يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"هذه ليست بلدنا.. هم يدفعوننا لاعتقاد ذلك، رغم أننا خدمنا هنا مئات السنين".. بات اضطهاد المواطنين السود في تركيا أمرا عاديا، يدفعهم يوما بعد يوم للصراخ بهذه الكلمات، فالأتراك يتعاملون معهم بسخرية وينظرون إليهم باحتقار، والسلطات تلاحقهم أينما ذهبوا بحجة أنهم مهاجرون غير شرعيين، وحين يبرزون هوياتهم يجدون تهمة التزوير جاهزة وكافية لاقتيادهم إلى أقسام الشرطة، لاستكمال فاصل من الإهانة والعنصرية عملا بتوجيهات الحزب الحاكم.

ركزت صحف تركية على أوضاع المواطنين ذوي البشرة السوداء من أصول إفريقية في تركيا، بمناسبة اليوم العالمي لإلغاء الرق الذى يحل في 2 ديسمبر كل عام، وأظهرت ما يتعرضون له من مضايقات على يد الشرطة التي تصر على إهانتهم علنا في الشوارع، متجاهلة أنهم جزء لا يتجزأ من الشعب، يصل عددهم إلى نحو 25 ألف تركي، حسب مصادر غير رسمية.

"الأتراك الأفارقة"، هكذا تسميهم السلطة للتمييز، باعتبارهم مواطنين درجة ثانية، ليس لهم حقوق في التعليم الجامعي، أو الالتحاق بالوظائف، في الوقت الذي يتعرضون فيه للسخرية من قبل مجتمع لا يعترف بعاداتهم وتقاليدهم، ويمنعهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، بل ويشعرهم بالدونية والاحتقار.

تاريخ من العبودية
يقول المؤرخ التركي هاكان إرديم لصحيفة "حرييت" إنه من المستحيل أن نحدد بدقة الزمن الذي بدأ فيه العثمانيون اللجوء إلى الأفارقة واستخدامهم عبيدًا لخدمتهم، إلا أنه من الممكن اعتبار القرن التاسع عشر هو نقطة دخولهم الأراضي التركية، حيث كان العثمانيون ينقلون آلاف البشر من دول القارة السمراء مثل النيجر وكينيا وغيرها؛ للعمل خدما وطهاة ومزارعين ومربين في المنازل، لدرجة أن أعدادهم تخطت مليون شخص خلال قرن واحد.


يرى إرديم أنه كان يتم نقل 10 آلاف أفريقي كل عام، خلال القرن التاسع عشر، إلى الإمبراطورية العثمانية التي توسعت وقتذاك لتشمل مصر وشبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا.
انتشر الأفارقة في أغلب البلديات، أما مناطق تمركزهم فتمثلت في القرى الواقعة على ساحل بحر إيجه و أنطاليا وأضنة، وأزمير حيث يقيمون مهرجان الدانا الإفريقي كل عام احتفالا بعيد الربيع. وسمحت الدولة العثمانية لهم ببناء المنازل، فأنشأوا قرى كاملة ضمت 1500 أسرة ظلت محتفظة بعاداتها وتقاليدها، فيما استوطن جزء كبير منهم المدن الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول. 
لم يرق مرسوم إلغاء الرق الذي صدر العام 1857 لم يرق للسلطنة العثمانية، فلم يتم الاعتراف بحرية المواطنين السود في البلاد إلا بعد سقوط السلطنة.
بعد تأسيس الجمهورية العام 1923، وافق مصطفى كمال أتاتورك على منح الأفارقة الجنسية التركية، لكن ظلت حبرا على ورق على مدار تلك السنوات الطويلة، ولا يزال التعامل مع الترك الإفريقيين باعتبارهم عبيدا. 
يقول هاكان إن الكثير من الأفارقة الأتراك كانوا يموتون بسبب سوء أوضاعهم الصحية "على الرغم من وضعهم السيء إلا أنهم تمكنوا من التأثير على المجتمع التركي وتركوا بصمتهم هناك، خاصة في الأمور المتعلقة بأنواع الأطعمة وأشكال بناء المنازل، كما أن النساء منهن اشتغلن في مهنة تربية الأطفال ما خرج العديد من أبناء الأتراك يحملن طباع أفريقية".
على الرغم من الدور الذي لعبوه، طمست السلطة الحالية  أشكال وجودهم ودورهم الحضاري بمناهج دراسية لا تتضمن أي معلومات حول دور السلطنة فى جريمة الاتجار بالبشر الأفارقة.

إذلال بكل الألوان
لا يوجد إحصاء رسمي بأعداد الأتراك الأفارقة، ولا تتم الإشارة إليهم من قريب أو بعيد في تاريخ الدولة، رغم أنهم ساهموا في بنائها وتطويرها، في الوقت الذي تلاحقهم عبارات السخرية والاستهزاء من موظفي الحكومة عند استخراج الأوراق الخاصة بهم.
صحيفة "حرييت" رصدت تلك الإهانات من قبل رجال الشرطة بحجة الاشتباه في كونهم لاجئين غير شرعيين بالرغم من أنهم يحملون هويات مواطنة تركية، وأسوة بالتعامل الرسمي الفظ يأنف الأتراك من مصاهرة مواطنيهم من أصل إفريقي، ويرفضون تزويجهم و الزواج منهم إلا نادرا.  

مأساة بالصور
في عام 2010 نشر المصور الهولندي، التركي الأصل أحمد بولاط كتابه "الأفارقة الأتراك"، ووثق فيه بالصور حياة المواطنين المنحدرين من أصول إفريقية، بعد أن عكف على  إعداده 4 سنوات كاملة، ما ساهم في تسليط الضوء على أزمة هؤلاء قليلا.

كما نشطت في الفترة الأخيرة حركات الدفاع عن الأتراك الأفارقة، أشهرها "رابطة حماية حقوق الأتراك السود"، التي أسسها مصطفى أوبلاك العام 2006، وقال إنها تتصدى لمواجهة العنصرية التي يتعرض لها هؤلاء المواطنون، فضلا عن العمل على نشر ثقافتهم والترويج لدورهم في تاريخ البلاد.
يقول أوبلاك - وهو واحد من الأتراك السود - إن أصوله ترجع إلى قبيلة في كينيا، مؤكدا صعوبة التعامل اليومي مع السكان الأصليين في تركيا، مضيفا: غالبيتهم لا يعلمون أننا مواطنون مثلهم، يعاملوننا مثل الأجانب، ويطلقون علينا ألقابا عنصرية مثل "زنوج" أو "أسمراي" وغيرها من الكلمات المزعجة، حتى الشرطة تتعمد إهانتنا.
"في إحدى المرات أوقفت الشرطة ثلاث حافلات لمواطنين أفارقة، كانوا في طريقهم لحضور فاعلية خاصة بهم، اشتبهت في أنهم لاجئون، وعندما شاهدوا هوياتهم اتهموهم بالتزوير".
يؤكد أوبلاك بعد كشف هذه الواقعة أن التوعية بالقضية تبدأ من التعليم، قائلا: إذا تعلم الأطفال منذ المرحلة الابتدائية شيئا عمن لديهم ثقافات مختلفة في تركيا، سيفهمون أن أولئك الذين ينحدرون من أصل إفريقي أتراك مثلهم، ولكن لديهم بشرة وثقافة مختلفتين.
"بالرغم من حدوث زيجات بين مواطنين سود وبيض، إلا أنها لا تدوم طويلا، إذ يوجه الطرف الأبيض إهانات عنصرية للآخر في حال رغب بالانفصال والطلاق، بينما تتكرر المضايقات التي تحدث في المدارس والجامعات لأصحاب البشرة السمراء" حسب أوبلاك.

صوت محبوس
لايعتبر حكام تركيا الأفارقة مواطنين أصلا، لذا يمنعونهم من تمثيل البلاد في أي لقاءات رسمية بالخارج، فضلا عن بث صوتهم خارج الطوق المفروض عليهم في الداخل. وخلال عام 2009 رفضت الحكومة التركية طلب ممثلي الأتراك الأفارقة حضور لقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال زيارته تركيا.

نتيجة الجهود التي بذلها الأتراك الأفارقة، تمكنت جمعية "الوقف التاريخي" أخيرا من التواصل مع لجنة الحريات التابعة للاتحاد الأوروبي، بهدف تسليط الضوء على أوضاع السود فى تركيا، باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من المجتمع، والتعريف بمشاكلهم الداخلية، وتضييق النظام عليه، لجذب التعاطف الدولي مع قضيتهم.
نشطت الجمعية في الشارع، ودشنت مشروعا لرصد وتسجيل شهادات 100 تركي من أصل أفريقي على المعاناة، قبل ثلاثة أعوام، تصدى لنشرها موقع وان ديو الإخباري.
 
نظرات السخرية
شاكر دوغولر (61 عامًا) أحد أصحاب الشهادات، يقول "كلما سرت في شوارع إزمير شعر بنظرات المارة تتطلع إلي بدهشة وسخرية، إنهم يكرهوننا لدرجة لا يمكن تصورها، فكل شخص يمر بجواري ينظر إلي، وبعض المارة يشيرون بأصابعهم نحوي ويضحكون، ثم يسألونني عن المكان الذي جئت منه فلا أستطيع الإجابة".
شكل آخرمن التنكيل يحكيه المواطن التركي، فالسلطات تمنعهم من التعرف على أصولهم "للأسف عدد قليل للغاية منا يعلم كيف جاء أسلافنا إلى هنا، وأخبرني والدي أن أصلنا يرجع إلى السودان، لكن من المستحيل معرفة التفاصيل، فعندما توفي أجدادنا فقدنا المعرفة بثقافتنا، فالدولة العثمانية لم تكن تسجل تاريخ العبيد الأفارقة في السجلات الرسمية، لذلك لا نعرف شيئا عن أصولنا".

أحمد سيزار (30 عامًا) يحكي مأساته قائلا "لكم أن تتخيلوا أن تكون خلقتك التي خلقك الله بها هي سبب إزدراء الناس لك، فقط لكونك مختلفا عنهم في الشكل، بينما اللغة واحدة والعادات والتقاليد واحدة، فعلًا الأتراك عنصريون للغاية".
يعمل أحمد في دكان بحي توربالي بمدينة إزمير، يمضي قائلا "لا أعرف شيئا عن أصولي، جاء جد أبي إلى الأناضول، ونزل في الحي الذي أعيش فيه حاليا، هذا كل ما أعرفه، لكن لا أعلم من أين جئت، أشتاق إلى معرفة ذلك، هذه ليست بلدنا، إنهم يدفعونا إلى ذلك بقوة".

Qatalah