الأصول العامة التابعة للدولة التركية بقيمة تصل إلى 60 مليار دولار.

قائمة هذه الأصول تشمل شركة الخطوط الجوية التركية وبنوكا عامة وشركات بترول.

لقد تابع الاقتصاديون في تركيا في حيرة تلك الخطوة التي يقولون عنها إنها حولت الصندوق السيادي إلى شركة عائلية.

فهذا صندوق وصفه أستاذ الاقتصاد يالكين كارتيبي، بعد قليل من سيطرته على عدد كبير من الشركات المملوكة للدولة في فبراير من العام الماضي، بأنه عملية استحواذ على كيان أصبح بعدها هيكلا غريبا لا يمكن تفسيره.

إن مرسوم إردوغان الصادر في الثاني عشر من سبتمبر يجعل منه، بالإضافة إلى رئاسته للبلاد، رئيسا لحزب سياسي، ورئيسا لصندوق الثروة السيادية الذي تتم إدارته كالشركات – ولعل الرجل بات نموذجا فريدا في العالم لامتلاك حاكم كل هذه التركيبة من المسؤوليات.

لقد تأسس صندوق الثروة السيادية بموجب قانون تم تقديمه إلى البرلمان التركي بينما كانت البلاد لا تزال تترنح جراء صدمة محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في يوليو 2016، وبدأ عمله بصورة فعلية في التاسع عشر من أغسطس من العام الماضي.

في ذلك الوقت، تم إلحاق الصندوق برئيس الوزراء، لكن مع إلغاء هذا المنصب في ظل نظام الرئاسة التنفيذية الذي دخل حيز التنفيذ هذا العام، أصبح الصندوق تابعا بصورة مباشرة لرئيس الجمهورية.

لكن الصندوق، رغم مرور عامين على إنشائه، لا يزال غير مستغل، بخلاف تغيير القيادة في مجلس الخصخصة التركي بعزل رئيسه محمد بستان وتعيين همت قراداغ مدير بورصة إسطنبول خلفا له.

لقد لعب قراداغ دورا محوريا في تمهيد الطريق لإردوغان في مجلس إدارة جديد مُنحت أبرز مناصبه لشخصيات مثل البيرق الذي صار نائبا لرئيس الصندوق وظافر سونميز رجل الأعمال الذي يترأس شركة استثمار حكومية ماليزية وأصبح الآن مديرا عاما لصندوق الثروة السيادية التركي.

من الضروري هنا الإشارة إلى اسمين أُضيفا إلى مجلس الإدارة قادمين من القطاع الخاص وهما رفعت هيشارجيكل أوغلو، رئيس اتحاد غرف التجارة والسلع التركي، وفؤاد توسيالي، رئيس مجلس إدارة مجموعة توسيالي القابضة.

لقد جعل هيشارجيكل أوغلو من اتحاد غرف التجارة والسلع التركي شريكا في المشروع المفضل لإردوغان لإنتاج سيارات تركية المنشأ ووافق على نقل موارد من اتحاد الغرف الذي يترأسه، والذي يضم مليونا ونصف مليون عضو، إلى هذا المشروع.

لا تفوت هنا الإشارة إلى الزيادة السريعة في ثروة مجموعة توسيالي القابضة، وهي شركة عائلية تأسست في 1988، في ظل حكم إردوغان. 

في عام 2008، أصبحت توسيالي أكبر شركة تركية مصنعة للصلب المسطح بقيمة استثمارات بلغت مليار دولار.

ومع توسع عمليات الشركة إلى أفريقيا ودول منطقة البلقان، ومع إقامة مصانع جديدة في جمهورية الجبل الأسود والجزائر وإبرام شراكات مع شركات يابانية، شق توسالي طريقه إلى قائمة فوربس كأحد أكثر الرجال ثراء.

اسم آخر في مجلس إدارة صندوق الثروة التركي يثير الاهتمام وهو أريساه أريجان، الأستاذة بجامعة قادر هاس في إسطنبول والمرأة الوحيدة في تشكيل حكم الصندوق.

كانت أريجان مشرفة على رسالة الدكتوراة التي أعدها البيرق عن تمويل مصادر الطاقة المتجددة. وأصبحت هذه الرسالة مثار جدل حاد عام 2016 حين نشرت مجموعة من قراصنة الإنترنت رسائل بريد إلكتروني من حساب تابع للبيرق تشير إلى أن أريجان ومحمد موش النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية الحاكم قد تكفلا بكتابة جزء كبير من محتوى الرسالة.

وطالب أكبر حزب معارض في تركيا بتجريد البيرق من درجة الدكتوراة التي يحملها.

لا تزال أريجان مستمرة أيضا في عملها كعضو بمجلس إدارة بورصة إسطنبول، وهو منصب عُينت فيه في أبريل 2016 بعد الإشراف على رسالة البيرق، وستبقى أيضا في عملها ضمن مجلس إدارة صندوق الثروة السيادية.

بنظرة على الإطار القانوني حول صندوق الثروة السيادية ستجده أشد غرابة من تشكيل مجلس إدارته. فالصندوق لا يخضع لإشراف وزارة الخزانة ولا البرلمان ولا جهاز المحاسبة العام. وهو أيضا معفي من الضرائب على الدخل أو ضرائب الشركات أو الضرائب على الممتلكات.

ولا يخضع الصندوق أيضا لقوانين العطاءات العامة ولا قوانين التوظيف المطبقة في تركيا.

نفقات الصندوق ورواتب العاملين به وعملياته التي يقوم بها مجلس الإدارة مصنفة باعتبارها معلومات سرية. كذلك لن يخضع أي من مديري الصندوق وموظفي لأي محاسبة جنائية أو مالية أو إدارية عن أي قرارات يتخذها مجلس الإدارة، حتى ولو تسبب قرار في الإضرار بمصالح الدولة.

الإشراف الوحيد على عمليات صندوق الثروة السيادية من جهة رقابية مستقلة يتمثل في تقرير يتم إرسالة إلى الرئاسة – إلى مكتب إردوغان نفسه – وإلى البرلمان لكن "على سبيل الإخطار."

لإدارة الصندوق السلطة الكاملة والمطلقة في استغلال ممتلكات الدولة ومالها وأسهمها تحت مظلة الحافظة المالية للصندوق بالطريقة التي تراها الإدارة مناسبة.

ويمكن لإدارة الصندوق أيضا شراء أو بيع أو تقديم تمويل أو الاستدانة أو تحويل خدمات ومشاريع تابعة للدولة إلى شركات دون أدنى قدر من المتابعة أو الرقابة.

قائمة ضخمة من الموارد تضمها الحافظة المالية لصندوق الثروة السيادية، بينها 51 بالمئة من أسهم بنك خلق وهو أحد أكبر البنوك التي تديرها الدولة التركية، وشركات الطاقة التركية، وشركة البريد التركية، وشركة إيتي ماين وركس العملاقة التي تعمل في مجال التعدين والكيماويات، وشركة تركسات للأقمار الصناعية، وبورصة إسطنبول، واليانصيب المحلي، إلى جانب أشياء أخرى.

هناك أيضا مساحات شاسعة من الأراضي تقترب من مليوني متر مربع تشمل مواقع ساحلية شديدة الأهمية في مناطق سياحية تركية كلها أيضا تحت سيطرة الصندوق.

حين نُقلت إدارة الأصول والعقارات العامة إلى صندوق الثروة السيادية كانت قيمتها تبلغ 60 مليار دولار.

خلال زيارة أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني إلى أنقرة الشهر الماضي، أمضى ثلاث ساعات ونصف في مناقشات مغلقة مع إردوغان والبيرق، بعدها صدر الإعلان عن ضخ قطر استثمارات مباسرة بقيمة خمسة عشر مليار دولار في الاقتصاد التركي.

صدر الإعلان في توقيت مثالي بالنسبة لتركيا، التي تكافح لمنع انهيار قيمة الليرة. غير أن الحديث المتداولة في أروقة الاقتصاد في تركيا تركز على أن غالبية الاستثمارات المباشرة ستركز على شراء عقارات وأسهم انتقلت ملكيتها إلى صندوق الثروة التركية.

لقد أصبحت لإردوغان والبيرق، من خلال التعديلات الجديدة على هيكل صندوق الثروة السيادية، القدرة على أن يبيعا لأمير قطر أي من أصول أو ممتلكات عامة يرغب في شرائها بالسعر الذي يقررانه بعد مفاوضات خاصة، ودون أي رقابة أو إشراف من أي نوع.

وليس خافيا أن مستثمرين قطريين، ولفترة طويلة، وضعوا نصب أعينهم شركة شايكور التركية لصناعة الشاي، كما يرغبون في شراء أراض مملوكة للدولة من أجل تشييد مشروعات للسياحة الصيفية والشتوية.

على الجانب الآخر، هناك العديد من كيانات الأعمال وشركات الإنشاءات المقربة من الحكومة تضررت بشدة من هذا التراجع الاقتصادي. الآن ومن خلال أحكام قبضته بصورة كاملة على صندوق الثروة السيادية، يملك إردوغان كامل الحرية لإبرام شراكات مع تلك الشركات، ولشراء أسهم فيها وإضافتها إلى الحافظة المالية للصندوق، وكذا تقديم تمويل لها وأن يصبح ضامنا لديونها.

تتمحور شائعات حول احتمال أن يدخل صندوق الثروة السيادية في شراكة مع المشروع لإنشاء المطار الثالث بإسطنول. ومن المقرر أن يبدأ العمل في المطار هذا العام، لكن الإنشاءات ستتواصل لسنوات عديدة مقبلة.

ومنذ بدء المشروع عام 2015، ارتفعت قيمة القرض الذي تم تقديمه بقيمة 5.7 مليار يورو إلى ما يزيد على ضعف قيمته السابقة بالليرة التركية.

تفيد رواية متداولة في الصحافة الألمانية بأن إردوغان يرغب في إبرام صفقة لبيع شركة السكك الحديدية التركية إلى مجموعة سيمنز الألمانية.

هذه أنباء لم تتأكد حتى الآن، لكن مع وجود إردوغان والبيرق على رأس صندوق الثروة السيادية التركية، فإن لهما سلطة تحويل شركة السكك الحديدية التركية إلى أي شركة محلية أو دولية دون أي رقابة أو إشراف من أي نوع، ودون طرحها في مناقصة، ودون حتى إصدار بيان للتوضيح.

إن أي ممتلكات عامة تقع ضمن الحافظة المالية للصندوق يمكن نقلها من أجل تحصيل موارد نقدية جديدة.

في النهاية، أصبحت تركيا مثلما أرادها الرئيس وهو يتحدث في باليكيسير قبل ثلاث سنوات. لقد تحقق حلم إردوغان، فتركيا الآن يمكن أن تُدار، تماما كأي شركة عائلية.