يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بدأت تركيا الاحتلال الناعم لمناطق الشمال السوري فعليا، وبعيدا عن هجمات المدافع والدبابات، لجأت أنقرة إلى غزو عدد من القرى والمدن السورية بلغتها ومدارسها ومنشآت البنية التحتية تحت غطاء المساعدات الإنسانية، بعد أن حرقتها بنيران المليشيات الإرهابية التي اتبعت سياسة الأرض المحروقة في تلك البلدات تمهيدا للغزو التركي، وهو ما ظهر بوضوح في مدينة أعزاز من خلال الكتب المدرسية ولافتات الطرق وشركات الكهرباء والبريد والصرافة وغيرها من الخدمات.

تتريك أعزاز
رئيس المجلس المحلي للمدينة محمد حمدان كنو،صرح لوكالة الأنباء الفرنسية: كل الدعم الذي نتلقاه تركي، من التعليم إلى الخدمات، فكل شيء يأتينا من الأتراك"، وأوضح أن شركة إيه كاي إينرجي التركية الخاصة للطاقة ستمد المدينة بالكهرباء خلال الفترة المقبلة، مؤكدا أن الشركة ستغذي الأحياء وسوق المدينة الرئيس بالتيار الكهربائي لمدة 20 ساعة يوميا على الأقل، بموجب عقد قيمته 3 ملايين دولار، وأن الشركة اتخذت من مبنى حكومي سابق فرعا لها في المدينة، ومضى يقول: "الأتراك أصلحوا كل المدارس، وقدموا لنا المقاعد الدراسية والكتب، والحقائب والحواسب والطابعات".
وفي بداية لدفع ثمن تلك المساعدات، قرر مجلس أعزاز بداية الموسم الدراسي الحالي إضافة دروس اللغة التركية إلى المنهج الدراسي لتعليم 18 ألف تلميذ في المدينة وريفها، يقول رئيس المجلس: "في السابق تضمنت مناهجنا تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية فقط، لكن في العام الماضي، ونتيحة التقارب مع الأخوة الأتراك، وعقب اجتماع ضم المعلمين والإداريين، قررنا أن نستبدل اللغة الفرنسية باللغة التركية"، ثم استطرد "على اعتبار أن تركيا هي الدولة الراعية للمنطقة، فإن اللغة التركية تضمن بالتأكيد مستقبل الطفل السوري".

خطوط اتصالات تركية
تعد أعزاز منذ العام 2012 واحدة من أهم المدن الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية المسلحة في محافظة حلب. وقد وضعت لافتات تحمل أسماء المدن والقرى مكتوبة باللغتين العربية والتركية على امتداد الطرق، ويعتمد السكان بشكل أساسي على شرائح الهواتف الجوالة التركية، كما تم افتتاح متجر خاص لبيع خطوط شركة تورك تيليكوم للاتصالات. ويقول أحمد حدبة أحد وكلاء الشركة لوكالة الأنباء الفرنسية :"الإقبال على شراء خطوط الهاتف التركية كبير، خاصة في ظل ضعف التغطية عبر الشبكات السورية، حيث تم إضافة عدد من أبراج الاتصالات في مدن الباب وأعزاز وجرابلس ضاعفت جودة التغطية، ووفرت خدمة إنترنت سريعة".
وتنتشر في سوق أعزاز محال تجارية لبيع البضائع التركية وحدها تقريبا، ويحصل بعض السكان على البضائع عبر المديرية العامة للبريد التركية الرسمية التي فتحت مكتبا لها في المدينة، ويعمل فيه موظفون أتراك وسوريون، ولايسمح إلا باستخدام الليرة التركية فقط.

بداية الدور المشبوه
منذ بدء الاضطرابات في سورية عام 2011، عملت تركيا على مفاقمة الوضع ودعم المعارضة والفصائل المسلحة على حد سواء، وتطور الدور التركي المشبوه حتى شنت أنقرة حملة عسكرية في 2016 ضد المقاتلين الأكراد في شمال سورية، لمساعدة داعش وبقية التنظيمات الإرهابية على احتكار الأرض، حيث سيطرت القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها حينها على مدن حدودية أبرزها جرابلس والباب والراعي.
وفي العام الجاري تدخلت أنقرة عسكريا مرة أخرى في عفرين ذات الغالبية الكردية شمال غرب حلب، وبات النفوذ التركي يمتد من جرابلس في أقصى ريف حلب الشمالي الشرقي مرورا بمدينة أعزاز شمال حلب وصولا إلى عفرين، إذ تنتشر في هذه المنطقة كالجراد قوات عسكرية واستخباراتية تركية، كما تنشط فيها شرطة محلية مدعومة ومدربة من تركيا.

إردوغان يبتلع الشمال
تعد سياسة افتتاح المدارس والجامعات ونشر اللغة التركية جزءا من مخطط يستهدف فرض أمر واقع جديد ربما يمكّن أنقرة فيما بعد من ضم الشمال السوري تماما إليها. على سبيل المثال، قالت جامعة حران التركية في وقت سابق إنها تضع اللمسات النهائية لفتح فرع لها في منطقة الباب، لخدمة الطلاب ونشر الثقافة التركية، وأكدت وكالة الأناضول أن التدريس بالجامعة سيكون باللغة التركية، كما وافقت حكومة حزب العدالة والتنمية على افتتاح مدرسة ثانوية للتعليم المهني في جرابلس السورية تتبع جامعة غازي عنتاب.
العلم التركي يشير بوضوح إلى احتلال كل المؤسسات والمباني الرسمية قسرا، وتعلق صور إردوغان وأتاتورك على الجدران، وجرى استبدال لغة اللافتات من العربية إلى التركية، وبدت ملامح خطة طمس هوية وثقافة المدن والبلدات السورية التي يسيطر عليها جيش رجب، والتي تجلت في افتتاح تركيا جامعة وأفرعا للبنوك والبريد، فضلا عن تركيب أبراج للشبكات التركية الخلوية، فضلا عن احتكار الإشراف على دور القضاء والمحاكم.

فرض الليرة التركية
أمر آخر يعكس محاولات إردوغان ابتلاع الشمال السوري بعد صبغه بالتركية، حيث عمدت أنقرة إلى دفع رواتب الموظفين والمرتزقة التابعين لها بعملتها المحلية، ما دفع أهالي المنطقة لاستبدال الليرة السورية بنظيرتها التركية، كما يتسلم معظم أهالي الشمال (الأطباء والمدرسين والموظفين في المجالس المحلية) رواتبهم بليرة إردوغان الذي فرض شرطا على منظمات المجتمع المدني والجهات المانحة يقضي بإجبارهم على تحويل الدولار إلى الليرة للسماح بمرورها إلى المنكوبين والمحتاجين.

التهجير القسري بسلاح "الحمزة"
من أشكال التغيير السكاني والثقافي لمدن الشمال السوري ما تقوم به ميليشيا فرقة الحمزة، وما يسمى الجيش السوري الحر من تهجير السكان الأكراد إلى مناطق شرق الفرات (حيث النفوذ الأميركي الكردي). كما أمرت أنقرة الإرهابيين الذين يعملون تحت إمرتها بمحو التراث الكردي من عفرين، عبر استهداف المعابد الأشورية، والعمل على إعادة تسكين السوريين اللاجئين لديها في المدينة لتستكمل بذلك مخطط توطين طائفة السنة من الشمال حتى المنتصف.

Qatalah