يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


منذ وصوله إلى السلطة عام 2002، ركزت سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا على محاولات إعادة إحياء "الخلافة الإسلامية"، ووضع الحزب الذي ترأسه رجب إردوغان وتولى رئاسة الوزراء في عام 2003 وبقي في السلطة منذ ذلك الحين، خطة "العثمانية الجديدة"، لتنصبّ على استعادة الإمبراطورية العثمانية التي ألغيت في 1923 بإعلان الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك. 
الكاتبان إيلي كارمون ومايكل باراك أوضحا في مقال لهما بموقع "تيروريزم أناليستس" المختص بتحليل قضايا الإرهاب في العالم، كيفية اتخاذ إردوغان من القضية الفلسطينية مجرد أداة لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية التي يسعى إليها، وتعد ركيزة أساسية في أفكار حزبه، العدالة والتنمية. 
إردوغان لا يولي أهمية كبرى للقضية الفلسطينية، ويصور نفسه على أنه المدافع عن الفلسطينيين والمواقع الإسلامية المقدسة في القدس من فراغ، وإنما تحركه دوافع السلطة، ورغبته في أن يكون حاكمًا وزعيمًا للبلدان الإسلامية، كما يقول الكاتبان.

مواقف متناقضة
لا يعد تعامل إردوغان مع القضية الفلسطينية منسجمًا، ففي حين يزعم في خطاباته الرنانة ومواقفه العنترية تأييد القضية ومعاداة إسرائيل التي تحتل أراضي الفلسطينيين، لا تتوقف تعاملات حكومته التجارية والاستخباراتية مع حكومة الاحتلال بل تزداد عامًا بعد الآخر، بالرغم من محاولاته جعلها تعاملات ذات طابع سري أو خفي. 
الكاتبان قالا إن علاقة إردوغان وحزبه بالقضية الفلسطينية تظهر جلية في التعامل مع حركة المقاومة الإسلامية، حماس، الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين "الإرهابية"، مشيرين إلى التوافق بين أنقرة وحماس في الأهداف الأيديولوجية والاستراتيجية.
الميول الإسلاموية لإردوغان تجعله يعترف بحماس فقط، وينكر السلطة الفلسطينية الشرعية بقيادة الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، أو يتعامل معها على مضض، لأن الحركة وقادتها يصورونه على أنه بطل، وهو الذي يحلم ببناء جيش إسلامي، على النموذج الإيراني، بحسب الموقع.

العثمانيون الجدد 
يعد أحمد داود أوغلو واحدًا من صناع سياسات تركيا الحديثة، والمخطط الأكبر لإحياء فكرة "العثمانية الجديدة". فوزير الخارجية السابق (2009-2014) والمستشار الدولي السابق لإردوغان، يطلق عليه لقب "مهندس السياسة الخارجية التركية الجديدة"، وعبر عن خطة حزب العدالة والتنمية في كتابه (العمق الاستراتيجي).
عقيدة داود أوغلو، التي هي في الأصل عقيدة حزب إردوغان، تدور حول مفهوم "العظمة العثمانية" على أنه متجذر في "فترة الإحياء"، خلال حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في أواخر القرن التاسع عشر. ويعد الشرق الأوسط ركيزة أساسية في هذه العقيدة، فهو يرى أن "تركيا تتحمل مسؤولية التعاون النشط مع الدول الإسلامية في المنطقة، وأنها من خلال التواصل مع العالم الإسلامي، يمكن أن تصبح تركيا قوة عظمى".
في السنوات الأولى من تولي داود أوغلو منصب وزير الخارجية، ركزت تركيا على الشرق الأوسط وسعت إلى التقارب مع إيران والعراق وسورية ودول الخليج، وأقامت علاقات جيدة مع دول بعيدة مثل السودان مستغلة وجود عمر البشير رئيسًا يدعي أنه "إسلامي" ويطبق تعاليم الدين.

سياسة الصفر
سياسات داود أوغلو، التي أطلق عليها "صفر مشاكل مع الجيران"، في تأسيس هيمنة لتركيا كقوة شرق أوسطية في البداية، لكن مع تغير هذه السياسة واتباع نقيضها على أرض الواقع بعد الانتفاضات التي شهدتها الدول العربية منذ عام 2011، باتت تركيا في عداء مع جميع جيرانها تقريبًا، وعدوة بالنسبة لأغلب شعوب المنطقة، إذ جن جنون إردوغان وسعى لتحقيق حلم الخلافة بسرعة، فساعد على إشعال الأوضاع في الدول العربية، وموّل الميليشيات الإرهابية المتطرفة في سورية وليبيا.
العقيدة الثانية لعقيدة داود أوغلو أن تركيا تتمتع بالقوة، ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وأراد تصويرها على أنها حاملة عباءة "حامية المسلمين، من الفلبين والصومال إلى ميانمار والبوسنة"، وأنها قادرة على نقل المسلمين في جميع أنحاء الكرة الأرضية إلى "العالمية".

خلافة إرهابية 
على الرغم من أن تركيا دولة ذات دستور علماني، فقد تولت رئاسة منظمة التعاون الإسلامي في عام 2004 لمدة عشر سنوات. ومع ذلك، بدلاً من كونها عثمانية جديدة بالمعنى "العلماني"، فإن السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية تركز بشكل  كبير على الإسلاميين العرب بشكل خاص، والشرق الأوسط الإسلامي بشكل عام، ولا مانع في سبيل ذلك من تكوين علاقاته مع جماعات إسلامية إرهابية مثل جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة، ثم تنظيم "داعش"، ولاحقًا تأييد جبهات إرهابية مسلحة في سورية وليبيا واليمن تحمل أفكار إردوغان ذاتها، والوهم المسمى بـ"الخلافة الإسلامية". 
حسب الكاتبين كارمون، وباراك، فإن تعامل حزب العدالة والتنمية مع القضية الفلسطينية جاء كجزء من تعامله مع العالم ونظرته إلى أن العالم يتكون من كتل دينية، ما جعله يكثف من الدعاية الخاصة بمعاداة إسرائيل والغرب والولايات المتحدة. 

أخطر من الإخوان
النقاد المقربون من إردوغان ومراكز الفكر والصحف التابعة له روجت لهذه الأفكار، فيما كشف كتاب آخرون عن خطورة حزب العدالة والتنمية، مؤكدين أنه "شكل خفي لحزب إسلامي أكثر خطورة ومكرًا من جماعة الإخوان المسلمين في مصر مثلًا".
الكاتب الصحافي التركي مصطفى أكيول (47 عامًا) يرى أن حزب العدالة والتنمية ليس إسلامياً لأنه لا ينوي تطبيق الشريعة في تركيا، لكنه يشير إلى مصطلحي "الأيديولوجية الإسلامية" أو "القومية الإسلامية" يتبعهما الحزب، مما يعني "تقاربًا عاطفيًا" مع الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم، وافتراض كونهم الطرف الصحيح أو الذي يملك الحقيقة المطلقة في نزاعاتهم مع غير المسلمين. 
أكيول يرى أن إردوغان وأعضاء جماعة الإخوان لا يحمّلون المؤيدين لهم مسؤولية الخطأ الواقع في بلدانهم، لأن ذلك سيعني "إدانة للإسلام نفسه"، وهو ما عبر عنه إردوغان حين رفض انتقاد القمع الوحشي للمعارضة الإيرانية بعد الانتخابات المزورة في يونيو 2009، أو عندما رفض الفظائع التي ارتكبت في دارفور بالتظاهر بأنه "لا يمكن للمسلمين ارتكاب الإبادة الجماعية"، بينما كان في الحقيقة يؤيد داعميه وحلفاءه الراسخين في الديكتاتورية سواء النظام الإيراني أو النظام السوداني بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير. 
كادري غورسيل، الكاتب والمحلل التركي، يرى أن السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية في الشرق الأوسط "مصابة بفيروسات الأيديولوجية الإسلامية والشعبية والعاطفية" وبالتالي لا يمكنها أن تقود سياسة الواقع السياسي.

استقطاب الشيعة
على الرغم من أن "العثمانية الجديدة" تسعى إلى تقديم تركيا كقائد للعالم السني، إلا أن تركيا طورت سياسة خارجية متعددة الأبعاد. فتصريح إردوغان "أنا لست شيعيا ولا سنيًا" الذي أطلقه خلال زيارته للعراق في يوليو 2008، عبر عن ذلك، حيث قال: "أنا مسلم"، وذلك في سبيل دغدغة مشاعر المسلمين السنة والشيعة حول العالم، لا في العراق فقط. 
إلى جانب ذلك، ومن خلال استغلال القضية الفلسطينية، يحاول إردوغان تقديم تركيا للجمهور العربي كقوة رائدة في الشرق الأوسط، واكتساب الشرعية الإسلامية، وبناء بنية تحتية اقتصادية في المنطقة.
في سبتمبر 2014 في نيويورك في مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، أحد مؤسسات الفكر والرأي الرائدة في الولايات المتحدة، تحدث إردوغان قائلاً: "القضية الفلسطينية قضية مهمة لها تأثير ليس فقط على الفلسطينيين، ولكن على كل المسلمين وكل من لديه ضمير في العالم... وفي الحقيقة، تكمن القضية الفلسطينية في قلب العديد من القضايا في المنطقة، والحكومة الإسرائيلية، رغم أنها تعرف هذه الحساسية جيدًا، لم تمتنع عن إضرام النيران في شعبها وشعوب المنطقة".

رمزية القدس
خطب إردوغان عن القضية الفلسطينية تبعد عن الواقع وتأتي مليئة بالخطاب العاطفي الممزوج بالتعبير عن بعض من أطماعه، فالقدس لها رمزية كبيرة لدى المسلمين، وبالتالي لا يمكنه تحقيق حلم الخلافة أو حتى اكتساب قيمة ومكانة لدى الشعوب الإسلامية من دون الظهور بمظهر المدافع عن هذا المكان المقدس.
في سبتمبر 2017، قال في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك: "أدعو المجتمع الدولي إلى دعم إخواننا وأخواتنا الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة في كفاحهم من أجل دولة فلسطينية مستقلة وموحدة جغرافياً".

تصرفات شعبوية
كما يظهر إردوغان دعمه للفلسطينيين من خلال الإيماءات الرمزية، والتي لا تكلفه الكثير،  لكنها تزيد من رصيده لدى دراويشه في تركيا وخارجها، ففي عام 2012، التقى الصبية الفلسطينية عهد التميمي، البالغة من العمر 13 عامًا التي تحدت جيش الاحتلال واشتبكت معه بالأيدي، ودعاها إردوغان إلى تركيا، حيث تلقت جائزة منه "تقديراً لشجاعتها". 
في ديسمبر 2017، استضاف إردوغان صبيًا يبلغ من العمر 14 عامًا مصابًا بمتلازمة داون، تم احتجازه من قبل جنود إسرائيليين في الضفة الغربية. وفي يناير 2018، استضاف مراهقا فلسطينيا أصبح رمزا للمعارضة الفلسطينية ضد قرار الولايات المتحدة بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال.

Qatalah