يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


دائمًا ما يسير رجب إردوغان وراء مصلحته وأطماعه، فبعد أن انتهت الاستفادة من السوريين، لم يرهق نفسه عناء التحول نحو الإيرانيين، ومحاولة جذبهم، أملا في أن يستغل العقوبات الأمريكية ضدهم، ويفتح أبواب بلاده لهم، لحين استنزافهم كما استنزف السوريين من قبل.
أمام هذا المبدأ النفعي، تواصل حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا برئاسة إردوغان، "مسك العصا من المنتصف"، في علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع إيران.. أنقرة لا تريد خسارة امتيازاتها التجارية مع النظام الإيراني خاصة في ملف الطاقة والتجارة البينية التي تدر على الخزانة التركية ملايين الدولارات سنويًا.

ففي وقت اتفق الأتراك حكومة ومعارضة وشعبًا على شن حرب لا هوادة فيها ضد كل ما هو عربي في بلادهم، التي باتت طاردة للسوريين بعدما أضحى اللعب بورقتهم في وجه الاتحاد الأوروبي بلا فائدة تذكر، تفتح إسطنبول عاصمة تركيا الاقتصادية أبوابها لمواطني إيران، وتسهل لهم كل ما تحرمه على أبناء الشام.

من ضمن الآلاف الذين استفادوا من التسهيلات التركية، لم يرغب رجل أعمال إيراني يدعى "محسن"، أبدًا في مغادرة إيران، ولا الحصول على جنسية أخرى غير جنسية بلده الأصلي، كان الأمر بالنسبة له "مسألة مبدأ"، وحتى بعد حصوله على شهادة في الإلكترونيات من جامعة طهران، وبينما كان جميع رفاقه يهرعون لإرسال "طلبهم" إلى أكبر الجامعات في الولايات المتحدة وكندا، لم يغريه هذا الأمر.
بعد تخرجه، أسس محسن في طهران شركة متخصصة في تصميم البرمجيات، وكانت أعماله تسير بشكل جيد، لكن إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران منذ انسحاب واشنطن من جانب واحد من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 جعل من الصعب للغاية، إن لم يكن مستحيلًا، استمراره.

تسبب وضع الاقتصاد الإيراني المتردي في تدهور أوضاع شركة محسن سريعًا حتى إن بعض زبائنه لم يدفعوا له منذ ما يقرب من عامين، ويقول رجل الأعمال البالغ من العمر 35 عامًا لصحيفة لوموند الفرنسية: "إنهم يتلاعبون بنا، ومع التضخم الذي وصل إلى 40 ٪ ، كلما تأخروا في الدفع، كلما خسرنا أرباحنا".
يتذكر محسن بشيء من الأسى اللحظة التي قرر فيها ترك بلاده والتوجه إلى تركيا، قائلًا:" في تلك الليلة، عندما وصلت إلى المنزل، انخرطت في البكاء، وقلت الأمر لم يفلح، ماذا الذي كان عليّ فعله أكثر؟".

إلى تركيا
في أكتوبر 2018، خفف نظام رجب إردوغان القيود المفروضة للحصول على الجنسية التركية، وبات بإمكان أي شخص الحصول على الجنسية عن طريق وضع 500 ألف دولار (مقابل 1 مليون دولار في السابق)، أو استثمار 250  ألف دولار في حساب مصرفي في تركيا.

استغل رجل الأعمال الإيراني التسهيلات الدبلوماسية التركية وقرر أخيرًا تغيير رأيه والهروب من بلاده: "اتخذت خطوات للحصول على جواز سفر تركي، لأنه أسهل من الدول الأوروبية، التي تستغرق ست سنوات على الأقل".
الخطوة التالية كانت شراءه لشقة في برج على الجانب الآسيوي من إسطنبول يتوافق مع المبلغ الذي حدده القانون التركي، واستئجاره لمباني لشركته بالقرب من منزله الجديد.

"منذ مارس، تمكنت من الاحتفاظ بـ 70 فقط من بين 150 موظفًا كانوا يعملون لديّ" يوضح محسن في شقته المشرقة المليئة بأثاث إيكيا، ويضيف "ما الذي كان عليّ فعله أكثر؟، فعلت كل ما باستطاعتي".
عندما يتذكر محسن وضعه المزدهر في إيران تعلو وجهه علامات الحزن، وهو منذ أن تحطمت آماله في إيران بعد نشاط استمر لثماني سنوات في قطاع الاتصالات، يحاول تجميع شتات نفسه، وتوسيع نطاق شركته في إفريقيا.

مخاطر
قبل العقوبات الأمريكية، اتصلت شركات إسبانية وروسية بمحسن ليكون ممثلهم الإقليمي، لكنهم جميعا انسحبوا بعدما قرر دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق خوفًا من أن تتصيدهم الولايات المتحدة، وفي الآونة الأخيرة، تسببت جنسيته الإيرانية في مشكلات عديدة له في غانا.
لمدة ساعتين، خضع محسن لاستجواب من قبل أجهزة المخابرات الغانية، كما تمت مصادرة جواز سفره، قبل استعادته بعد يومين، وفي كينيا رفضت جميع البنوك فتح حساب مصرفي له، في المقابل فإن جهود محسن للحصول على جواز سفر تركي، والذي اختار اسمًا تركيًا له، استغرقت خمسة أشهر فقط.

منذ بداية العام، احتل الإيرانيون المرتبة الأولى (253 حالة) بين الأجانب الذين حصلوا على الجنسية التركية من خلال الاستثمار، ومن المقرر أن يزداد هذا الرقم باطراد خلال الأشهر المقبلة، بالنظر إلى التوترات المتزايدة بين إيران والغرب.
وفي ظل وجود جواز سفر في جيبه، تمكن محسن من فتح حساب في بنك تركي لتلقي المدفوعات من عملائه، وقام بإعادة حقائب نقود سائلة من إفريقيا.
ويتذكر أنه ذات مرة، وصل إلى إسطنبول بمبلغ 400 ألف دولار، وقام بالاستعلام عن أية عملات من فئة 200 و 500 يورو، أقل قابلية للاكتشاف بواسطة الأشعة تحت الحمراء، حيث يقول : "أنا دائما خائف من السقوط في إفريقيا، هناك لا يمزحون في السجن".

غسيل أموال
في منطقته الجديدة في إسطنبول، يتمتع محسن بعاداته، وغالبًا ما يتناول العشاء في مطعم إيطالي مع صديق مقرب، وهو سهيل، الذي يحمل جواز سفر للملاذ الضريبي تم شراؤه في عام 2016 مقابل 100 ألف دولار، وتقدم بطلب للحصول على الجنسية التركية.

سهيل البالغ من العمر 36 عامًا يصف نفسه بأنه "مقاتل"، لكن ما الحرب التي يخوضها؟ إنها الحصار الأمريكي على إيران، لذلك فهو ينشط بشكل خاص في تصدير البوليمرات والمعادن والبتروكيماويات من إيران رغم استهدافها بالعقوبات.
قال لـ"لوموند" إن تركيا أصبحت سريعًا ملاذ الإيرانيين الذين يسعون للتحايل على العقوبات الأمريكية، وهي مركز لتبادلهم المالي مع العالم، "لأن الأتراك الذين سئموا من أوروبا والولايات المتحدة، يريدون العمل معهم". 

وللتعتيم على تحركاته، فإن سهيل، الذي يحتل والده مكانة عالية في جهاز الحكم في إيران، لا يظهر في أي مكان في الشركات التي أنشأها خاصة في تركيا.
ويشرح سهيل :"لكي تقوم بالربح من غسيل الأموال، والتي هي في حالتنا هذه، أموال من بيع بضاعة تقع تحت طائلة العقوبات، من الضروري إنشاء واجهة خالية من العيوب، وهذا ما نفعله في تركيا، إذا جاء أي شخص ليسألني عما أقوم به، فسأعرض بعض المشاريع التي نعمل عليها".

بالنسبة للنقل البحري، فإن المهمة أكثر حساسية، كما يوضح سهيل، الذي يقوم بدفع 20 ألف دولار للقوارب التي تعمل من أجل إيقاف تشغيل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لمدة يومين قبالة صحار (شمال سلطنة عمان)، قبل أن يعيد تشغيلها ويستأنفوا الطريق "كما لو كانوا غادروا عمان للتو".

"سبقنا الحظر بخطوة"
محسن وسهيل، مثل رجال الأعمال الآخرين، المقربين أو غير المقربين من السلطة الإيرانية، هم دائماً على حافة السكين.
وغالبًا ما يقوم سهيل بتزييف المستندات، فقد تم استجوابه أيضًا لبضع ساعات في المملكة المتحدة البريطانية أثناء سفره بجواز سفره غير الإيراني، وعند التحقق من الهوية، فوجئوا بعدد الطوابع التركية التي كانت على جواز سفره.
وحينها سألوا سهيل :" لماذا كنت تخرج كثيرًا من إيران، فأخبرهم أن إيران كانت بلدًا صعبًا وكثيراً ما كان يحتاج إلى التنفس"، وصدقوه، لكنه كان خائفاً، لذلك فهو يؤكد أنه لن يذهب إلى الولايات المتحدة أبدًا.

ورغم كل الصعوبات، فإن محسن وسهيل يجدان أنه من المربح للغاية العمل في هذه الظروف، ويفتخرون بتهربهم من العقوبات الأمريكية بقولهم: "في غضون عشر سنوات، سنكتب كتابًا عن كيفية تمكننا من العثور على الثغرات للتغلب على العقوبات، لقد سبقنا الحظر بخطوة".

تاريخ أسود
قصة محسن وسهيل جزء بسيط من سجل حكومة إردوغان الحافل بالتحايل على العقوبات ضد إيران، إذ تمت معاقبة العديد من الشركات التركية من قِبل الإدارة الأمريكية لمخالفتها العقوبات، وربما تكون التحقيقات المتعلقة بفضيحة الفساد الكبرى عام 2013 والتي طالت إردوغان وكبار حاشيته، أكبر دليل على تفنن نظام العدالة والتنمية على التحايل على نظام العقوبات على طهران.

صفقة حديثة في مجال العلوم الصحية والطبية بين تركيا وإيران أثارت مخاوف من تخطيط نظام الملالي بالتعاون مع نظام أنقرة للتحايل على القيود المفروضة على المواد والتكنولوجيا الطبية ذات الاستخدام المزدوج لتجاوز عقوبات الأمم المتحدة والولايات المتحدة.
رغم نزاهتها الظاهرية، إلا أن موقع نورديك مونيتور السويدي، أكد إبريل الماضي، أن الاتفاقية أثارت مخاوف تتعلق بتوفيرها إطارًا للحكومة التركية والكيانات التابعة لها لتشغيل مخططات قد تنتهك عقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة خاصة في ضوء سجل أنقرة الحافل بالتحايل على العقوبات.

"نورديك مونيتور" قال إنه برغم أن الأدوية غير مدرجة في قائمة العقوبات، فإن المواد والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج تمثل مشكلة خاصة عندما يتعلق الأمر بإنفاذ العقوبات والتأكد من أن إيران تستخدم المواد المستوردة للأغراض المقصودة وليس تحويلها للبحث في الأسلحة.
مارس الماضي، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية  ضم مؤسسات وأفراد أتراك إلى القائمة السوداء لمن يخل بالعقوبات التي تفرضها على إيران.

في بيان على موقعها، قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية اتخذ قراراً بشأن شركات ومؤسسات تركية، تورطت في شبكة لتحويل قرابة مليار من الدولارات واليورو إلى الحرس الثوري الإيراني ( IRGC) ووزارة الدفاع الإيرانية (MODAFL) عبر شبكة تتكون من أفراد وشركات لمحاولة الالتفاف على العقوبات الأمريكية.
الخزانة الأمريكية أشارت إلى أسماء من بينها إيراني يدعى علي شمس مولافي لديه صلة بشركتي أطلس للصرافة وأنصار للصرافة الواقعتين في السوق المفتوح في مدينة أمين أونو التركية، وتركي لديه صلة بشركة أنصار للصرافة، يدعى سليمان ساكان.

أضافت أن واشنطن أحبطت خطة إيران الرامية إلى نقل غير شرعي لأكثر من مليار دولار، عبر شبكة واسعة من الأشخاص والشركات الوهمية عبر تركيا، مؤكدة أن الأشخاص والشركات التي تم إدراجها إلى القائمة السوداء تلعب دورا في بيع وزارة الدفاع الإيرانية مركبات عسكرية تقدر بملايين الدولارات.
من بين الأسماء التي أوردها تقرير وزارة الخزانة الأمريكية أيضا رجل الأعمال التركي سليمان ساكان الحليف والمؤيد والداعم لتركيا وإردوغان دائما، فيما ذكرت الخزانة الأمريكية أن سليمان تورط مع شركة الصرافة "ألتاس دوفيس تيكاريت" منذ عام 2017  في إمداد وتمويل إيران بملايين الدولارات عبر عدة بنوك وشركات للتحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.

Qatalah