يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


18 أكتوبر 2018 إردوغان يضيف أكبر بنك في تركيا إلى مقتنياته الخاصة

قبل شهر من وفاته في عام 1938، وقّع مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، وصية تقضي بأن تؤول أسهمه في بنك ساهم في تأسيسه لحزبه السياسي لمساعدته على تمويل مشاريعه القومية الخاصة. واليوم، يعد بنك إيش أكبر بنك خاص في تركيا من حيث الأصول، ويحاول الآن الرئيس رجب طيب إردوغان انتزاع السيطرة على الأسهم التي تركها أتاتورك منذ عشرات السنوات من خصومه السياسيين.

دعونا نستعرض تاريخ البنك منذ البداية، حيث تأسس إيش في عام 1924 برأس مال تم جمعه من مساهمات من أتاتورك ورفاقه في القتال في حرب الاستقلال التركية، وكذلك من عموم المسلمين في الهند وإندونيسيا لدعم نضال تركيا في معركتها لتحرير أرضها من الاحتلال الأجنبي. وعند وفاته، ترك أتاتورك حصة قدرها 28.09 في المئة من أسهم البنك لحزب الشعب الجمهوري الذي أسسه، والذي بات اليوم حزب المعارضة الرئيس في البرلمان.

واشترط أتاتورك أن يستخدم حزب الشعب الجمهوري الأرباح من هذه الأسهم في تمويل جمعية اللغة التركية والجمعية التاريخية التركية، وهما جمعيتان أقيمتا بمبادرة من أتاتورك في الأيام الأولى من الجمهورية سعيا إلى نشر المُثُل القومية التي لطالما آمن بها.

ومنذ يوم تأسيسه، كان بنك إيش أكبر بنك خاص في تركيا، بل واحتل أيضا المركز الـ112 في قائمة أكبر بنوك العالم، بحسب مجلة (ذا بانكر). وامتدت أنشطة بنك إيش إلى ما هو أبعد من القطاع المصرفي لتشمل الاستحواذ على ملكية شركات أو الدخول في شراكات في ملكيتها، بما في ذلك شركة شيشه جام، ثالث أكبر شركة في العالم والأكبر في أوروبا لإنتاج الزجاج المسطح.

لذلك، عندما شكك إردوغان في قانونية ملكية حزب سياسي لحصة من أسهم أحد البنوك وأعد خططا لوضع أسهم حزب الشعب الجمهوري في بنك إيش تحت سيطرة وزارة الخزانة، لم يكن يسعى في الحقيقة سوى لوضع الأسهم التييملكها الحزب في البنك الذي يبلغ رأسماله 10 مليارات دولار وشركات أخرى قيمتها المليارات من الدولارات تحت سيطرته الخاصة.

وهذه ليست المرة الأولى التي تسعى فيها حكومة تركية إلى الاستحواذ على هذه الحصة من أسهم بنك إيش، والتي تؤمن لحزب الشعب الجمهوري أربعة مقاعد في مجلس إدارة البنك المؤلف من 11 مقعدا.

فقد وضع رئيس الوزراء الراحل عدنان مندريس بنك إيش والعديد من أسهم الشركات الأخرى تحت سيطرة الدولة قبل الإطاحة به في انقلاب عام 1960. وأعاد المجلس العسكري الذي تولى السلطة وقتها هذه الأسهم إلى جعبة حزب الشعب الجمهوري.

وبعد أن استولى الجنرال كنعان إفرين على السلطة في انقلاب آخر في عام 1980، عمد إلى إغلاق حزب الشعب الجمهوري وجميع الأحزاب السياسية الأخرى وإلقاء القبض على قادتهم، ليفقد الحزب مرة أخرى أسهمه في بنك إيش. وعندما عادت حكومة مدنية لتولي مقاليد السلطة في تركيا بالتوازي مع إقرار دستور جديد في عام 1982، اتخذ حزب الشعب الجمهوري إجراءات قانونية لاستعادة ملكيته لحصة الأسهم في البنك.

وحكمت المحكمة الدستورية التركية بالإجماع بإلغاء قرار استيلاء الحكومة على الأسهم على أساس أنه لا يمكن تغيير وصية أتاتورك، واستعاد حزب الشعب الجمهوري مرة أخرى كلا من الأسهم والمقاعد الأربعة في مجلس إدارة بنك إيش.

وفي وقتنا الحاضر، دفعت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في تركيا وحاجة الحكومة المتزايدة لتوفير مصادر للأموال المسؤولين إلى اللجوء إلى هذا الخيار مرة أخرى من خلال السعي إلى نقل ملكية حصة الحزب في البنك إلى الخزانة.

وقد طرح إردوغان هذا الموضوع أولا في شهر سبتمبر الماضي لدى عودته من زيارة إلى أذربيجان، حينما شكك في شرعية ملكية حزب سياسي لمثل هذه الحصة الضخمة في أحد البنوك.

ولم يكتف الرئيس بالتشكك في قانونية كون مسؤولين في حزب الشعب الجمهوري أعضاء في مجلس إدارة البنك، بل وحتى في فكرة أن أتاتورك كان يسعى لدعم مشاريعه الخاصة من خلال وضع أسهمه تحت سيطرة حزب سياسي، وليس تحت سيطرة وزارة الخزانة بدلا من ذلك.

بعدها، وعقب زيارة إلى بودابست الأسبوع الماضي، أثار إردوغان المسألة مرة أخرى، لكنه هذه المرة أبلغ الصحافيين أنه سيجري تقديم اقتراح إلى البرلمان بدعم من حزب الحركة القومية اليميني، شريك حزبه في الائتلاف الحاكم، لنقل أسهم حزب الشعب الجمهوري إلى الخزانة.

وتسببت هذه التصريحات في خسارة كبيرة في قيمة أسهم بنك إيش في سوق الأسهم في إسطنبول.

ورد مجلس إدارة البنك على تعليقات إردوغان بالقول إن بنك إيش مؤسسة مؤتمنة وتتمتع بدرجة كبيرة من الثقة ولا ينبغي إخضاعها للسيطرة السياسية. وذكر المجلس أن 31.79 في المئة من أسهم البنك كانت معروضة للاكتتاب العام وأن الحصة الأكبر من أسهم البنك البالغة 40.12 في المئة مملوكة لصندوق معاشات موظفي البنك العاملين والمتقاعدين.

وأضاف البيان أن ملكية حزب الشعب الجمهوري لحصة أسهم أتاتورك البالغة 28.09 في المئة لم تؤثر أبدا على عمليات البنك أو أنشطته، مؤكدا أن بنك إيش هو مؤسسة وطنية أهم من أن تُستخدم كأداة سياسية.

وقال حكمت سامي ترك، أستاذ القانون ووزير العدل الأسبق، إن تخصيص عائد أسهم أتاتورك لجمعيتي اللغة والتاريخ هو حق يكفله ويصونه الدستور، وقد أوكلت هذه المهمة إلى حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك منذ وفاته.

ويرى ترك أن هدف إردوغان الحقيقي في سعيه للسيطرة على الأسهم هو الحصول على مكان في مجلس إدارة البنك. وبمجرد استحواذه على الأسهم الخاصة بالحزب، سيمكنه المضي قدما في خطته لفرض سيطرته الكاملة على أصول البنك ومصادر دخله التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.

وبناء على طلب أتاتورك، أسس بنك إيش مصنع الزجاج (باشا بختجه) في عام 1934. ونما هذا المصنع ليصبح ثالث أكبر شركة في العالم والأكبر في أوروبا لتصنيع الزجاج المسطح، وتملك اليوم هذه الشركة مصانع في روسيا ومصر وجورجيا وبلغاريا والبوسنة، وكذلك في جميع أنحاء تركيا.

وعندما باع البنك 15 في المئة من أسهمه إلى البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية في عام 2014، ارتفعت قيمته في السوق الدولي إلى أكثر من مليار يورو. واليوم، تصل قيمته وفقا لسعر أسهمه الحالي في سوق إسطنبول للأوراق المالية إلى نحو ثلاثة مليارات دولار.

ومن بين أهم أصول بنك إيش هو بنك التنمية الصناعية التركي الذي أسسه في عام 1950، وهو الآن المساهم المسيطر بحصة تبلغ 51 في المئة. كما ساعدت استثماراته في كبريات شركات التأمين وصناديق التقاعد والشركات المالية الأخرى في تأمين ربح له بلغ 1.528 مليار ليرة (246 مليون دولار) في النصف الأول من هذا العام.

وفي حال استحوذت وزارة الخزانة على أسهم أتاتورك التي بحوزة حزب الشعب الجمهوري، سيكون صهر إردوغان، وزير الخزانة والمالية بيرات آلبيراق، هو من بيده تعيين الأعضاء الأربعة في مجلس إدارة البنك. كما سيكون له كلمة مسموعة في إدارة بنك التنمية الصناعية والشركات الأخرى التي يملكها البنك أو يشترك في ملكيتها.

والخطوة التالية من الخطة ستكون نقل حصة الأسهم في بنك إيش وما يتبعها من أسهم في شيشه جام وبنك التنمية الصناعية وغيرها من الاستثمارات إلى صندوق الثروة السيادية التركي، والذي أنشأه إردوغان في عام 2016 ونصب نفسه رئيسا له في شهر سبتمبر.

وبالطبع، لا تتعلق نوايا إردوغان بشأن بنك إيش في الحقيقة بالهدف المزعوم حول التأكد من أن إرث أتاتورك ينتمي إلى الأمة التركية ككل وليس إلى حزب بعينه، بل بالأحرى بالسيطرة على كل من البنك والشركات التي تتبعه.


وفي الأسبوع الماضي، صوت حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه في حزب الحركة القومية لصالح تعديل قانوني يتم بموجبه وضع كل من بنك التنمية وصندوق التنمية في تركيا تحت سيطرة الرئيس بما يتجاوز الضوابط التنظيمية.

وبمجرد أن يتم تمرير هذا التعديل في البرلمان ويجري نقل أسهم أتاتورك في بنك إيش إلى الخزانة تحت سيطرة إردوغان، سيكون بإمكانه إضافة بنك جديد وما يملكه من استثمارات بمليارات الدولارات إلى مجموعة مقتنياته الخاصة.

 

Qatalah