يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تلقى العثمانيون دروس الخيانة في قصور قونية، حيث عاش سلاجقة الروم لقرون يطعنون العرب المسلمين من الخلف، فتحالفوا مع الصليبيين ووضعوا أيديهم في أيدي ملوك بيزنطة لينتهي بهم المطاف بالخدمة تحت أقدام خاقانات المغول.
وقف العثمانلي من السلجوقي موقف التلميذ من الأستاذ، منه تعلم فنون السلب والنهب، ومن بئره اغترف الخيانة والغدر، حتى دانت له دولتهم الممتدة من حدود الصين إلى المحيط الأطلنطي، وأثبت تفوقه على أستاذه وحشية.

غزو الشام
عندما اكتسحت قبائل الأوغوز بقيادة أسرة سلجوق العالم الإسلامي في القرن الـ11، قسم سلاطين السلاجقة إمبراطورية المسلمين بين أبناء الأسرة، وذهبت منطقة وسط الأناضول من نصيب سليمان بن قلتمش في العام 1077، ليؤسس دولة سلاجقة الروم وعاصمتها قونية.
عرف ابن قلتمش بأخلاق البدو الأتراك، واحتفظ بالكثير من معتقداتهم القديمة مثل الإيمان بالسحر والأرواح ضمن معتقدات الشامانية المنتشرة في وسط آسيا، ومن قونية امتد نفوذه إلى معظم القبائل التركية والتركمانية في الأناضول.
شارك ابن قلتمش الأتراك في نشر الفوضى في بلاد الرافدين والشام، بسبب الصراعات بين أبناء الأسرة السلجوقية على السلطة، فانهارت حصون الشام وباتت بلا دفاعات، واستمر الحال هكذا حتى احتل الصليبيون البلاد دون مقاومة.

لم يكن السلطان قلج أرسلان الأول الذي تولى الحكم بعد وفاة والده سليمان بن قلتمش في العام 1086 واعيا للتغيرات التي تجري من حوله، وكان منشغلا باللهو والغرق في الملذات والإسراف في شرب الخمور، حتى فوجئ بالحملات الصليبية تقتحم عليه قصره.
ظن أرسلان أن جموع الفقراء والشحاذين الذين هاجموا حدود دولته في وقت سابق هم قوام الهجوم الأوروبي على الشرق، وأخذ يفخر بانتصاره الهزيل عليهم، وركن إلى الراحة وتقاعس عن تقوية القلاع الحدودية.
جاءت القوات الصليبية النظامية وسحقت قوات السلاجقة الذين فروا هربا من المعارك في العام 1092، فسقطت عاصمة قلج أرسلان وأسرت زوجته وبناته وحملن إلى بيزنطة، فتحصن بالجبال وترك الطريق مفتوحا أمام الصليبيين لغزو الشام.

عقائد منحرفة
لم يكن السلاجقة كعادة الأتراك أهل حضارة، وسرعان ما خضعوا لهيمنة الفرس، وجعلوا الفارسية لغة البلاد الرسمية، ما مهد لنفوذ الشيعة في الدولة السلجوقية، فانتشرت الأفكار الشيعية في عهدهم، ودخل السلاجقة الروم تحت رداء الصوفية، فضلا عن اعتناقهم لبعض أفكار بيزنطة المسيحية.
أخذ السلاجقة عن الإمبراطورية المسيحية الكثير من العادات المخالفة لتعاليم الإسلام، مثل شرب الخمر ونكاح الغلمان، ولم يبد سلاطينهم ما يدل على تمسكهم بالإسلام ولو ظاهريا، فلم يكتفوا بالتخاذل في مقاومة الصليبيين، بل تحالفوا معهم ضد المسلمين.
استاء حكام المسلمين من انحراف سلاجقة الروم العقائدي، وأعلن السلطان نور الدين محمود الزنكي حاكم الشام الحرب على السلطان السلجوقي قلج أرسلان بسبب انحرافاته وما تردد عن معاقرته للخمور وإنكار السنة النبوية واعتناق الكثير من الأفكار البيزنطية.

طلب أرسلان الصلح مع السلطان الزنكي، لكن الأخير حدد شروطه في رسالة بعث بها مع رسول إلى قونية وجاء في أحد جوانبها "إنني أريد منك أمورا وقواعد، ومهما تركت منها فلا أترك 3 أشياء: أحدها أنك تجدد إسلامك على يد رسولي حتى يحل لي إقرارك على بلاد الإسلام، فإنني لا أعتقدك مؤمنا".
طلب الزنكي من أرسلان أن يمده بجنوده إذا احتاج إليهم في صد هجمات الصليبيين، وجاء في رسالته "الثاني إذا طلبت عسكرك إلى الغزاة تسيره، فإنك قد ملكت طرفًا كبيرًا من بلاد الإسلام وتركت الروم وجهادهم وهادنتهم، فإما أن تنجدني بعسكرك لأقاتل بهم الإفرنج وإما أن تجاهد من يجاورك من الروم وتبذل الوسع في جهادهم".

ينقل المؤرخ ابن الأثير في كتابه "التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية" رد سلطان سلاجقة الروم المذعور، حيث أصيب بالرعب بعد أن اتهمه السلطان الزنكي بالزندقة، فوافقه على مطالبه وجدد إسلامه على يد رسوله، وكان هذا إجراء شكليا حيث ظل سلاطين السلاجقة أقرب إلى الوثنية منهم إلى الإسلام.
قمع السلاجقة الحركة الإصلاحية التي نادى بها بابا عشق الذي دافع عن قيم الإسلام في المساواة بين المسلمين، بعد أن استبد الأتراك بالسلطة على حساب التركمان والأكراد، لكن ثورته انتهت بمقتله بأمر من السلطان السلجوقي في العام 1241.

حلف الشيطان
استمر السلاجقة الروم في خذلانهم للمسلمين على مدار عقود، فلم يشاركوا في حروب تحرير الشام من الغزو الصليبي، وانشغلوا بالبحث عن حليف لهم ضد المسلمين إذا فكروا في الانقضاض عليهم، وتحالفوا مع البيزنطيين ضد الزنكيين حكام الموصل وحلب وآل الدانشمند، وواصلوا الخيانة برفض التحالف مع السلطان صلاح الدين الأيوبي عندما تولى الأكراد مع العرب مهمة تحرير القدس العام 1187.
بحث السلاجقة عن نجاتهم من دون المسلمين، ووقع سلطانهم اتفاقية سلام مع البيزنطيين، واستغل السلطان قليج أرسلان الثاني انشغال صلاح الدين بحروب الصليبيين فهاجم الحدود الشمالية لبلاد الشام، لكن القوات الأيوبية الكردية هزمته في العام 1179.

لم تتوقف الخيانة السلجوقية ضد الأيوبيين الذين أفنوا عمرهم في حروب الصليبيين، ورفضوا المشاركة في حروبهم ضد الصليبية، وكانوا يحسدون صلاح الدين على نجاحاته في كل من معركة حطين وفتح بيت المقدس وتوحيد بلاد الشام ومصر في دولة واحدة.
تحالف قلج أرسلان مع الإمبراطور الألماني فريدريك بربروسا الذي قاد جيوش أوروبا في الحملة الصليبية الثالثة لاستعادة بيت المقدس من أيدي قوات صلاح الدين، وسرد المؤرخ الموصلي المعاصر ابن الأثير وقائع الخيانة السلجوقية في كتابه "الكامل في التاريخ".

يقول ابن الأثير إن الألمان "أرسلوا إلى قلج أرسلان هدية وقالوا له: ما قصدنا بلادك ولا أردناها وإنما قصدنا بيت المقدس، وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت وغيره، فأذن قلج أرسلان بذلك فأتاهم ما يريدون فشبعوا وتزودوا وساروا".
لم يكتمل المخطط السلجوقي الصليبي، ومات الإمبراطور الألماني غرقا على أحد أنهار مملكة الأرمن، وتفرق جيشه قبل أن يصل إلى بلاد الشام، وخسر قلج أرسلان رهانه على هزيمة صلاح الدين، فكتب إلى السلطان الأيوبي يعتذر له ويخبره أن الألمان أجبروه على فتح بلاده لهم "لأن أولاده حكموا عليه وتفرقوا عنه وخرجوا عن طاعته"، حسب كتاب "المختصر في تاريخ البشر".

خيانة كيكاوس
لم يتوقف مسلسل الخيانة السلجوقية عند قلج أرسلان، وسار السلطان كيكاوس على الدرب لاحتلال لاحتلال مدينة حلب وانتزاعها من الأيوبيين في العام 1218، فيما كان السلطان الكامل محمد الأيوبي منشغلا بالتصدي للحملة الصليبية الخامسة التي هاجمت مدينة دمياط المصرية.

رغم ذلك، تمكنت قوات الأيوبيين في الشام من هزيمة طليعة جيش السلطان السلجوقي التي فرت من ساحة المعركة، ويصف ابن الأثير موقف السلطان الصغير قائلا "كيكاوس فعل ذلك لأنه صبي غر لا معرفة له بالحرب".
بعد الهزيمة دخلت سلطنة سلاجقة الروم في فوضى بسبب وفاة كيكاوس في العام 1219، ما أدى لصراع مرير على العرش، ولم تخرج منه الدولة حتى وجدت جحافل المغول بقيادة هولاكو حفيد الخاقان الأعظم جنكيزخان تعصف بالعالم الإسلامي.

خدم المغول
لم يستوعب السلاجقة الدرس بعد تجربتهم المريرة مع الصليبيين، وتركوا حدود دولتهم بلا تحصين، ففشلوا في صد هجمات المغول، واستنجد سلطانهم كيخسرو الثاني بمرتزقة جورجيا وطلب عون بيزنطة، لكنه استكبر أن يمد يده إلى أخوته المسلمين طلبا للعون.
تخلى حلفاء كيخسرو عن السلاجقة في معركة جبل كوسه شرقي الأناضول في العام 1243، وانتهت بانتصار ساحق للمغول، وسرعان ما تحول المهزومون إلى خدم تحت أقدام الخاقانات، فوافق سلطانهم على دفع الجزية للغزاة، وأقر اتفاقية ألزمته بأن يكون تابعا للخاقان الأعظم، إضافة إلى إخضاع جميع القبائل التركية ومن بينها قبيلة قايي التي ينتسب إليها العثمانيون.

التبعية السياسية للمغول جعلت السلاجقة في مقدمة الصفوف في حروب الوثنيين ضد المسلمين، حيث شاركوا في العدوان على دولة المماليك الذين خلفوا الأيوبيين في حكم مصر والشام، وبعد هزيمتهم في موقعة عين جالوت في العام 1260 حاول السلاجقة إنقاذ الجبهة المغولية من الانهيار في الشام، ودخلوا معارك عدة ضد المماليك، حتى انتبه السلطان المملوكي الظاهر بيبرس البندقداري إلى ضرورة كسر دولة الخيانة للأبد.

حشد بيبرس جيوشه وقرر الانقضاض على التحالف المغولي السلجوقي والقضاء عليه قبل أن يعقد تحالفا مع بقايا الصليبيين في الشام، فهاجم أرض الدولة السلجوقية وعسكر بجيشه في صحراء الأبلستين جنوب مدينة قيصرية في الأناضول، وكانت حينذاك عاصمة السلاجقة.
تمهل بيبرس وانتظر وصول الجيشين المغولي والسلجوقي، واستطاع الإيقاع بهما وهزيمتهما في موقعة الأبلستين العام 1277، ورصد المؤرخ المعاصر ابن عبد الظاهر في كتابه "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر" وقائع المعركة التي انتهت بانكسار السلاجقة حين أباد الجيش المملوكي حلف الشيطان.

ميلاد العثمانلي
سارع سلطان مصر الظاهر بيبرس بدخول قيسارية عاصمة السلاجقة لتأكيد انتصاره، وجلس على عرش السلطان المهزوم، ويصف المؤرخ تقي الدين المقريزي مشهد النصر في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك" قائلا "ركب السلطان وعلى رأسه جتر (المظلة السلطانية) بني سلجوق، ودخل قيسارية دار السلطة، وعبر القصور وجلس على عرش آل سلجوق، وأقبل الناس للهناء وقبلوا الأرض".

بعد الهزيمة الساحقة على يد سلاطين مصر، لم تقم لدولة سلاجقة الروم قائمة، إذ استمرت بضع سنوات تتخبط في حروب أهلية، قبل أن تقوم على أنقاضها في العام 1300 دولة لا تقل عنها خيانة، رضعت من الغدر السلجوقي وتربت عليه، وأخذت من خيانة المسلمين والعرب سبيلا لنهضتها، السلطنة العثمانية.

المصادر :


Qatalah