يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


25 يوليو 2019 أرمن تركيا ينتصرون بعد تمسكهم بالبطريركية

فقدت الطائفة الأرمنية في تركيا بطريركها مسروب موتافيان في مارس الماضي، بعد أن ظل الرجل في غيبوبة منذ عام 2008 بسبب مشاكل صحية. والغريب أنه بقدر ما كانت وفاة البطريرك المحبوب موتافيان راحة له من عناء طويل، بعد أن ظل فاقداً الوعي لسنوات، فإنها أراحت أيضاً الطائفة الدينية ككلّ.

وكان خبراء في الطب أعلنوا قبل عشر سنوات أن موتافيان أصبح غير قادر على تأدية مهامه. وعلى الرغم من أن الطائفة الأرمنية كانت تريد انتخاب بطريرك جديد، فإنه لم يتم اختيار واحد بسبب تدخل حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.
فبدلاً من اختيار بطريرك جديد، استحدث حزب العدالة والتنمية منصب "نائب البطريرك" وعيّن آرام أتيشيان في هذا المنصب عام 2010. ولم يكن هذا يختلف في جوهره عن الإدارات المُعيّنة مركزياً، والتي اعتمدت عليها الحكومة في إدراة البلديات ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرقي تركيا، بعد التخلص من الإدارات المنتخبة منذ الانتخابات المحلية التي أُجريت في عام 2014.
ومنذ زمن الدولة العثمانية، كانت أمور البطريركية محكومة بالنظام الأساسي لعام 1863، والذي يُعتَبَر الدستور الأرمني. لكن حزب العدالة والتنمية فرض أساليبه على الأعمال الداخلية للبطريركية.

وحظيت الحكومة بتأييد لرفضها السماح بإجراء انتخابات من أتيشيان وعدد من الشخصيات الأرمنية البارزة، التي تنظر الحكومة إليها على أنها بقرة حلوب. وأتيشيان من الشخصيات التي لا تهتم سوى بالمكاسب الشخصية.
وبوفاة البطريرك، انتهى منصب "نائب البطريرك" الغريب هذا، واتُّخذت خُطوات من أجل إجراء انتخابات جديدة. وهناك تطور آخر مهم، وهو أن المحكمة الدستورية قضت بأن رفض الحكومة السماح بإجراء انتخابات لاختيار بطريرك جديد على مدى السنوات العشر الماضية شكّل انتهاكاً للحقوق.
وكشفت المحكمة عن حيثيات الحكم، الذي كانت قد أعلنته في شهر مايو الماضي.

وذكر بيان المحكمة أنها "خلصت إلى أن الانتخابات على منصب البطريرك، الذي يمتلك سلطة كبيرة على الطائفة الأرمنية ويتحمل مسؤولية ضخمة تجاهها، لم تُجر على نحو يتّسق مع إرادة الطائفة الأرمنية على مدى أكثر من عشر سنوات.
"وكما ذكرت المحكمة الدستورية من قبل، فإن القرارات ذات الصلة بالأمور المنظمة للشؤون الدينية والمعتقدات لا يمكن أن يتخذها سوى أتباع تلك الديانة أو المعتقد".
وباختصار، فإن المحكمة قضت بأن هناك ثمة انتهاك للحق في الحرية الدينية، الذي أقرته المادة 24 من الدستور التركي.
وعلى الرغم من أن هذا القرار تأخر عشر سنوات، فإنه ما زال مُشجّعاً من عدة جوانب. فبداية، سلط القرار الضوء على الانتهاك الذي مارسته الحكومة. ومن ناحية أخرى، فإنه أنصَف الطائفة الأرمنية في نضالها من أجل انتخاب البطريرك الذي يمثلها.
وأكدت المحكمة على أن الانتخابات على منصب البطريرك ستتم وفقاً للنظام الأساسي لعام 1863، مع وجوب انتخاب البطاركة بشكل مستقل بعيداً عن التدخل الحكومي. أكدّت المحكمة أيضاً على أن أي مخالفة لهذا ستُعدّ انتهاكاً للحقوق.
بمعنى آخر، فإن جميع مطالب الطائفة الأرمنية باتت مدعومة بحكم القانون، ولم يعد لمؤامرات حزب العدالة والتنمية وأتيشيان مكان يجعلها قادرة على الاستمرار.
ومسألة ما إذا كان قرار المحكمة مُلزماً، أو إلى أي مدى سيهتم به حزب العدالة والتنمية، فيها خلاف. لكن بوصفي من المتابعين للشأن السياسي الداخلي من مواطني تركيا، فليس بوسعي سوى أن اتساءل: لماذا اختارت المحكمة الدستورية إعلان هذا القرار الآن.

لماذا الآن؟ إذا لم أطرح هذا السؤال، فستكون هذه سذاجة مني.
من الواضح أن أتيشيان، الذي حظي بدعم قوي من حزب العدالة والتنمية على مدى عشر سنوات، صار غير مؤثر في نظر الحزب الحاكم.
وعلى مدى عشر سنوات، ظلّت الحكومة تدفع بأتيشيان إلى الواجهة، حيث استحدثت مناصب جديدة له وتخلّصت من جميع المرشحين المحتملين لمنصب البطريرك. وكان أتيشيان كُلّما وجد نفسه في مأزق، يُجري بعض المكالمات الهاتفية ليحل حزب العدالة والتنمية مشاكله. لكن من الواضح أن هذا لم يحقق النجاح الذي كأن يأمل حزب العدالة والتنمية فيه.
ورفضت الطائفة الأرمنية القبول بأتيشيان. وعلى الرغم من تأكيد نائب البطريرك على أنه يحظى بدعم الحكومة، فإن الطائفة الأرمنية لم تُلق له بالاً. ولم تساعد الصور التي جمعته بوزير الداخلية في مشاهد تعكس الود بينهما، ولا ما دار من أحاديث مع الرئيس أردوغان، بأي شكل من الأشكال في زيادة الدعم الذي حظي به الرجل.
وبلغت الأمور مداها مع أتيشيان وحزب العدالة والتنمية، حيث أصبح نائب البطريرك يوصم بأنه رجل الحكومة، ليس فقط من قِبل الطائفة الأرمنية في الداخل، ولكن أيضاً من قبل المقيمين في الخارج ودولة أرمينيا. وبدلاً من أن يرفض هذا الوصف، فقد أخذ يتباهى بأنه يعرف كيف يُنجز أموره في تركيا. وكل ما استطاع الرجل فعله هو أنه غرق أكثر في مستنقع أكبر.
وقرر حزب العدالة والتنمية التخلص من الرجل، بعد أن رفضته جميع الأطراف. عند هذه المرحلة، طُويت صفحة موتافيان وأعلنت المحكمة الدستورية قرارها.
وللأسف، فإن الطائفة الأرمنية لن تسترد أبداً تلك السنوات العشر التي سُلبت منها. وبعد عشر سنوات بلا معنى، وبلا اتجاه، وبلا رؤية، فقد ضجر الشباب على وجه الخصوص من نائب البطريرك الذي لم يهتم لأمر الأرمن، ولا دينهم، ولا مشاكلهم.
وقد تباعدت المسافة بين الطائفة والبطريركية، التي من المفترض أن تكون الضامن الوحيد لانتماء الأرمن وثقافتهم ولغتهم في تركيا. ويجب أن نأمل في أن تكون السنوات القادمة مثمرة في معالجة جراح الماضي. والخطة الآن هي اختيار بطريرك جديد خلال الشهرين القادمين. دعونا نأمل أن تكون انتخابات ديمقراطية.

في ظل كل هذه التطورات، هناك أمر يجب التأكيد عليه والاحتفاء به قبل كل شيء، وهو كفاح المجتمع الأرمني على مدى عشر سنوات، ورفضه الاستسلام.
لقد كان الموقف الصارم الذي تبناه الزعماء الدينيين والمدنيين وشباب الأرمن، الذين لم يخشوا معارضة الحكومة، من الأمور المهمة التي أدت إلى الوصول لهذه النقطة. ومن الأمور المهمة أيضاً الموقف الناقد الذي تبنته صحيفة أغوس الأرمنية في تركيا، والتي ظلّت تنشر الوعي بين الجماهير، وتثير اسئلة لم يستطع أحد أن يطرحها، وتصر على الحوار بين البطريركية والمجتمع المدني.
وفي مقال سابق حول ما إذا كان الأرمن قاردين على انتخاب بطريرك جديد، كتبت أقول "من التضليل تقييم الانتخابات على منصب بطريرك الأرمن خارج سياق المناخ السائد في تركيا. عندما تكون الأغلبية في البلاد تخشى أن تتكلم، فمن غير العدل أن نتوقع من الأقلية أن تثير جلبة لكي تحقق التغيير".
وأنا ما زلت مع هذا الرأي. لكن الفوز الذي حققته المعارضة في الانتخابات على منصب العمدة في الآونة الأخيرة أظهرت من جديد أهمية المقاومة وعدم الاستسلام، بغض النظر عن أي شيء.
الشجاعة مُلهِمة. وكفاح طوائف الأقلية مهم بقدر أهمية كفاح الأكثرية، ومن الخطأ الاعتقاد بأن الطائفة الأرمنية منعزلة عن المجتمع الذي تعيش فيه. فبغض النظر عن الهوية العرقية أو الدينية، فإن المجتمع يحافظ على حالة من التوازن، بينما تنتشر فيه العادات الجيدة كما تنتشر العادات السيئة.
ربما يكون ما يفعله كل شخص الآن هو – كما قال الشاعر تورغوت أويار – أنه "يغرق بلا أمل مثل حبة سمسم – ويقاوم – باسم المقاومة الدائمة ويظل في هذا الطريق".

نقلا عن "أحوال"

Qatalah