يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


25 أكتوبر 2018 أطروحات جامعية للبيع في تركيا

في الآونة الأخيرة، صار من الأسهل في تركيا أن تشتري مهنة دون أن تبذل أيّ مجهود، فقد تفتّق ذهن البعض من الناس عن طريقة لتحقيق أهدافهم المهنية دون حاجة لأن يقدحوا زناد أفكارهم في العلم والتعلم، أو أن يبذلوا الوقت والجهد فيهما، فكل ما تحتاجه هذه الفكرة هو المال.

إذا كان لديك مال وتعيش في تركيا، فيمكنك أن تجد من يقوم بالواجبات الدراسية المنزلية عنك، ومن يكمل لك مشروعاتك، بل ويكتب لك أطروحتك.

يقدم لك هذه الخدمة فريق من الخبراء الذين يضمنون لك ألا تتعرض لأية مشكلة مثل السرقة الأدبية. سيخبرك من يكتبون لك أطروحتك بأنهم أصحاب خُلُق لأنهم لن يُبلغوا أحدا باسمك أو بأنك دفعت المال للحصول على أطروحة جاهزة، فهذه المعلومات تكون سرية.

ويشكو خبراء الأطروحات الجامعية من السرقة الأدبية، لذا، فقد قررنا أن نتقصّى أمرا يتجاوز حدود السرقة الأدبية، وبدأنا بالبحث على محرك غوغل، فوجدنا عددا ضخما من المواقع التي تعرض خدمات كتابة الرسائل العلمية.

وبعد التأكد من أن هناك بعض الأماكن التي تؤدي الواجبات المنزلية وتكتب الأطروحات مقابل رسوم، اتصلت بتلك الأماكن وقدمت نفسي على أنني طالب في مرحلة الماجستير من جامعة مرمرة في إسطنبول.

سألت عن كيفية كتابة الأوراق البحثية، ومن يستفيد من هذه الخدمات، وكم عدد الأشخاص الذين يطلبون أطروحات كل عام، وما إذا كان الأساتذة الذين يكتبون الأطروحات يعرفون أسماء الطلاب.

وقد علمت أنهم يقدمون نوعين من خدمات الأطروحات، الأول هو أطروحات درجة الماجستير والثاني هو أطروحات الدكتوراة. ويتراوح عدد أوراق أطروحة الماجستير بين 80 و100 ورقة وتتكلف بما بين 2500 و7000 ليرة تركية (415 دولارا إلى 1160 دولارا).

وإذا اشتملت الأطروحة على مشروع، تصبح التكلفة أعلى، على سبيل المثال، تصل تكلفة إجراء مسح أو استطلاع للرأي نحو ألف ليرة تركية (165 دولارا). في المقابل، تتراوح تكلفة أطروحة الدكتوراة بين نحو 7000 و15 ألف ليرة تركية (1160 إلى 2500 دولار). وقبل الشروع في كتابة الأطروحة، يطلبون من الطالب بعض الأمور، مثل موضوع الأطروحة وبعض المصادر المقترحة وأن يدفع نصف المبلغ المطلوب. وخلال العملية، يكون الطالب والأستاذ الذي يكتب البحث على تواصل، ويكون هذا بشكل عام عبر الإنترنت. ويكون هناك المزيد من التواصل بين الكاتب والطالب في الرسائل العلمية المطولة.

وإذا لم تنل الأطروحة رضاك، يمكنك أن تبلغ بذلك الأستاذ الذي كتبها، لكنك لن تعرف اسم ذلك الأستاذ. وقد أبلغوني بأن السبب في ذلك يعود إلى ما قالوا إنه اعتبارات أخلاقية وأن الخصوصية ضرورية. كما أن الأستاذ لا يعرف اسم الطالب.

وعندما تتسلم رسالتك، تدفع المبلغ المتبقي، وهنا تنتهي صلتك بهذه الخدمة. وفي ما يتعلق بمناقشة أطروحتك، يبلغونك بأنه “ما من شيء نستطيع أن نفعله. فالمناقشة مسؤولية الطالب”.

لكن كيف سيكون الحال إذا اكتشف أساتذتك أن شخصا ما كتب أطروحتك؟ قالت لي الشركة إن “هذا لم يحدث أبدا.. السرية ضرورية. لا تبلغ أصدقاءك”. ظللت ألحّ عليهم في السؤال، فقلت لهم إنني “لا أريد أن أكتب ولو عبارة واحدة، فهل سيقع أيّ عمل كهذا على عاتقي؟”، وكان ردّهم بالنفي، حيث قالوا لي إن كل ما يحتاجونه مني هو موضوع البحث والقليل من المصادر، وتكون الأطروحة بين يديّ خلال شهر أو اثنين.

لكن ماذا لو كانت الأطروحة سيئة؟ قالوا “سيدي، نحن لدينا فريق من الخبراء في كتابة الأطروحات. أقل كاتب مؤهل لدينا هو طالب يستعد للحصول على درجة الدكتوراة. لدينا أساتذة وأساتذة مساعدون من أفضل الجامعات. ليس هناك ما يدعو لأن تقلق في ما يتعلق بالجودة”. بيد أنهم أوصوني أيضا بأن أقرأ الرسالة قبل أن أقدمها، وربما أن أكتب القليل من العبارات بنفسي وأُجري تصحيحا لكي تتكون لديّ فكرة جيدة عن موضوع البحث.

في ما يتعلق بمناقشة أطروحتك، يبلغونك بأنه "ما من شيء نستطيع أن نفعله. فالمناقشة مسؤولية الطالب"

وبالنسبة إلى الأطروحات العلمية المطولة، فقد ذكروني بأن تلك الأطروحات من الممكن أن تحتاج سنوات لتكتمل، وفقا لما يُمليه موضوع البحث ومستوى صعوبته. وبالإضافة إلى كتابة الأطروحة، تُعِدُّ مكاتب الخدمات تلك أية مشروعات تتعلق بأطروحة الدكتوراة لك، بما في ذلك العمل الميداني. بيد أنهم يكتبون الأبحاث باللغة التركية فقط.

ويمكن للأستاذ الجامعي أن يكتب نحو عشر أطروحات في العام، لكن الأوراق البحثية التي تُكتَب باللغة الإنكليزية تكون أغلى ثمنا بكثير وتحتاج إلى المزيد من الوقت. وقد أبلغتني سيدة تعمل بأحد مكاتب الخدمة التي اتصلت بها أنه يمكنني أن أكتب الأطروحة باللغة التركية وأرسلها لهم لكي يترجموها لي. وبطبيعة الحال، تتكلف الترجمة المزيد من المال.

وأخيرا، سألت عن الأمر الأكثر إثارة للقلق، وهو الاتهام بالسرقة الأدبية. قالوا لي “لا تقلق.. فريق عملنا على دراية كبيرة بموضوع السرقة الأدبية، ونحن نستعين ببرامج التحقق من السرقة الأدبية للاطمئنان. وإلى الآن لم تصادفنا أيّة مشكلة”.

ردود تلك الشركات المطمئنة في ما يتعلق بالسرقة الأدبية تكون سريعة، لكن نظرة واحدة إلى الأرقام والإحصاءات كفيلة بأن تعطيك صورة أخرى للموضوع. فقد فحص مركز دراسات السياسة التعليمية في جامعة البوسفور التركية 600 ورقة بحثية لطلبة الدراسات العليا (470 أطروحة ماجستير و130 أطروحة دكتوراة) جرى تقديمها خلال الفترة بين عامي 2007 و2016، وخلص إلى أن 34.5 بالمئة من تلك الأطروحات تنطوي على سرقات أدبية فادحة. ومتوسط المعدل العالمي للسرقة الأدبية 15 بالمئة.

ويعطي كل موقع إلكتروني رقما مختلفا لعدد الأطروحات التي يكتبها كل عام. ويتراوح العدد الأقل بين 70 و80 أطروحة، والأعلى عند نحو 300 أطروحة. ونحو 60 بالمئة من الطلاب الذين يستخدمون هذه الخدمات هم من طلاب الجامعات الخاصة، بينما العدد المتبقي كان من الجامعات الحكومية.

يقول الأشخاص الذين يكتبون الأوراق البحثية لغيرهم إنهم يفعلون هذا لكسب لقمة العيش. وقال أحد كتّاب تلك الأبحاث، طالبا نشر كلامه باسم تيزار، إنه بدأ هذا العمل عندما كان في الجامعة. كانت بدايته عندما اعتاد كتابة الواجبات المنزلية لأصدقائه وكتابة الأوراق البحثية لهم، وفي نهاية المطاف، اقترح عليه أحد أصدقائه أن يعمل لصالح شركة. وبالإضافة إلى كتابة ما يتراوح بين ثماني وعشر أطروحات وأبحاث مطولة كل عام، يقول إنه يكمل الكثير من الواجبات المنزلية للطلاب.

وتيزار هو في واقع الأمر مدرّس لم يتمكن من الحصول على فرصة للتعيين في أي مكان. ويقول “أفكر بحقي في كسب المال. لو أنني حصلت على فرصة للتعيين، لما كنت أقوم الآن بهذا العمل الذي يستنزف طاقتي الذهنية في التجول بالمكتبات وإجراء الأبحاث الأكاديمية. أعرف أن هذا ليس بالعمل العادل، لكن أين العدل في إسطنبول؟”. ويتفشى هذا النوع من الظلم في النظام التعليمي، فحتى متاجر بيع الأدوات المكتبية بالقرب من المدارس تعلق لافتات مكتوب عليها “هنا عمل الواجبات المنزلية”. دلفت إلى أحد هذه المتاجر وسألت: إن كنت أستطيع أن أحصل على خدمة عمل الواجبات المنزلية لديهم؟ وأجابوني “بالتأكيد.!”.

وقال لي أحد البائعين إن الطلاب ليسوا وحدهم من يدفعون المال لكي يقوم أحد بكتابة الواجبات المنزلية عنهم، “الآباء يأتون أيضا، فليس لديهم الوقت أو المعرفة التي تؤهلهم للقيام بالواجبات المنزلية عوضا عن أبنائهم، لكن لديهم المال، لذلك فهم يدفعون لنا لكي نقوم نحن بهذه المهمة”.

نقلًا عن موقع صحيفة "العرب"

Qatalah