يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"عزيزي اللورد روتشيلد.. يسرني إبلاغكم بأن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، وسأكون ممتنًّا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علمًا بهذا التصريح. المخلص آرثر بلفور"، بهذه الكلمات تعهدت بريطانيا بتأسيس دولة إسرائيل، لتستكمل لندن المسيرة التي بدأها العثمانيون مع آل روتشيلد أحد زعماء الصهيونية العالمية. 

موجات الهجرة والاستيطان اليهودية توقفت في مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، بسبب قلة التمويل، حتى تلفت المزارع اليهودية، وانتشرت المستنقعات فيها، وقل عدد المستوطنين، وعانى أغلبهم البطالة والفقر، إلى حد دفع بعضهم إلى التسول من أهالي فلسطين، وبدأت أعداد كبيرة منهم بالعودة إلى الديار التي أتوا منها.

الجمعيات الصهيونية سارعت بدراسة أسباب تراجع حركة الاستيطان، والمشكلات التي عانت منها المستوطنات وسكانها، ثم قررت طلب المساعدة من الجمعيات اليهودية، والأثرياء اليهود بالخارج، ومنهم آل روتشيلد.

مطالب الجمعيات الصهيونية من أثرياء اليهود كانت تتمثل في لعب دور تاريخي في إنقاذ إخوانهم المهاجرين بفلسطين، والتوسط لدى إسطنبول لمنح اليهود امتيازات اقتصادية، بالإضافة لتمويل تيارات الهجرة اليهودية إلى الأراضي المقدسة، وبناء المزيد من المستوطنات.

البارون إدموند جيمس دي روتشيلد (1845 - 1934) هو الابن الثالث لجيمس يعقوب دي روتشيلد، ومؤسس الفرع الفرنسي لعائلة روتشيلد، والذي لقبه اليهود بـ"السخي المشهور"، و"أبو اليشو" أي أبو الاستيطان اليهودي، و"أبو السكان اليهود"، تقديرا للدور الذي قام به في رعاية اليهود حول العالم، وأصبح هو المسؤول عن إدارة عملية التوطين الاستعماري نيابة عن العائلة وممثلا لليهود.

تبنى الثري اليهودي "إدموند دي روتشيلد" مشروع الدولة اليهودية على أرض فلسطين، وكان واحدًا من كبار الداعمين للحركة الصهيونية منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين، والمساهم الأكبر في المشاريع الاستيطانية اليهودية في فلسطين، إذ أنفق 1.6 مليون جنيه إسترليني على المستوطنين اليهود خلال الفترة بين 1883 و1899.

مستوطنات روتشيلد
تحفز إدموند جيمس دي روتشيلد لمشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين بعد نجاح بريطانيا في عقد صفقة بيع مصر عام 1882، خاصة أن روتشيلد كان على علاقة جيدة مع السلطان عبد الحميد الثاني، إذ قام بنك روتشيلد في لندن بتقديم عدة قروض لخزانة الدولة العثمانية الخاوية، مما أثر بدوره في سياسة السلطان تجاه مشروعات الاستيطان التي ينظمها روتشيلد، وخلال 10 أعوام نجح في تأسيس 20 مستعمرة كبيرة، و15 حيا سكنيا يهوديا.

روتشيلد نظم أول هجرة جماعية يهودية إلى فلسطين في عام 1882، وأقام مستعمرة "زخرون يعقوب" في عام 1882، وقد سميت بهذا الاسم تخليدا لذكرى والده "جيمس يعقوب دي روتشيلد"، على قطعة أرض مساحتها 6 آلاف دونم على أراضي القرية العربية "زمارين" على جبل الكرمل جنوب حيفا، وكانت تزرع عنبا ليصدر إلى معامل الخمور في فرنسا.

إدموند دي روتشيلد تواصل بصورة مباشرة مع السلطان عبد الحميد الثاني، وحصل منه على إذن بشراء أرض في فلسطين أواخر العام 1883 لإقامة مستوطنة صهيونية زراعية نموذجية لحسابه الخاص، وأطلق عليها اسم والدته "بيتي سالومون روتشيلد"، كما أسس عدة صناعات للمستوطنين الصهاينة مثل صناعة الزجاج وزيت الزيتون، وعددا من المطاحن في حيفا، وملاحات في عتليت. 

البارون روتشيلد رأى أن تأسيس مستعمرات صغيرة لن يؤدي إلى تحقيق الحلم الصهيوني في القريب العاجل، خاصة أن الفرصة باتت سانحة أمام آلاف المهاجرين، بعد أن رحب السلطان عبد الحميد الثاني بالمهاجرين اليهود، ومطالبته بإنشاء مزيد من المستوطنات في مقابل فرض الضرائب على الأراضي والمهاجرين. 

"بيكا" جمعية يهود الأرض
إدموند جيمس دي روتشيلد أسس "الجمعية اليهودية للاستعمار" في فلسطين تحت اسم "بيكا - PICA" عام 1883، وكانت تهدف إلى خلق طبقة من الفلاحين اليهود قادرة على الارتباط بالأرض، عن طريق تمليكها الأراضي الزراعية بالمجان، أو بأسعار رمزية للغاية، وقدم البارون روتشيلد منحا مالية سخية لجمعية بيكا، حتى بلغ مجموع ما صرفه نحو 1.5 مليون جنيه إسترليني حتى عام 1918.

وفي أحد الحوارات الصحافية مع إدموند دي روتشيلد صرح بأن هدفه من تمويل جمعية بيكا هو "أن نعمل بأيدينا كل الأشياء التي تصنع الحياة، وأن نعمل بأيدينا تماما كل الأعمال والحرف اليدوية من أدقها وأسهلها وأنظفها، وحتى أصعبها وأقذرها، وأن نشعر كما يشعر الذي يقوم بكل تلك الأعمال، وأن نفكر كما يفكر، وأن نعيش كما يعيش هو، ولكن بطريقتنا نحن، حينئذ سيكون لدينا مجتمع، وتكون لنا حياة".

جمعية بيكا اشترت ما يزيد على 450 ألف دونم من الأراضي الزراعية الخصبة في القدس وطبريا وصفد والخليل بفضل تمويل روتشيلد، وعملت على إنشاء شركات رهن عقاري، وجمعيات تسويق زراعي، كما قامت بتجفيف المستنقعات، وتحسين أساليب الزراعة، وإقامة مشروعات للري.

روتشيلد شجع المهاجرين اليهود على شراء أراضٍ زراعية من جمعية بيكا، ومنحهم عدة تسهيلات ائتمانية، أهمها تقسيط ثمن الأرض على 50 عاما، تبدأ من تاريخ استصلاحها، مع تقديم قروض بفائدة 1% لتمويل بناء منزل وحظيرة لحيوانات الحقل وشراء المعدات الزراعية، ويتضح أن البيع بتلك الصورة يعد شبه منحة أو هبة مقدمة من آل روتشيلد لدعم المستوطنين في نشاطهم الاستيطاني.

"ايكا" شركة لاستيراد البشر
البارون إدموند جيمس دي روتشيلد اشترك مع اليهودي الألماني البارون "موريس هيرش" في تأسيس "الشركة اليهودية الكولونيالية" والتي عرفت باسم "ايكا - ICA" في عام 1891، برأسمال قدره 8 ملايين جنيه إسترليني، للعمل على مساعدة اليهود على الهجرة إلى فلسطين، والاستقرار في أعمال منتجة، وقامت بتقديم المساعدات للمستوطنات على شكل قروض بدلاً من المنح، ونقلت إدارة شؤون المزارع، ومعامل النبيذ إلى المستوطنين.

الشركة اليهودية الكولونيالية ركزت أعمالها في مجال شراء الأراضي من السكان العرب، ثم توزيعها على المستوطنين بنظام التأجير طويل الأمد، وقامت عام 1891 بشراء 80 ألف دونم من أراضي الجولان، واشترت 70 ألف دونم من أراضي الجليل عام 1904.

روتشيلد ضمن تقديم الأدوات الزراعية للمستوطنين مجانا، وشجع على زراعة المحاصيل النقدية، مثل القمح، والشعير، والذرة، والعدس، والفاصوليا، كما شجع استخدام المحركات التي تدار بالوقود بدلا من إرهاق حيوانات الحقل، كما اهتم بتربية الدواجن، والماشية، وإنتاج اللحوم، والحليب، والعسل.

دولة روتشيلد
الحقول الزراعية التابعة لروتشيلد كانت في البداية استنساخا للنموذج الزراعي في جنوب فرنسا، فحاول زراعة اللوزيات وكروم والعنب، لتستخدم للتجارة والصناعة، ولا تكون قائمة على أساس الاستهلاك المحلي، لذلك أرسل خبراء زراعيين يهودا من فرنسا وبريطانيا، ليقوموا بتعليم المستوطنين زراعة العنب، وزرع ألف دونم بشجر التوت في عام 1890، وأقام في الجليل مصنعا لجمع الحرير. 

إدموند جيمس دي روتشيلد نجح في شراء 350 ألف دونم خلال الفترة ما بين عامي 1886 و1890، وتم توطين 40 ألف يهودي في عدد من المستعمرات اليهودية، جاء معظمهم من روسيا ورومانيا، وكان أغلب اليهود المهاجرين من الشباب المفلسين المغامرين الذين جندتهم الصهيونية والأجهزة الاستعمارية.

عام 1895 أعلنت الدولة العثمانية عن نيتها لبيع مناطق الخضيرة، ومتولا، في مزاد علني لعجز أهلها عن دفع الضرائب، وقدم إدموند جيمس دي روتشيلد أعلى سعر لشرائهما، فأعلن الأهالي رفضهم لقرار البيع، فقامت القوات العثمانية بطرد السكان العرب من أراضيهم بعد أن أعطتهم تعويضات رمزية، وبعد أن حصل روتشيلد على عقد شراء تلك القرى قام بتهجير أكثر من 3 آلاف يهودي إليها.

روتشيلد وهرتزل
ثيودور هرتزل اجتمع بالبارون جيمس دي روتشيلد في 10 يونيو 1902، وأفصح هرتزل عن مشروع إنشاء "الشركة الشرقية اليهودية ليمتد"، والتي تقوم ببناء المستوطنات اليهودية في فلسطين، واستطاع هرتزل إقناع روتشيلد بإسقاط الديون العثمانية ببنوك آل روتشيلد، بالإضافة إلى تمويل الخزانة السلطانية الخاوية بمبلغ 20 مليون جنيه إسترليني في صورة منح لا ترد.

وفي أكتوبر 1902 تقدم روتشيلد باسم الجمعيات الاستيطانية اليهودية والحركة الصهيونية العالمية بعرض مغرٍ للسلطان عبد الحميد الثاني، يتعهد بموجبة أثرياء اليهود بوفاء جميع ديون الدولة العثمانية وبناء أسطول لحمايتها، وتقديم قرض بـ35 مليون ليرة ذهبية لخزانة الدولة العثمانية المنهكة، في مقابل إصدار فرمان من السلطان عبد الحميد بتدشين الدولة اليهودية في فلسطين.

شهدت لندن اجتماعا آخر بين هرتزل والبارون روتشيلد في 12 يناير 1903، والذي أسفر عن اتفاق الطرفين بشأن دفع مبلغ 3 ملايين جنيه إسترليني من "جمعية الاستعمار اليهودية" التابعة للشركة اليهودية الشرقية المملوكة لروتشيلد لصالح مشروعات الاستيطان اليهودي في فلسطين، واتفقوا على استمرار المباحثات مع عبد الحميد بشأن فرمان تأسيس الدولة اليهودية وعاصمتها القدس.

رجال المال اليهود "آل روتشيلد وآل هيرش" اشترطوا على هرتزل الحصول على الفرمان السلطاني أولا، قبل تقديم أي دعم مالي لخزانة السلطنة، وفي المقابل اشترط السلطان عبد الحميد تقديم المنح المالية أولا، وقبل إصدار فرمان التنازل عن فلسطين.

ولما كان اعتماد عبد الحميد الرئيس منصبا على استخدام صلات هرتزل بأصحاب البنوك اليهودية للحصول على قروض أكبر قدر من القروض في مقابل السماح ببناء المستوطنات، أما إذا صدر الفرمان فسوف تتوقف المنح اليهودية، لذلك فقد تأخر إصدار الفرمان الحميدي، وهو ما يفسر استمرار عبد الحميد في إجراء المفاوضات مع هرتزل وروتشيلد، وموقفه اللامبالي من العرائض والشكاوى للصحف العربية عن مخاطر الصهيونية. 

وحتى يفلت عبد الحميد من الغضبة الشعبية عرض على هرتزل أن يتولى مستثمر يهودي تمويل خزانته الخاوية ويقيم في إسطنبول، مؤكدا أنه سيوفر له مركزا رسميا في البلاد، ويمنحه امتيازات تفوق نظيرتها الممنوحة للدول الأوروبية، فاستغل هرتزل انبطاح عبد الحميد، وعرض على المليونير اليهودي إدموند جيمس دي روتشيلد تمويل الصفقة، في مقابل تعيينه أول رئيس للدولة الإسرائيلية المنتظرة.

كاظم بك والي القدس ساعد جمعيات الاستيطان التابعة لروتشيلد في شراء أكثر من 350 ألف دونم في فلسطين خلال عام 1903، بعد أن اتفق معها على عمولة قدرها نصف ليرة عثمانية على كل دونم يتم شراؤه، وحصل الوالي العثماني على أكثر من 175 ألف ليرة كرشوة أو عمولة من صفقات بيع الأراضي الفلسطينية إلى مؤسسات روتشيلد الصهيونية.

الوالي رغم أن السلطان عبد الحميد لم يقدم أي تعهد رسمي مباشر بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، إلا أن تأييده وتشجيعه قد مكن اليهود من تحقيق أهدافهم، فقد نجحت إغراءات هرتزل وروتشيلد في تشجيع السلطان على إصدار فرمانات جزئية لصالح اليهود مثل سماحه لهم بشراء أقسام من فلسطين، وإنشاء العشرات من المستوطنات، وهي المستعمرات التي شكلت النواة الأولى للدولة اليهودية في فلسطين.

روتشيلد يفوز بوعد بلفور
إدموند جيمس دي روتشيلد وصف جهوده في دعم المستوطنات والمهاجرين الصهاينة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى قائلا : "بدوني ما كان للصهاينة أن يتحركوا خطوة واحدة، ولكن جهودي كانت ستتوقف عند نقطة بدون الصهاينة"، وهكذا اتضحت التكاملية في جهود روتشيلد والصهاينة في خدمة الهجرة والاستيطان.

اللورد ليونيل روتشيلد استكمل مسيرة أخيه إدموند دي روتشيلد من أجل تأسيس دولة إسرائيل، وكان ليونيل روتشيلد هو المسؤول عن تأسيس فرع آل روتشيلد في بريطانيا، وزعيم الطائفة اليهودية في لندن، ونجح ليونيل في إقناع الحكومة البريطانية في إصدار وعد بلفور.

إصدار وعد بلفور توج المخطط الصهيوني الذي بدأه مائير روتشيلد جد ليونيل روتشيلد وإدموند دي روتشيلد، إذ جمع مائير روتشيلد 12 من كبار المرابين اليهود في ألمانيا ليصيغ معهم بروتوكولات حكماء صهيون، والتي اجتمع حولها زعماء الصهيونية من ثيودور هرتزل إلى حاييم وايزمان.

اللورد آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني أرسل خطابا بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى ليونيل روتشيلد ممثل آل روتشيلد في بريطانيا يتعهد فيه بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، كان نصه:

"عزيزي اللورد روتشيلد .. يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته، إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوما بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى، وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علما بهذا التصريح، المخلص آرثر بلفور".

Qatalah