يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الاحتلال العثماني لليمن العربي لا يستدعي إلا مشاهد الذل والهوان، عندما فر الأتراك الغاصبون أمام بسالة الشعب اليمني العربي مرتين: الأولى بعد احتلال دام 95 عاما وانتهى عام 1634، والثانية عندما عاود الغاصبون محاولتهم في منتصف القرن الـ 19، لكن الشعب الأبي كان لهم بالمرصاد، واشتعلت المقاومة ضد العسف التركي، حتى طلبوا الصلح صاغرين وانسحبوا دون رجعة عام 1918، بعد أن سجلوا صرخاتهم في قصائد شعرية تصف المقاتلين اليمنيين الأشداء بأنهم "أشرار العرب".
نسي الأتراك درس المقاومة اليمنية، وعادوا الكرة من جديد، فتقدمت جيوشهم نحو صنعاء عام 1848، واضطرت إلى الهروب أمام حركات المقاومة التي قتلت 1500 جندي تركي، ورجع الغاصب مجددا بتجهيزات عسكرية إلى صنعاء، ودخل المدينة عام 1872 ليبدأ العهد الثاني من الاحتلال بقوة السلاح الذي استخدمه العثمانيون في البطش باليمنيين.

احتلال غاشم
عاود الترك سياسات البطش والنهب بحق اليمنيين، ويقول فؤاد الشامي في كتابه "علاقة العثمانيين بالإمام يحيى في ولاية اليمن": "اعتمدت الأنظمة العثمانية في جمع الرسوم المفروضة على الأهالي على نظام الالتزام الذي أضر بالسكان بشكل كبير بسبب جشع الملتزمين وتفشى الظلم في مختلف مناطق البلاد، ورفع الأهالي الشكاوى للباب العالي الذي أدار ظهره لهم وتركهم فريسة لفساد وقسوة الموظفين الأتراك".
يضيف فاروق أباظة في كتابه "الحكم العثماني في اليمن" أن "السلطان عبدالحميد اتبع سياسة البطش والشدة في إخضاع اليمنيين 30 عاما، وكانت تصرفات السلطة العثمانية تنفر شعب اليمن منها، وتزيد من تأييدهم للثورة بزعامة الإمام المنصور ومن بعده الإمام يحيى، ومن تلك التصرفات التعسفية: سجن ونفي العلماء والمشايخ والأعيان بحجة تأييدهم للإمام، وإهانة القبائل اليمنية، واحتجاز الرهائن من القبائل الموالية، ونفي وجهاء اليمن ومفكري البلاد إلى جزيرة رودس، فضلا عن إقصاء اليمنيين من الوظائف الحكومية".
أطلق الاحتلال العثماني زبانيته على الأهالي العزل، ويقول فؤاد الشامي في كتابه إن المسؤولين "القضاة الأتراك كانوا ينصفون أتباعهم على الشعب اليمني في جميع الخصومات، ويكون اللوم والعقاب من نصيب الأهالي المظلومين، وبالغ العثمانيون في رفع رسوم الدعاوى القضائية".
يلخص الشامي سياسة العثمانيين الفاسدة قائلا :"كان جمع المال من الأهداف الرئيسية للإدارة العثمانية مهما كانت الظروف"، وفي مقابل هذا الظلم ثار اليمنيون مستخدمين جميع أسلحة المقاومة، ورفضوا التعامل بالليرة العثمانية واستبدلوا بها الريال الفرنسي.

بركان يمني
لم يصمت الشعب اليمني على انتهاكات الاحتلال، وثار أهالي البلد السعيد ضد الإرث التركي البغيض، ويقول فؤاد الشامي في كتابه :"العثمانيون اتبعوا سياسة إرسال أشرار الجند وفسدة الموظفين إلى اليمن حتى صارت البلاد تعج بالأراذل، وتفشى الظلم وانتشر الفساد وصارت الرشوة قانونا للأتراك، فلم يتورعوا عن ارتكاب الموبقات وإتيان المعاصي جهارا".
لم يفلح أسلوب العنف الذي اتبعه الأتراك في إخماد نار المقاومة اليمنية التي هبت لمحاربة الظلم والتفت حول الأئمة الزيدية، وسطر الشعب اليمني ملاحم من النضال ضد الاحتلال المسلح بالمدافع وقذائف الهاون والأسلحة الحديثة.
لم تقف الثورة عند المناطق الخاضعة لسيطرة الإمام وامتدت لتشمل كل اليمن فيما بلغ العسف التركي مداه، ويقول الشامي في كتابه: "في أوقات الأزمات وندرة المحاصيل الزراعية لم يعف الأتراك شعب اليمن من دفع الضرائب، واقتحم جنود الاحتلال البيوت وصادروا الممتلكات، وتركوا الأهالي يعانون الجوع".
شهدت الثورة اليمنية زخما شديدا بعد مبايعة الإمام محمد بن يحيى عام 1889، والتفت حوله القبائل اليمنية بسبب سوء معاملة الولاة والموظفين الأتراك وفسادهم وارتكابهم المعاصي جهارا، ثم ظهر الإمام يحيى وأكمل مسيرة المقاومة اليمنية، فأرسل الجيوش لمواجهة العثمانيين في مختلف أنحاء اليمن، ولم تكن الثورة مقصورة على المناطق الزيدية بل امتدت إلى المناطق الشافعية.

الاحتلال يترنح
أيقن الأتراك استحالة السيطرة على الشعب الثائر، فحاولوا ممالأة الأئمة والتفاوض معهم، ودخلت قوات الإمام يحيى صنعاء بالاتفاق مع العثمانيين عام 1905، لكنهم غدروا بالإمام، وجاءهم مدد من إسطنبول نجح بسلاح الغدر في إخراج الثوار من صنعاء، لم ينل الغدر العثماني من إصرار المقاومة اليمنية، التي نجحت في إنزال هزيمة قاسية بالأتراك في مدينة شهارة، فكانت بداية أفول الاحتلال التركي لليمن.
يسلط الدكتور فاروق أباظة الضوء على سياسة الاحتقار التركي لعرب اليمن، ويقول إن السلطان عبدالحميد لم يهتم ببحث مطالب الإمام، وظل يردد أن ما يحدث في اليمن تمرد على سلطان المسلمين، ويرجع هذا الموقف المتعالي للنظرة الدونية التركية للعرب.
تولى حزب الاتحاد والترقي السلطة في تركيا بعد انقلاب عام 1908، واتبع سياسة تقوم على البطش لقمع الثورة في اليمن، في إطار سياسته المعلنة القائمة على احتقار العرب ومنعهم من الوصول إلى الحكم، وعين الحزب محمد علي باشا واليا في اليمن عام 1910 لتنفيذ خطة وأد المقاومة.
سقطت ولاية ليبيا في قبضة الاستعمار الإيطالي، ويقول فؤاد الشامي:"بدلا من نجدة ليبيا واستعادتها من الاستعمار الغربي أرسل الأتراك جيشا جرارا لقمع الثورة اليمنية التي تزعمها آنذاك رئيس الأركان أحمد عزت باشا".
عبر عزت باشا عن استبسال وشجاعة المقاومة اليمنية بكلمات رائعة "لو كان لنا ألف رجل من هؤلاء الرجال لأخذنا أوروبا بأسرها"، وسجلت الثورة انتصارات متتالية على جيش الاحتلال، توجت بمحاصرة صنعاء عام 1911، وأرغم الأتراك على القبول بالتفاوض.
وقع الأتراك اتفاقية "دعان" مع الإمام يحيى عام 1911، وأصبح الوجود التركي مقصورا على مناطق محددة، وانتقلت السلطة إلى الإمام، وتجنب الأتراك نزيف دم مستمر بفضل اتفاقية الصلح، وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى عجز العثمانيون عن تدبير نفقات جنودهم في اليمن، ولجأوا للاستدانة من الإمام يحيى، فمد لهم يد العون ولم ينقض الصلح مع الاحتلال المترنح.
انسحب الأتراك من اليمن عام 1918، وضرب الشعب مثالا باهرا على الإباء والنضال العربي وحطم أسطوة التفوق العسكري التركي، وصار اليمن جرحا عميقا في وجدان الترك سجلوه بأنفسهم في قصائد شعر، إذ يقول أحد شعرائهم: "لا توجد غيوم في الجو فما هذا الدخان؟ لا توجد وفاة في المحلة فلم هذا النواح؟ هؤلاء أهل اليمن، كم هم أشرار!".

Qatalah