يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


8 مارس 2019 أرطغرل سيلقي خطابا انتخابيا نيابة عن إردوغان

تحول مسلسل قيامة أرطغرل المذاع على قناة تي آر تي الرسمية، والمدبلج إلى العربية أيضًا، إلى منصة دعائية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. 
أحداث المسلسل تكاد تتطور بالتوازي مع أحداث السياسة تمامًا، بحيث يمكن أن يلاحظ أي شخص، وهو يشاهد المسلسل، لغة الكراهية والإقصاء والشيطنة التي يستخدمها مسؤولون، وعلى رأسهم الرئيس إردوغان، في خطاباتهم المنشورة على مختلف القنوات التلفزيونية عشر مرات في اليوم. 
يتضمن المسلسل تلميحات وإشارات ثقيلة وعلنية إلى بنسلفانيا الأميركية، حيث يقيم فيها فتح الله جولن، الذي يتهمه إردوغان بتدبير الانقلاب المزعوم، إلى جانب الأحداث الجارية في سوريا، والأحزاب المعارضة في الداخل التركي.

وكان كل من الرئيس إردوغان وزوجته أمينة ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ومسؤولون حكوميون آخرون أجروا زيارات إلى موقع تصوير مسلسل قيامة أرطغرل الذي تتغير سيناريوهاته وفقا لتغير أجندة الحزب الحاكم. 
وقد توصل موقع "أحوال تركية" إلى كواليس تكشف كيف أن السلطة السياسة توجِّه سيناريوهات المسلسل طبقا لسياساتها. ففي الوقت الذي بقيت أيام معدودات لبدء مارثون الانتخابات البلدية، فإن "العقل المدبر" تقدَّم إلى المشرفين على المسلسل بـ"طلب خاص". فبحسب معلومات توصل إليها "أحوال تركية" حصريًّا، فإنه تمت إضافة مشهد إلى المسلسل يلقي فيه البطل أرطغرل خطابًا يتماشى مع الأجندة السياسية، ويضاهي تلك الخطابات التي يلقيها إردوغان من شرفة المقر الرئيس لحزبه بعد كل انتخابات.

وقال مصدر رفض الكشف عن اسمه إن المدير العام للتلفزيون الرسمي إبراهيم إرين، البالغ من العمر 36 عامًا، أجرى في الأسبوع الماضي زيارة إلى موقع تصوير مسلسل قيامة أرطغرل في منطقة "ريواء" بإسطنبول، وعقد هناك لقاءً مع كل من المخرج والمنتج، وطلب منهما ضمّ "مشهد خاص" إلى المسلسل. 
ووفقا للمصدر ذاته، فإن رئيس قبيلة كايي أرطغرل، والد عثمان غازي، مؤسس الدولة العثمانية، الذي يمثّل دوره الفنان إنجين ألتان دوزياتان، سيلقي خطابًا مشابهًا لخطابات إردوغان يحتوي على كثير من الكلمات من قَبيل "الأمة" و"الوطن"، و"الإرادة الوطنية"، ويبعث رسائل إلى المشاهد مفادها أنه لو لم يتحقق النصر لكانت الأراضي التركية تعرضت للتقسيم. ويقول المصدر إن الخطاب يحتوي أيضًا على إشارات وتلميحات إلى الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في نهاية هذا الشهر الجاري، ويهتف أفراد قبيلة كايي قائلين: "عِشْ يا أرطغرل بك، أدام الله سلطانك" وما شابهها من العبارات.

الواقع أن جميع حلقات مسلسل قيامة أرطغرل تقريبًا زخرت برسائل سياسية، وكانت أحداثها مرتبطة بالأجندة السياسية دائمًا. فمثلاً، كان في إحدى حلقات المسلسل السابقة مشهدٌ يشير إلى ما تلاه زعيم جماعة الخدمة فتح الله غولن من دعاء على المسؤولين الحكوميين عندما أنكروا وأغلقوا ملفات الفساد والرشوة في 2013 واتهموه باستغلال تلك الملفات للإطاحة بحكم إردوغان. حيث كان يقول محيي الدين بن عربي في ذلك المشهد: "نحن المسلمين لا ندعو حتى على الكفار". وكان هذا المشهد أصبح مدار حديث رواد مواقع التواصل الاجتماعي آنذاك. 

وفي مشهد آخر، كان أرطغرل يودع جنوده قائلاً: "يا إخوتي، لا تنسوا أن الله خير الماكرين"، مما اعتبره المشاهدون أنه يشير إلى مزاعم إردوغان حول كوْن تحقيقات الفساد والرشوة مكرًا ومؤامرة لإسقاط حكومته. ومن ثم بادرت وسائل الإعلام القريبة من السلطة إلى توظيف هذا الحوار في الدفاع عن إردوغان في مواجهة اتهامات الفساد والرشوة.   

وكان المسلسل صوّر مشهدًا خاصًّا أيضًا فيما يتعلق بالعملية التي نفذتها القوات العسكرية التركية بالتعاون مع وحدات حماية الشعب الكردية، قبل أن تعلنها حكومة إردوغان إرهابية، من أجل نقل ضريح الشاه سليمان، جدّ السلالة العثمانية. حيث كان كورد أوغلو يقول في ذلك المشهد لسليمان شاه بعد وفاته: "ألم أقل لك إن حلب ستكون مقبرة لنا." وجاء الرد عليه من دلي دمير حيث قال: "لا تقلق يا كورد أوغلو، فإن أحدًا من أحفادنا يأتي وينقل ضريحنا."

وهذا المشهد بات أيضًا مدار حديث الإعلام الاجتماعي لأيام طويلة ونشره الآلاف عبر صفحاتهم. فضلاً عن ذلك فإن المعجبين بالمسلسل ظنّوا أن تلك الحادثة حقيقة تاريخية، وأن أجدادهم تنبأوا في عام 1220 بنقل ضريح سليمان شاه من شمال حلب إلى منطقة قريبة من الحدود التركية. وكانت الصحف غذّت هذا الظنّ من خلال أخبارها. 

كذلك حاول المسلسل الرد على استياء بعض الأتراك من التدخل العسكري في سورية وتشجيعهم على مساندة عملية "غصن الزيتون"، عبر مشهد قال فيه أرطغرل: "عملية الدفاع تبدأ من أراضي العدو، وإلا يمكن أن نخسر وطننا. نحن الأتراك نحب مساعدة المظلومين. لقد حان موعد الفتح." وقد سمع الشعب التركي إردوغان وهو يستخدم هذه العبارات عينها في خطاباته المختلفة. بالإضافة إلى أنه توجد مشاهد كثيرة في المسلسل تبرّر "عملية عفرين" في الشمال السوري أيضًا. 

واعتبر معلقون أن الحوار الذي جرى في إحدى حلقات المسلسل بين محيي الدين بن عربي وأرطغرل كان يستهدف الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح الدين دميرطاش المعتقل بتهمة الإرهاب. فحينما تساءل أرطغرل بك: "ماذا سيكون مصير هؤلاء الذين يتعاونون مع الكفار ويطعنون في ظهورنا؟"، أجاب الشيخ بن عربي بقوله: "أولئك هم الظالمون حقًّا!"

وكان الانقلاب المزعوم في 2016 ضمن الأحداث التي وجدت مكانًا لها في المسلسل، الذي يستخدم الموسيقى ذاتها التي يستخدمها إردوغان في برامجه الدعائية، حيث حاول الجنود الانقلاب على حكم أرطغرل، إلا أن الشعب وقف في وجههم، وورد في تلك المشاهد كثيرٌ من العبارات التي تدغدغ المشاعر القومية والوطنية للشعب مثلما يفعل إردوغان في الواقع. 

يتفق مراقبون على أن مسلسل قيامة أرطغرل من أهمّ أدوات إردوغان لتسويق نظامه وسياساته، ليس على المستوى التركي فقط وإنما على المستوى الإقليمي أيضًا، إلا أنه لا يتجنّب تشويه حقائق تاريخية ظاهرة في سبيل تحقيق هذا الهدف.   

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah