يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تعيش تركيا أزهى عصور الاستبداد والقمع على يد الرئيس رجب إردوغان الذي كتب نهاية تداول السلطة بفوزه في المسرحية الانتخابية 24 يونيو 2018، وبينما يحتفل الأتراك بالعيد القومي الـ 95 للدولة الحديثة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك في عام 1923 يبدو الطريق مظلما أمام المستقبل الديموقراطي في البلاد.
يسير إردوغان على نهج خطوات مدروسة لإحكام قبضته الوحشية على كل السلطات حتى أصبحت جميعها في يده يحركها بمراسيم يطلقها بين ليلة وضحاها،  فأصبحت تركيا دولة استبدادية تحت حكم رئيس لا يعترف بأية حدود للقوى السياسية.

المستبد الأوحد
بدأت أولى خطوات إردوغان لترسيخ سلطة المستبد الأوحد في تركيا، بإجرائه استفتاء 16 أبريل 2017، وتلاعب بـ 2.5 مليون صوت انتخابي، كي يتمكن من تحقيق أطماعه السلطوية، وذلك بحسب ما كشفه عضو وفد المجلس الأوروبي أليف كورون.
وسع الاستفتاء نفوذ رئيس الجمهورية، وحول نظام الحكم إلى رئاسي بدلا من برلماني، ونقل الجزء الأساس من صلاحيات السلطة التنفيذية (الحكومة) إلى الرئيس الذي عيّن بنفسه الوزراء وكبار الموظفين الحكوميين وسيختار نائبا أو أكثر له.


وفور حلف اليمين الدستورية 15 يوليو الماضي، أصدر إردوغان 7 مراسيم تخص العديد من مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي ومديرية الصناعات الدفاعية ومجلس الشورى العسكري وغيرها من الهيئات والمؤسسات.
كما أصدر مرسوما قضى بإلحاق عدد من المؤسسات برئاسة الجمهورية هي: رئاسة هيئة أركان الجيش، جهاز المخابرات، الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي، رئاسة مستشارية الصناعات الدفاعية، رئاسة الاستراتيجية والميزانية، رئاسة أرشيف الدولة، مجلس رقابة الدولة، رئاسة الشؤون الدينية، رئاسة الاتصالات، رئاسة إدارة القصور الوطنية، والصندوق السيادي.

خنق الجيش
إردوغان أصدر مرسوما أيضا يقضي بأن يقرر رئيس الجمهورية الترقيات والتعيينات في قيادة الجيش، ودخل حيز التنفيذ مع تعيين الجنرال يشار غولار قائد القوات البرية السابق رئيساً للأركان بدلا من رئيس الأركان السابق خلوصي أكار، كما عين منذ العام 2016 صهره بيرات آلبيراق عضو هيئة إعادة هيكلة الجيش، وبالتالي قضى على جميع خصومه بالإقالة. 
وتولى إردوغان بموجب التعديلات الجديدة وضع الموازنة بصفته رئيس السلطة التنفيذية، ولن يتمتع البرلمان بحق إجراء تعديلات على الموازنة فقط قبولها أو رفضها. 
كما أنه بموجب المراسيم والنظام الدستوري الجديد، يمكن الإطاحة بمَن يعارض أو يخالف رأي الرئيس التركي ويشغل منصبا في الدولة دون إخطار مسبق، وقال إردوغان: يمكن أن يحدث أي شيء في أي وقت، من الممكن أن يستيقظ الوزراء الـ16 ليجدوا أنفسهم معزولين.

مسرح للجرائم
كي يتمكن من إحكام سيطرته يحول رجب البلاد إلى مسرح للجرائم والمطاردات وسط غياب دور العدالة، لم يترك متنفسا لمن يعارضه، فلم يسمح للزعيم الكردي صلاح الدين دميرتاش منافسته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، رغم أنه يقضي عقوبة السجن مدى الحياة، بعدما لفق له تهمة الإرهاب.
وصف دميرتاش الوضع الهزلي من داخل محبسه، بالقول: لقد أصبحت تركيا أشبه بسجن مفتوح، إنهم يحاولون حكم المجتمع عبر الترهيب والتخويف، حصل دميرتاش على 8.40 % من الأصوات، ولم يُفاجأ بالخسارة، فقال: لو لم أكن معتقلاً لأصبحت رئيسا، واتهم إردوغان بممارسة كل الوسائل للتزوير.


 لم يتوقف الأمر عند اعتقال دميرتاش، بل عاقب إردوغان المدن التي شهدت نتيجة تصويت مرتفعة لصالح حزب الزعيم الكردي، (الشعوب الديموقراطي) في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وجاءت مدينة  ديار بكر على رأس تلك المدن من حيث العقاب.
ذكر تقرير حقوقي أن ديار بكر أكثر المدن التي أُعلن فيها  حظر التجوال، بمعدل 190 مرة، تلتها ماردين 53 مرة، ثم هكاري 23 مرة، وأخيرا شرناق 13 مرة، مؤكدا أن مليونا و809 آلاف شخص على الأقل تضرروا منذ أغسطس 2015 حتى 3 أكتوبر الجاري.
فيما بلغ حجم خسائر ديار بكر منذ 2015 نحو 120 مليون ليرة، نتيجة القرارات العقابية التي يتخذها الرئيس التركي ضدها، ووفق إحصاء نشره موقع "دوغروهابر" فإن اقتصادها هبط 40% نتيجة الاشتباكات المستمرة التي تشهدها المدينة.
اللافت أن إردوغان استطاع بفعل الرهبة والخوف أن يحول الشعب إلى خانع مستكين للسلطة الحاكمة، وأفادت صحيفة "التايمز" البريطانية، بأن الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يونيو الماضي، كانت فرصة ذهبية للشعب لكبح جماح الديكتاتور وإسقاط سلطته الظالمة.
أشارت الصحيفة في تقرير نشرته في وقت سابق، إلى أن إردوغان أدرك ذلك وفعل كل شيء حتى لا يخسر تلك الانتخابات، فأغلق جميع الصحف المعارضة وسجن عددا كبيرا من الصحافيين والسياسيين.

Qatalah