يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من رحم العثمانية جاءت الإخوانية، ومن الاثنين معا ظهرت العثمانية الجديدة، كلها من قلب رحم واحد، وفكر يعتمد العنف والكراهية، يسعى لاحتكار السلطة وإقصاء الآخر، السلطنة العثمانية التي لم تعرف الديمقراطية يوما وكان السيف فيها مسلطا على رقاب العباد، هي الرمز الأعلى الذي يسعى الإخوان والعثمانيون الجدد لتنفيذه على الأرض، حتى لو صبغوها بدماء ملايين الأبرياء الذين راحوا بسبب جنون التمكين، لذا لم يكن غريبا أن يكون للعثمانيين دور في تأسيس الجماعة الإرهابية، فتلك بضاعتهم ردت إليهم.

محمد عاكف أرصوي، الرجل الذي يعتبر عثمانيا حتى النخاع، والملقب بشاعر الإسلام، كان أحد الذين فروا من تركيا الجمهورية التي أقيمت على أنقاض السلطنة العثمانية، شد الرحال إلى مصر، بدأ وهو الجاسوس العثماني، في نشر أفكاره سرًّا وجهرًا، امتدت خيوط الصداقة إلى حسن البنا المصدوم بسقوط "خلافة" العثمانيين، تلاقت الأفكار المُسمّمة فتلاقحت ونتج عنها نبت حنظل يسمى جماعة الإخوان، عام 1928.

لم يكن غريبا أن يحتفي الرئيس التركي، رجب إردوغان، بأرصوي ويحوله إلى أيقونة من أيقونات العثمانيين الجدد، فالرجل هو والداعية التركي علي علوي كورجو، من الشخصيات العثمانية الأساسية التي تربط بين العثمانيين الجدد وتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، منذ كانت الأخيرة مجرد فكرة في خيال حسن البنا المريض. وإذا كان كورجو، ترك لنا مذكراته التي تكشف للجميع علاقته الممتدة بحسن البنا، فإن أرصوي احتفظ بأسرار علاقته بمؤسس الإخوان دون الإفصاح عنها.

صعود عثماني
أرصوي، الملقب بشاعر الإسلام، ولد في 20 ديسمبر من عام 1878 في إسطنبول، من أصول ألبانية، والدته أمينة شريف هانم، انتقلت مع عائلتها من بخارى إلى الأناضول، أما والده فهو محمد طاهر أفندي من مواليد كوسوفو، عاش في تركيا وكان من معلمي الكتاب في جامع الفاتح، بإسطنبول.

سماه والده "راغيف" وفقاً إلى الحساب الأبجدي الذي يعبر عن تاريخ ولادته ولكن لصعوبة اللفظ كانوا ينادونه باسم "عاكف" ومع مرور الزمن اعتمد هذا الاسم له.

محمد عاكف أرصوي بدأ أول تعليمه في حي الفاتح بمكتب أمير بخارى وبعد عامين التحق بصفوف المرحلة الابتدائية، وبدأ بتعلم اللغة العربية من والده، ثم انتقل إلى المرحلة الإعدادية في عام 1882 بإعدادية الفاتح المركزية، وكان يتابع دروس اللغة الفارسية في كُتَّاب جامع الفاتح.

بعد انتهائه من الإعدادية سنة 1885، سجل أرصوي في المدرسة الثانوية الملكية التي كانت من أفضل المدارس في وقتها. كان قد أتقن اللغة التركية والعربية والفارسية والفرنسية. أنهى دراسته في المكتب البيطري عام 1893 بمرتبة شرف وترتيب الأول على قسمه. ليصبح بعدها معلمًا للغة التركية في نفس مدرسته، وتم نشر أشعاره وكتاباته في الجرائد وفِي مجلة ثروة الفنون.

أرصوي يلقب في تركيا بأنه "شاعر الإسلام"، كما أنه شاعر النشيد الوطني التركي المستخدم حاليًا في تركيا، بعنوان "نشيد الاستقلال". ترك إسطنبول وانتقل إلى أنقرة بناءً على طلب من مصطفى كمال أتاتورك ليشارك معهم في المقاومة والاستقلال عن الدولة العثمانية، والتحق بالبرلمان التركي، ثم استقال منه في ديسمبر 1922، بسبب تدهور حالته الصحية.

اللجوء إلى مصر
الكتب والصحف التركية تتحدث عن أن محمد عاكف أرصوي نفي إلى مصر في الفترة بين عامي 1925-1936، بسبب معارضته لحزب الشعب الجمهوري، الذي كان يصفه بـ"الرجعي"، إلا أن الحقيقة أن أرصوي قال لصديقه المقرب شفيق كولايلي قبل سفره: "لا يمكنني أن أتحمل أن أتعرض لمعاملة الخونة وكأنني بعت وطني، لذلك قررت الرحيل"، بعدها اصطحب زوجته وابنه وذهب إلى مصر، وترك بناته في تركيا، وأقام في القاهرة يدرس اللغة التركية حتى العام 1936، عندما زار لبنان أصيب بالملاريا فعاد إلى تركيا حيث توفي في العام ذاته. حسب مقال للكاتبة الصحافية "عائشة هور"، في جريدة "راديكال" التركية بتاريخ 03 أغسطس 2014.

مقال عائشة كشف عن أن دراستها للوثائق والكتب المتعلقة بمحمد عاكف أرصوي بيّنت لها أن سفره لمصر لم يكن هربًا من اضطهاد حزب الشعب الجمهوري له، كما يُزعم، لأن أرصوي غادر تركيا في عام 1923، بعد أن قتلت عناصر تابعة للخليفة العثماني، صديقه نائب مدينة طرابزون في البرلمان علي شكري، والذي كان يشغل منصب قائد لواء الحماية الخاص بمصطفى كمال أتاتورك، مشيرة إلى أن إعلان إلغاء الخلافة العثمانية بشكل رسمي كان في 3 مارس 1924، أي أنه لم يتعرض لظلم من حزب الشعب الجمهوري الذي تأسس في سبتمبر من عام 1923.

عائشة هور أشارت إلى أن تحرك محمد عاكف أرصوي إلى مصر كان برغبة منه، لتلبية دعوة الخديو عباس حلمي باشا لزيارة مصر، لافتة إلى أنه توفي في 26 ديسمبر 1936 داخل المنزل الذي كان يقيم فيه في منطقة باي أوغلو في الشطر الأوروبي من إسطنبول، وكان ملكًا للخديو عباس حلمي باشا.

من المعروف والمتداول أن فترة إقامة أرصوي في مصر كانت سببًا في تأثره بجمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، وكتاباتهما، إلا أن مقالا بعنوان "من سعيد النورسي إلى محمد مرسي... هل قضت تركيا على تنظيم الإخوان المسلمين الذي أسسه عاكف"، أثار موجة من الجدل بتفاصيل جديدة عن حياة أرصوي، رصدها الكاتب عمر تشاليك دونماز، في جريدة "ديك جازيتي" بتاريخ 18 يونيو الماضي.

مؤسس الجماعة
الكاتب يتحدث عن أنه استمر في عمل مجموعة من الأبحاث حول محمد عاكف أرصوي منذ عام 2006، مشيرًا إلى أن أرصوي كان له دور مهم في تأسيس تنظيم الإخوان المسلمين، وأنه أفصح عن هذه المعلومات للمرة الأولى في ندوة حوارية في وقف الدراسات والثقافة في أنقرة، إلا أنه قُبل بهجوم ومعارضة شديدة من الحضور.

دونماز أوضح أن أرصوي كان مكلفًا بمهام من قبل جهاز الاستخبارات العثماني في فترة الحرب العالمية الأولى، وبعد إعلان الجمهورية التركية قرر السفر إلى مصر، وفرض حول نفسه هالة من الضبابية ليظهر وكأنه "إنسان مهاجر منعزل عن العالم" على حد تعبيره.

المقال أوضح أن عاكف أرصوي شارك في العديد من العمليات مع عناصر تنظيمات مصرية، خلال فترة عمله لصالح جهاز الاستخبارات العثماني، مشيرًا إلى أن من بين الأسماء التي تعاون معها أرصوي داخل هذه التنظيمات، عبد العزيز جاويش، المعروف بأنه أحد طلاب رسائل النور، وأحد أصدقاء بديع الزمان سعيد النورسي.

وأكد أن ما توصل إليه من الدراسة والبحث على مدار سنوات يشير إلى أن محمد عاكف أرصوي كان له إسهام كبير في تأسيس تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مدينة الإسماعيلية في مصر عام 1928 من أجل إعادة إحياء الخلافة الإسلامية، مشيرًا أن الأسماء الذين كان حسن البنا يستشيرهم ويشارك في لقاءاتهم واجتماعاتهم، هم الأصدقاء المقربون من محمد عاكف أرصوي داخل جهاز الاستخبارات العثمانية.

الكاتب زاد الأمر جدلًا، عندما أكد أن والد حسن البنا كان عميلًا لجهاز الاستخبارات العثمانية، وأرسل إلى مدينة موغلا التركية خلال الحرب العالمية الأولى، وتلقى تدريبا خاصا هناك داخل أحد المنازل الريفية، زاعمًا أن سبب عدم ظهور علاقة بين عاكف والإخوان المسلمين هو استهداف الاستخبارات الإنجليزية العناصر القادمين من تركيا إلى مصر في تلك الفترة، خاصة أن مصر كانت مركز جهاز الاستخبارات الإنجليزي في منطقة الشرق الأوسط، على حد تعبيره.

عبد العزيز جاويش الذي توفي في عام 1929، كان أقرب أصدقاء عاكف أرصوي إليه، حسب المقال، بالإضافة لمحمد فريد وجدي الذي توفي في عام 1954، وكلاهما كانا من الدائرة المقربة بالبنا، وتحدث عنهم في مذكراته.

دونماز أوضح أن علاقة تركيا بتنظيم الإخوان المسلمين بدأت تتحول إلى الشكل الواضح أمام الجميع فيما بعد عام 1980، وأن تركيا دعمت تنظيم الإخوان المسلمين الذي دخل في صراع مسلح مع النظام السوري، بعد دعمه حزب العمال الكردستاني المطارد في تركيا، وأن إسطنبول دربت عناصر التنظيم على أراضيها.

في تلك الفترة، خصصت تركيا المناطق النائية بطول الشريط الحدودي مع سورية لتسهيل عمليات تدريب وإيواء الإخوان المسلمين على أراضيها، مشيرًا إلى أن جهاز الاستخبارات التركية نفسه كان يقدم التدريب والإيواء والمعسكرات لعناصر الإخوان المسلمين الذين تمركزوا في مدن مثل مرسين والإسكندرون على حدود سورية، بالإضافة إلى مدينة يالوفا المجاورة لإسطنبول، في المقابل كانت عناصر التنظيم تقدم معلومات لجهاز الاستخبارات التركية عن تحركات حزب العمال الكردستاني على الحدود.

جهاز الاستخبارات وقوات الأمن التركية جلبت البروفيسور محمد الصواف أحد قادة التنظيم في سورية، ليقيم في مدينة يالوفا، ووفرت له الاستخبارات التركية بنفسها الحماية اللازمة.

المقال تناول أيضًا صورًا من مجلة "هلال" التركية التي خصصت عددًا كاملًا من أجل الدفاع عن سيد قطب، بعنوان: "قدر المسلمين في القرن العشرين.. سيد قطب في سجون ناصر". وبعد إعدام سيد قطب في 29 أغسطس 1966، خصصت عددها المنشور في شهر سبتمبر من العام نفسه، لتقول في خبرها الرئيس "الفرعون المصري أعدم سيد قطب".

Qatalah