يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بغداد عاصمة الدولة الإسلامية في عصر العباسيين تحولت على يد العثمانلية إلى خرابة، دمرت حضارتها، ونهبت آثارها، واستمر نزيفها الداخلي لقرون حتى سقطت صريعة حروب الولاة والآغوات الإنكشارية على مرأى ومسمع من سلطان إسطنبول.

الأديب السعودي عبدالرحمن منيف وصف جرائم العثمانيين في العراق في ثلاثيته الروائية "أرض السواد"، وأشار بسهم القلم إلى يد الأتراك في نهب آثار بغداد وتهريبها إلى أوروبا، فضلا عن إرهاب الأهالي لإجهاض ووأد أية محاولة للثورة على السراي.

داود باشا العثمانلي الذي حكم من 1816 إلى 1831، سخر بغداد وجنوب العراق وشماله في حروبه ضد الآغا عليوي، شن حملة تجنيد إجبارية على أبناء الرافدين لاستخدامهم في جمع الضرائب والإتاوات السلطانية، لكنهم لم يصمتوا إزاء تلك المحاولات، بل واجهوها بالثورة وأحيانا بالحيلة.

رجال الشمال
منيف توسع في ثلاثيته الروائية "أرض السواد" في تناول الحياة اليومية في بغداد، رصد مشاكل وهموم أهلها في ظل غياب السلطة التي انشغلت عن جميع مهامها بجمع الضرائب ومحاربة المتمردين على ظلمها.

بغداد شهدت صراعا عنيفا بين الباشا وآغوات الإنكشارية، الحلقة الأولى دارت بين الوالي داود باشا وسيد عليوي آغا، وانتهت بإبعاد الأخير إلى كركوك بدعوى ضبط الأمن وإنهاء صراعات الأسرة البابانية الكردية.

اشتعل الآغا غيظا بعد تأكده أن نقله إلى الشمال كان للتخلص منه وإبعاد خطره عن بغداد والوالي تحديدا، كما جرى إبعاد الضابط بدري ابن العراق وهو أحد المقربين من داود باشا، فالتقى في كركوك بالآغا عليوي.

الآغا استغل الفرصة وقرر استمالة الضابط بدري إلى صفه بجانب مجموعته التي أطلق عليها اسم "رجال الشمال"، ووحد كلمتهم على الإطاحة بداود باشا "الماكر الذي استغله وضلله" وأكله لحما ثم رماه عظما.

لصوص آثار
آثار وكنوز العراق باتت مطمعا للأتراك والآغوات على السواء، الوالي داود سخرها لكسب ود حلفائه الأوروبيين، فأطلق يد اللصوص الفرنسيين في بلاد الرافدين للانتقام من القنصل الإنجليزي ريتش.

الأخير كان متورطا في لعبة الصراع داخل السرايا، أيد سيد عليوي في أطماعه فجلب عليه جفاء الباشا الذي لم يكن يجرؤ على معاداة القنصل علنا بسبب الامتيازات التي منحتها السلطنة للبريطانيين.

بعد إبعاد عليوي قرر ريتش السفر إلى الشمال لتوثيق صلاته برجال القبائل ودعم رجال عليوي ومراقبة النشاط الفرنسي في التنقيب عن الآثار، وخلال رحلته اصطحب معه عشرات العمال الفلاحين.

ريتش كلف مرافقيه بالتنقيب عن الآثار وشحن كميات كبيرة منها إلى القنصلية تمهيدا لإرسالها إلى إنجلترا، ودخل الإنجليز في منافسة شرسة كالعادة مع الفرنسيين على نهب آثار العراق وتهريبها إلى أوروبا.

قبضة حديدية
الوالي التركي حكم بغداد بقبضة من حديد، نشر رجاله وجواسيسه في كل مكان لإرهاب الناس وبث الرعب في نفوسهم، ويقول منيف: "بغداد تنام وتستيقظ دون أن يخطر لأحد أن يقول لا، أن يرفع صوته حتى ولو في لحظة غضب".

رغم الضرائب الجديدة، لم يقدر أحد على الاحتجاج، الكلمة عند العثمانلي كانت تساوي حياة مرددها، كما جمع داود باشا أشقياء بغداد والمخاتير (العمد) لإرهاب خصومه، فضلا عن تشتيت شملهم بنفيهم في الشمال والمدن النائية.

الباشا استطاع كسب ولاء أبناء صهره الوالي السابق سليمان باشا الكبير بالمال، فحاول القنصل الإنجليزي ريتش تأليب ابنه الصادق لإخراجه من عباءة الوالي، بتحريضه على الثأر من قاتل أخيه سعيد الذي كان واليا على بغداد.

رجال الباليوز
اشتهر القصر الكائن على ضفة نهر دجلة والذي بناه الإنجليز واتخذوه مقرا للقنصلية باسم الباليوز، وكان لوقعه شأن كبير في ولاية بغداد ومنطقة الخليج العربي، بسبب الامتيازات التي منحتها السلطنة للإمبراطورية.

القنصل تبادل الرسائل مع رجال الشمال بقيادة الضابط بدري والآغا عليوي بهدف التحريض على الوالي وخلعه، بسبب ميله إلى الفرنسيين ومعارضته للتدخلات البريطانية، وكان "القنصل مستاء من طريقة داود في الحكم".

اغتيال بدري
الضابط العربي بدري عراقي أدرك خاتمة الصراع بين الآغا والباشا، وفطن إلى ميل القنصل لصف الإنكشارية ضد الوالي، كان يعلم بأن السلطنة لا هم لها سوى الإبقاء على المنتصر لقدرته على جباية الضرائب والإتاوات السلطانية.

بدري وقع في مأزق بسبب مطالبة الآغا له بالانضمام إلى رجال الشمال، قلب الأمر في رأسه، فأدرك أن مصلحة بغداد ليست في حسبان الخصمين، فأخبر الآغا عليوي بأنه سيلتزم الحياد وينأى بنفسه وأتباعه عن معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

الضابط الشهم دفع حياته ثمنا لنزاهته، كان يعلم بخطورة موقفه، وبالفعل وجد مقتولا على فراشه ذات ليلة، وأثار اغتياله موجة غضب في بغداد ومسقط رأسه في محلة الكرخ، ودخل أهالي كركوك في حداد بسبب سمعته الطيبة.

تشتيت وإرهاب
القنصل نجح في مخطط تأليب صادق أفندي بن سليمان باشا الكبير، فانشق عن الباشا وهرب إلى الفرات الأوسط للتحالف مع ابن الشاوي المتمرد، فاتجه الوالي داود إلى تشتيت خصومه باستدعاء جماعة من ضباط الشمال إلى بغداد.

لم يكن بمقدور الباشا التخلص من الآغا عليوي، فحاول إرهابه وأرسل إليه نائبه الكيخيا في موكب كبير بدعوى تقليد الآغا نيشانا تقديرا لخدماته، مهمة الكيخيا كانت ضمان ولاء قبائل الشمال للوالي بتقديم الرشاوى بدلا من طلب الضرائب.

منيف يصف تحول موقف الباشا من قبائل الشمال في "أرض السواد" بقوله: "بغداد من أيام المرحوم سليمان الكبير وإلى أيامنا هذه ما تتذكر الشمال إلا: دزوا لنا ألف خيال، صار عليكم هالقد ألف كيس مال متأخر، حضروا حالكم لفلان شيء".

ناجي البكري
الجنوب كثيرا ما دفع ثمن فساد الولاة، وأمر داود باشا هذه المرة بتجهيز حملة عسكرية لمحاربة العشائر واستخلاص الضرائب ونهب الغنائم بعد الكف عن نهب الشمال لضمان تأييدهم في المعركة ضد الآغا عليوي والمتمردين.

سكان بغداد شعروا بالحزن على أشقائهم في الجنوب حينما علموا بحملة الباشا الظالمة، ويقول منيف في كتابه "أرض السواد": "حزنا شفيفا يصيب القلب ثم ينتقل إلى باقي الجسد فيصبح الكبار أكثر تجهما وصمتا وقد يمرضون". 

تجار الجنوب نزعوا ثيابهم التقليدية وارتدوا ملابس رثة لصرف أنظار عساكر الباشا وعصاباته، كما أخفوا بضائعهم خوفا من مصادرتها، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق على الأهالي الفقراء.

الوالي ألزم مخاتير (عمد) الأحياء بحصر الرجال بين الـ18 والـ50 بحجة توزيع أراضي الجنوب عليهم، بينما كان الهدف تجنيدهم في مغامراته العسكرية، وسيطرت مشاعر الغضب على أهالي بغداد فرفضوا تجنيد إخوتهم.

أهالي بغداد فكروا في تقديم شكوى إلى السلطان للمطالبة بعزل الوالي ونقل سلطة تعيين الولاة إليهم، فيما راح ناجي البكري يشعل حماسة الأهالي، داعيا إياهم إلى تصعيد مطالبهم حتى تؤول إليهم سلطة تعيين الولاة بدلا من السلطان.

عبدالرحمن منيف يقول: "اللي يحكمون أول ما يوصلون ما يكون عندهم إلا قولة: حلت البركة، ومع طالع كل شمس وعد جديد وعيني آغاتي، لكن ما يحول الحول إلا وينسون كل اللي قالوه ويتغيرون وما تسمع منهم إلا قولة: هات الفلوس".

أبناء بغداد هربوا من حملة التجنيد الإجبارية، ويقول منيف في كتابه :الولد اللي راحوا جوا التراب أكثر من اللي تزوجوا وخلفوا، وملأت الأحاديث الرافضة للتجنيد ولولاية داود باشا وغيره من العثمانيين مقاهي بغداد وحواريها وأزقتها.

صديق الضابط بدري يدعى سيفو منع إمام مسجد الكرخ من الدعاء بالنصر للوالي، ويقول منيف: "ولدنا وأخذوهم عسكر، بيوتنا وانهجمت، وبكل محلة ببغداد مناحة، فما أريدك تصعد على المنارة، تلقلق مثل ما قالوا لك جماعة السراي".

شنق الآغا
باءت حملة الجنوب بالفشل بسبب ثورة الأهالي وفرار بعضهم من حملة التجنيد، فضلا عن حيل التجار للهروب من عصابات الباشا، ولجأ الأخير إلى حيلة مماثلة للإجهاز على عدوه عليوي آغا.

الباشا استدعى الآغا بدعوى الاستعانة بخبرته في صد هجمة القبائل الجنوبية، وانطلت الحيلة على الآغا، فسارع بالتوجه إلى بغداد، وفي بادئ الأمر أكرمه الباشا وأنزله السراي قبل إعدامه.

المصادر :


Qatalah