يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قتل ثلاثة من أشقائه وكاد أن يقتل الرابع والأخير ويقضي على نسل العثمانيين لولا شفاعة والدته، شهوة الدم عند مراد الرابع طالت الجميع فقتل 20 ألفا من سكان القسطنطينية وأعدم 3 من الصدور العظام وشيخ الإسلام وعددا من الشعراء.
وجد في التطرف الديني حليفا ليبقى في السلطة فتحالف مع جماعة قاضي زاده الدينية المتشددة وأصدر فرمانات مدعومة بفتاويهم حرم فيها القهوة والتبغ وأغلق المقاهي واستفاد من ذلك بحرمان الناس من الأماكن التي يتبادلون فيها الآراء حول مساوئ السلطان.

صنيعة الحريم
ولد مراد الرابع عام 1612 والده السلطان أحمد الأول، وأمه هي أشهر سلطانات العثمانلية "ماه بيكر كوسم"، التي مارست نفوذها بصورة غير مسبوقة أو متبوعة داخل الدولة خلال هذه الفترة.
تولى مراد الرابع عشر إسطنبول في وقت عمت فيه الفوضى وتحكم الإنكشارية في البلاد بعد أن عزلوا السلطان عثمان الثاني ورفعوا مصطفى الأول عام 1621 مكانه.
نظام الحكم العثماني قام على قرابة الدم دون اعتبار لمعايير الكفاءة، وجدت عدة قوى تقاسمت السلطة السياسية وهي السلطان والصدر الأعظم ويتبعه الجهاز الإداري والإنكشارية والمؤسسة الدينية.
ثأرت المؤسسة الإدارية بزعامة علي كمنكش باشا الصدر الأعظم بالتحالف مع مؤسسة الحريم بزعامة السلطانة الأم ماه بيكر كوسم من الإنكشارية بعزل السلطان مصطفى الأول بذريعة إخفاقه في ضبط الفوضى واختارت بدلا منه مراد الرابع وكان يبلغ حينها 11 عامًا، ليصبح السلطان السابع عشر لدولة العثمانيين عام 1623. 
تحالف الإداريون مع الحرملك اختار الشاب مراد ليضمنوا الانفراد بالحكم، ازداد الصراع بين أجنحة الدولة خصوصا من الإنكشارية وحكام الأقاليم وثار الشعب الذي ضاق ذرعا بالفساد وتردي المعيشة.
ظل مراد الرابع ألعوبة بيد الحريم لمدة تسع سنوات حتى تمكن عام 1632 من الانقلاب على تحالف الحريم والصدر الأعظم وقضى على سلطة والدته وحلفائها مستغلا الفوضى التي كانت في العاصمة.

ذليل الإنكشارية
لم تنقد الإنكشارية للسلاطين العثمانيين إلا إذا توافقت مصالح الطرفين وكانت ساحات المعارك هي ما يتفقان عليه لأن ذلك يعني للإنكشارية الغنائم والنهب والقتل بلا حدود ونفس الأمر للسلاطين بجانب ضمان استقرار الدولة بإشغال الإنكشارية في القتال.
طبق مراد الرابع هذه السياسة فلما كان عاجزا عن إخضاع الإنكشارية بالقوة سيرهم لقتال شاه إيران الذي احتل بغداد ومناطق أخرى عثمانلية.
فشلت الإنكشارية في تحقيق نصر ضد الشاه فتم استبدال قوادها عدة مرات حتى تعيين خسرو باشا قائدا لهم في حملة العراق، القائد الجديد علم أن بقاءه في منصبه متوقف على رضا الإنكشارية لا السلطان فأطلق لهم العنان في النهب والقتل في الأناضول وحلب وديار بكر فنهبوا أموال رعايا السلطان بعد أن عجزوا عن نهب أموال الشاه.
فشل خسرو باشا في استعادة بغداد فوجدها السلطان فرصة لعزله إلا أن القرار أغضب الإنكشارية فعادوا إلى إسطنبول وحاصروا القصر مطالبين برأس من تسبب في هذا القرار وهم الصدر الأعظم والمفتي والدفتر دار وعدد من الوزراء فرفض السلطان مطلبهم.
هدد الجنود بعزل السلطان فرضخ لهم وقدم رجاله كبش فداء لبقائه على العرش وقتلهم الجنود.

مجاهد من ورق
خلال عهده الذي استمر لمدة 16 عاما لم يسير حملة واحدة على أوروبا حتى حين استولى أسطول مدينة البندقية على الأسطول العثماني عام 1638 لم يقدر على توجيه حملة عسكرية ضدهم واكتفى بقطع العلاقات التجارية معهم فأعادوا له الأسطول مقابل معاهدة تجارية جديدة.
استولت الدولة الصفوية في إيران على بغداد خلال عهده وجاهر بعدوانه خانات القرم المسلمين.
بالغ المؤرخون العثمانيون بشكل كبير في نجاح مراد الرابع في استرداد بغداد من الصفويين وبنوا على ذلك أسطورة السلطان المجاهد الذي أعاد أمجاد الدولة وفات هؤلاء أن الصفويين كفوا أيديهم عن العراق بعدما تنازل لهم السلطان عن أرمينيا الشرقية وأذربيجان وتم توقيع معاهدة شيرين عام 1639 التي أنهت الحرب بين الطرفين ولولا ذلك لسقطت بغداد مرة ثالثة في يد الصفويين بعد رحيل السلطان.
هاجمت قبائل القوزاق أطراف العاصمة ونهبت بعض البلاد، وعصى أباظة باشا والي ديار بكر وخلع نير الطاعة بكر الصوباشي حاكم بغداد وسلم المدينة للصفويين عام 1623.
قرب مراد اليهود في عهده واتخذ منهم موظفين في المناصب المهمة من الدولة وحين استرد بغداد من الصفويين قام بمنحهم أراضي جديدة.

قاتل العرب
في عهد مراد حكم جبل لبنان الأمير العربي فخر الدين معن وبدأ نهضة عربية لإنقاذ البلاد من التخلف الذي فرضه الأتراك عليها.
امتازت سياسة الأمير فخر الدين بالوطنية والتي تجلت بحبه للبنان وتعلقه بأرضه، وتركزت على الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية وتطوير مناطق لبنان.
استلهم نموذج التحديث من أوروبا، وكان سباقاً في هذا الأمر، ووطد سلطانه مع مدن إيطاليا - فجر النهضة الأوروبية - من أجل نقل الحضارة إلى لبنان.
امتلأ قلب الأتراك حقدا على نهضة العرب وقرروا إبادة بذرة النهضة قبل أن تعم البلاد العربية ويفقدون سلطانهم عليها.
وجه مراد السفاح جيشا بقيادة كوشك أحمد باشا هزم قوات الأمير فخر الدين بسبب تفوقه العددي، دمر الأتراك إنجازات فخر الدين وأرسلوه لإسطنبول أسيرا فقتله مراد الرابع واسترق أبناءه.

قاتل إخوته
مراد المصاب بمرض الشك قام بقتل أخيه قاسم عام 1635 قبيل خروجه على رأس الجيش لقتال الصفويين في بغداد وبعدها بثلاث سنوات قتل أخويه بايزيد وسليمان.
لم ينج من القتل سوى أخيه إبراهيم الذي شفعت فيه والدته قوسم ولولا ذلك لكان نسل بني عثمان انقرض إذ لم يخلف مراد وريثا من الذكور فمات أولاده الخمسة في حياته.

جذور الإرهاب
لم يكن لمراد حلفاء أقوياء داخل المؤسسة العسكرية فعمل على إيجاد حليف قوي يساعده في إحكام قبضته الحديدية على السلطنة.
وجد مراد الحليف المناسب في جماعة قاضي زاده السلفية المتطرفة التي تبنت سياسة استخدام العنف في فرض رؤيتها الدينية المتطرفة على المسلمين.
توطدت علاقة مراد بالجماعة التي تزعمها قاضي زاده محمد أفندي عام 1633 وبدأ في فرض تعاليمها المتشددة على المجتمع وبدأ بتحريم شرب القهوة وإغلاق جميع المقاهي وإعدام المدخنين.
وجد السلطان في تعاليم قاضي زاده المتشددة فرصة في تقييد الحراك الاجتماعي الغاضب الذي اتخذ من المقاهي مكانا للتحاور والتجييش ونقد فساد السلطان.

استعباد الفلاحين
الضرائب الزراعية كانت عماد الخزانة العثمانلية خصوصا بعد توقف الغزوات في أوروبا منذ قرن لذلك اهتم مراد بزيادة الضرائب الزراعية.
في عهده كانت مشكلة هروب الفلاحين من أراضيهم ظاهرة شائعة بسبب الضرائب وسوء معاملة الضباط الإقطاعيين من السباهية فقام مراد بإصدار أوامر بجمع الفلاحين وإعادتهم إلى قراهم مرة أخرى بالقوة دون أن يحل المشاكل التي دفعتهم للفرار أول مرة فزادت معاناة الفلاحين في عهده.

حريق القسطنطينية
على عكس المؤرخين المستأجرين للدعاية للعثمانليين كانت حياة السلطان مراد الرابع مليئة بسفك الدماء والانغماس في الملذات وكتب المؤرخ محمد جميل بيهم في كتابه "أوليات سلاطين تركيا المدنية والاجتماعية والسياسية" عنه: "انصرف إلى اللهو والملذات وقضى أيامه بين النساء والمخنثين والمهترين".
عاش مراد الرابع حياة مترفة وسط بحيرة من الشعوب الفقيرة في السلطنة ومن مظاهر البذخ والإسراف أنه صنع معالف خيوله من الفضة الخالصة وكذلك السلاسل. 
امتلك السلطان 800 من أجود خيول الركوب ومثلها لنقل الأمتعة أثناء سفره.
أنفق مراد الرابع أموال الشعب ببذخ على تشييد القصور على شاطئ البوسفور بينما عاش أغلب السكان في بؤس وشقاء، في القسطنطينية نفسها عاش الناس حياة بائسة وفتكت بهم الأمراض والكوارث.
في عهده عام 1633 شب حريق في العاصمة أتى على أربعة أخماس مبانيها وقتل الآلاف من سكانها.
استغل مراد الحريق لصالحه وبدلا من أن يقوم بمساعدة الضحايا وإدخال التحسينات على المدينة لمنع تكرار موجات الحرائق الكبيرة قام بإصدار فرمان بحظر القهوة والتبغ وإغلاق المقاهي والحوانيت وذلك بمعاونة ميليشيا قاضي زاده.
ضيق مراد على غير المسلمين وفرض عليهم ارتداء زي محدد وكثرت أحكام الإعدام بحق كل من يعترض على السلطان أو ينتقد جماعة قاضي زاده ومن ذلك إعدام الشاعر نافع عام 1635.

السلطان الخارق
يحلو لكتاب البلاط العثمانلي وسم السلاطين بجميع الصفات الحسنة ويخلعون عليهم الألقاب المجيدة وينسبون إليهم الأفعال العظيمة فقد كانوا يكتبون سير السلاطين أثناء حياتهم.
يقع في الخطأ من يظل يردد هذه الكتابات على أنها حقائق. وبالنسبة لمراد الرابع فقد كتبوا أنه رمية رمحه أو إطلاقه السهام كانت أسرع وأقوى من رصاص البنادق ونسبوا له صفات خارقة في القوة الجسدية وتأتي هذه الصفات لتكمل الصورة التي يصدرها المؤرخون الأتراك والعثمانيون الجدد عنه كسلطان مجاهد طرد الصفويين من بغداد.
لم ينس المؤرخون إضافة مهارات أخرى للسلطان شملت إتقان اللغة العربية والفارسية بجانب التركية وإجادة الرسم والخط وقرض الشعر والعزف.
إصباغ صفة الجهاد على أعمال مراد الرابع الهدف منها تضليل العرب عن واقع الاحتلال العثمانلي الذي نهب البلاد وسفك الدماء وخرب بغداد ولم يستفد العرب شيئا من طرد الصفويين فما حدث هو استبدال محتل إيراني بأخر تركي.

سفاك الدماء
مراد الرابع كان شكاكا ولم يأمن لأحد من حوله فقتل عددا كبيرا من الوزراء ورجال الدين وعلى رأسهم شيخ الإسلام حسين أفندي.
في عهده تم قتل ثلاثة صدور عظام و9 ممن شغلوا منصب باش دفتردار (وزير المالية) وواحد ممن شغل منصب شيخ الإسلام وهو أخي زاده حسين أفندي الذي أفتى بتحريم القهوة والتبغ وأعدم 20 ألفا من سكان العاصمة بحجة مخالفة أوامر منع القهوة والتبغ.

المصادر :


Qatalah