يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم يكن كفاح شعب فلسطين ضد العصابات الصهيونية لاستعادة حقوقه وأرضه المنهوبة، وإقامة دولته المستقلة، أولى محطات نضال شعب الجبارين ضد الغزاة، وقف الفلسطينيون ضد همجية الاحتلال العثماني الذي سيطر على أرضهم عام 1516 بعد هزيمة المماليك في موقعة مرج دابق.
 
لم يراع لصوص السلطنة مكانة القدس عند العرب والمسلمين، ومارسوا كل صنوف القتل والتنكيل والتعذيب على أهلها، وفرضوا الضرائب الباهظة، وملأوا السجون بسكان القدس غير القادرين على دفع الإتاوات لعسكر العثمانلي، بل وكادوا يقصفون الحرم القدسي لإخماد الثورة.
 
تواطأ الأتراك مع العصابات التي انتشرت في مدن فلسطين وقراها، تنهب المنازل والمحال والمحاصيل ومزارع الزيتون لحساب قادة الجند العثمانلية، شح الطعام وكسدت التجارة وعم الفقر والخوف، لجأ السكان للسلطان يشكون من الظلم والتنكيل تحت حكم الوالي، وأعلنوا رفض طاعة السلطان الذي خذلهم، واختاروا نقيب الأشراف حاكما للمدينة.
حاصر العثمانيون المدينة لتجويع أهلها، وقصفوا الأماكن المقدسة لإجبار السكان على الاستسلام، وظل الفلسطينيون يدافعون عن استقلالهم لمدة ثلاثة أعوام، حتى نضبت المؤن والمواد الغذائية والحبوب، إضافة إلى الحصار المحكم الذي أجبر الأهالي على الاستسلام.
دخل الأتراك المدينة وزادوا من بطشهم وظلمهم لسكان القدس، ونهب ممتلكاتهم وفرض الضرائب لإرسال الأموال إلى خزانة السلطان العثماني الذي توشك دولته على الانهيار والإفلاس، وفي 1918 نفضت فلسطين رجس العثمانيين ودولتهم الظالمة عن تراب أرضها للأبد على يد قوات الثورة العربية بقيادة الشريف حسين.
 
العثماني اللص
احتل العثمانيون القدس عام 1516 بعد زوال الحكم المملوكي، وأصبحت تابعة إداريا لولاية صيدا وعكا، وخضعت لإدارة موظف برتبة متسلم.
ساءت الأحوال الأمنية في المدينة خلال الاحتلال العثماني، وانتشرت العصابات الإجرامية داخل المدينة وخارجها، كانت تعرف باسم (أهل الشر والسرع)، تحميها طائفة (أهل العرف) وهم ضباط إنكشارية وأغوات وموظفون أتراك، مقابل حصة من غنائم الإتاوات.
 
كان أهل العرف يبتزون التجار وأصحاب الحرف وإجبارهم على دفع الإتاوات، ومن يعترض تصادر أمواله، ويغلق متجره أمام أنظار المتسلم والقاضي الشرعي، دون تدخل من جانبهم لحماية الحرفيين، دمروا حقول ومزارع الفلاحين وطردوهم من قراهم، واستولى الأتراك على قرى كاملة، مثل الولجة، وبيت جالا، ورأس الحنية.
بقيت شكاوى الفلسطينيين للسلطان العثماني شاهدا على ظلم وطغيان حكام آل عثمان وتنديسهم مدينة القدس، وجاء في إحداها "واستولت أيدي حكام العرف وأعوانهم على رعايا قرى الوقف، وكلفوهم التكاليف الشاقة، والمظالم المتتابعة اللاحقة، فخرجوا عن حيز الطاقة والمقابلة بقرية بيت جالا وخربة رأس الحنية لتراكم وتتابع المظالم عليهم".
 
تمرد الفلاحون في بيت لحم بعد استيلاء العصابات التركية على أراضيهم، ومطالبتهم بتسديد ضريبة "المال الميري"، استخدام جنود السلطان العثماني أساليب وحشية لإجبار الأهالي على الدفع، وتولى أمير لواء القدس مهمة جمع المال بنفسه، وكان يخرج على رأس قوة عسكرية تجوب القرى، ومن يمنعه الفقر والحاجة عن الدفع يجلد ويلقى به في السجن.
في العام 1704 أحرق القائد التركي محمد باشا مزارع ومعامل الزيتون، أثناء ترأسه حملة لجمع المال الميري، رفع الأهالي شكوى إلى القاضي الشرعي الذي أمر بإجراء تحقيق في الواقعة، وتبين أن ما تم إتلافه من مزارع راضي الوقف، التي يصرف من عوائدها على المقدسات الإسلامية والأيتام.
احتكر محمد باشا قائد لواء القدس تجارة الزيوت، وامتلك"مصبنة" لصناعة الصابون تسمى "الفويشانية"، بالإضافة إلى اشتغال الموظفين الأتراك بالتجارة واستغلال سلطتهم لابتزاز التجار وتحقيق أرباح طائلة.
 
نهب الأوقاف
تاريخ القدس المرير مع الحملات الصليبية أورث السكان سخطا وخوفا من الأوروبيين، فجر مشاعر الغضب العربي ضد قرار الدولة العثمانية تعيين قنصل لفرنسا في العام 1700 لمباشرة شؤون الرهبان والمصالح الأوروبية في المدينة.
رفض الأعيان والمشايخ والتجار والأهالي وجود القناصل الأوروبيين في القدس، وأجبروا السلطان مصطفى الثاني على الرضوخ لمطلبهم. عينت السلطنة محمد باشا كرد بيرام 1702 أميرا على لواء القدس بدلا من عوض باشا، الذي طُرد القنصل الفرنسي في عهده، جاء على رأس قوة عسكرية لإخضاع العرب الرافضين لسياسة الجباية وفرض الضرائب.
لم يختلف بيرام عن سابقيه من لصوص إسطنبول، واستخدم أبشع أنواع القسوة لجمع الأموال الأميرية، وهاجم جنوده قرى الفلاحين الذين عجزوا عن تسديد الضرائب، ورفض نصائح رجال الدين والأعيان بجمع الضريبة على أقساط.
داخل القدس الشريف عاث الجنود فسادا، وفرض الباشا ضرائب باهظة على الحرفيين وأصحاب المتاجر.
 
شرارة الثورة
هاجم عساكر الترك إحدى قرى الأوقاف، ودمروا مزارعها وحقولها، فقررت النخب المحلية الوقوف أمام بلطجة العثمانيين، بعدما سد السلطان الأبواب في وجههم.
في 1703 ظهرت بوادر الثورة على الأتراك في فلسطين، اعتصم الأعيان والعلماء والتجار وساندهم المئات من الأهالي في ساحة الحرم الشريف بعد صلاة الجمعة، وأعلنوا مواجهة الغزاة وعصاباتهم المسلحة.
 
هاجم سكان القدس مقار الإدارة العثمانية، واعتقلوا المتسلم جورجي محمد باشا بعد اقتحام منزله، ثم اتجهوا للمحكمة الشرعية،ومنزل القاضي المرتشي وترجمانه، وتم قتل الأخير، وهرب القاضي، وعينوا بدلا منه محمد الخالدي. 
سيطر الثوار على القلعة بمعاونة بعض السباهية ممن تضررت إقطاعياتهم من الحملات العسكرية، وأطلقوا سراح السجناء، وطردوا العساكر الأتراك، أصبحت القدس في يد الثوار الذين اختاروا نقيب الأشراف السيد محمد بن مصطفى الوفائي الحسيني، شيخا على المدينة ورئيسا لها.
توليه مشيخة الحرم وإدارة الأوقاف أهلته ليكون جديرا بموقعه الجديد، أرسل إلى السلطان ووالي دمشق عريضة بالمظالم التي ارتكبها الموظفون الأتراك بحق المقدسيين، وطالب بتثبيته في منصبه.
رفض العثمانيون ما حدث، وواصلوا غطرستهم وظلمهم، وسير السلطان حملات عسكرية من الشام إلى المدينة، نجح الأهالي المدججون بالسلاح وراء حصون المدينة في التصدي لهم .
توحد أهالي المدينة، مسلمين ومسيحيين على صد الخطر العثماني، وعقدوا اجتماعا تعاهدوا فيه على حماية المدينة، ونصرة المظلومين، وحفظ الأمن داخل وخارج المدينة، وطرد المجرمين الأتراك، حكم النقيب المدينة لمدة عامين نفذ خلالها ما تم الاتفاق عليه.
 
خنق المدينة
اعتبر الأتراك ثورة القدس أنها عصيان وتمرد يجب استئصاله، ولم يهتموا بالتحقيق في الأسباب التي دفعت السكان للغضب، وجردوا حملات عسكرية للسيطرة على المدينة، فشلت جميعها في اختراق أسوارها.
منع العثمانيون الحجاج الأوروبيين دخول الأماكن المقدسة، ونهبوا عوائد الأوقاف، وفرضوا حصارا لعزل المدينة - التي لا تستطيع الاعتماد على مواردها الذاتية - عن الولايات المجاورة لمعاقبة سكانها، وعمدوا إلى بث الفرقة بين التجار والعلماء ونقيب الأشراف، واستمالوا السباهية الذين خانوا الثورة، فحدث اقتتال داخلي.
استغلت السلطنة تخلي السباهية عن الثورة، وقدمت رشوة إلى قائد قلعة القدس مصطفى أغا بتعيينه متسلما على المدينة، ولجأ لأساليب قمعية لإخضاع الثوار وتجريدهم من سلاحهم.
 
شن الثوار بقيادة النقيب هجوما على القلعة وبيت القاضي، وأرسل العثمانيون قوة عسكرية أحرقت المزارع حول المدينة، للضغط على الثوار، دارت مفاوضات للصلح بين العرب والأتراك، لكن النقيب تمسك بموقفه ورفض دخول الجنود الأتراك إلى المدينة.
 
إعدام النقيب
حاصر جنود القلعة والحملة العسكرية التركية الثوار، فقرروا الخروج من المدينة صوب الخليل عام 1705، فضيقوا الخناق حول نقيب الأشراف حتى تمكنوا من اعتقاله في طرطوس، ثم إعدامه في إسطنبول، بعد هدم منزله في القدس وتشريد عائلته ومصادرة ممتلكاته.
انتقم العثمانيون من الثوار وأحكموا قبضتهم على المدينة، وجمعوا السلاح من السكان، وتم تعزيز الحامية التركية بـ 2400 جندي إنكشاري، وعدد من المدافع، وصادروا البيوت المجاورة للقلعة، وطرد أهلها منها، ليقيم فيها الجنود.
قمعت السلطنة ثورة المقدسيين بالقوة، وشحنت المدينة بالإنكشارية لإرهاب السكان، فنصبوا مدافع القلعة جهة الحرم القدسي الشريف، وهددوا بقصفه إذا ثار الأهالي من جديد.

المصادر :

1 - أحمد حسين عبد الجبوري: القدس في العهد العثماني

Qatalah