يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


31 أكتوبر 2018 أفكار ابن خلدون عن انهيار الدول تنطبق على تركيا الحديثة

في عام 1981، أشار الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان في كلمة له إلى كتابات العالم الإسلامي ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر ولا تزال أعماله تتردد صداها حتى اليوم، لا سيما بالنسبة لتركيا المعاصرة. استخدم ريغان أفكار ابن خلدون كمصدر إلهام للسياسات الاقتصادية الأميركية.
ما أشار إليه ريغان هو كتاب لابن خلدون عن قيام الإمبراطوريات وسقوطها. وقال: "من المعروف أنه في بداية الإمبراطوريات، تدر الضرائب عوائد كبيرة من معدلات ضريبية صغيرة. وفي نهاية الإمبراطوريات، تدر الضرائب عائدات صغيرة من معدلات كبيرة".
يعتبر ابن خلدون (1332-1406) مؤسس علم الاجتماع والتأريخ الحديث، وتأثر به كثير من المفكرين على مر التاريخ مثل الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل، كما تأثر به كارل ماركس إلى حد ما. من أهم أعمال ابن خلدون كتاب يحمل اسم "المقدمة"، والذي يبحث فيه قيام الدولة وسقوطها، و"العصبية" التي عرفها بأنها الوعي بالهوية. قدم هذا العمل المهم أيضا بعض الوصفات التي استخدمت في الحيلولة دون انهيار الإمبراطورية العثمانية، كما كان مرجعا لرجل الدولة والعالم العثماني البارز أحمد جودت باشا (1822-1895).
ووفقا لابن خلدون، هناك خمس مراحل في عمر الدول – المرحلة الأخيرة منها تفضي إلى انهيار الدولة. فبينما تتسم الفترة الأولى بالنصر والتأسيس، تشتهر المرحلة الأخيرة بالانغماس في الشهوات والملذات وإشباع الرغبات. في إطار ذلك، قال ابن خلدون إن تدهور الدولة يبدأ في مؤسستين: المؤسسة العسكرية والجيش (التي تمثل العصبية) والأموال والممتلكات (التي تمثل الرعاية الاجتماعية) فالضغط والاستبداد يفسدان الجيش، والترف والبذخ يفسدان الرعاية الاجتماعية.
يقول ابن خلدون إن حكم الفرد الواحد في الدولة لا يشير إلى هِرَم الدولة فحسب، بل كذلك يستهلك وسائل التبرع والرعاية الاجتماعية. في مثل تلك الأوقات، يزيد البذخ ولا تكفي الرواتب، وتعاني خزائن الدولة من عجز ولا يتسنى تغطية نفقاتها. وبهذه الطريقة، ومن خلال تخفيضات في الإنفاق العسكري، تتجلى مظاهر الضعف في النواحي الدفاعية للدولة وتصير غير قادرة على تغطية تكاليفها. ولتقليص العجز، تفرض الدولة ضرائب جديدة تعسفية وتزيد معدلات الضرائب القائمة. ولا تنخفض تكاليف حياة البذخ والترف، بل تواصل الارتفاع. ويستمر هذا الوضع حتى تنهار الدولة.
وعلى الرغم من أن المبادئ المذكورة أعلاه قد طرحها ابن خلدون منذ قرون من الزمان، إلا أنها كانت تنطبق على زمن الإمبراطورية العثمانية، بل وتظل ملائمة اليوم أيضا. وقد بدأ المفكرون العثمانيون مثل العالم كاتب شلبي والمؤرخ مصطفى نعيمة في استخدام أفكار ابن خلدون إبان ركود الإمبراطورية في القرن السابع عشر.
غير أنه تم حظر مقدمة ابن خلدون في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909). ومن الواضح أن السلطان عبد الحميد الثاني المعروف بحكمه بالقبضة الحديدية في فترة الانحدار قد حظر الكتاب لأنه انتقد ممارساته قبل قدومه بخمسة قرون من الزمان.
ففي الواقع، كانت مظاهر البذخ والترف والفساد الموصوفة في الكتاب تعكس ما كان يجري في ذلك الوقت. لقد كانت فترة يعيش فيها الناس في فقر وبؤس، وحتى عندما كانت الدولة تفقد جزءا من أراضيها كل يوم، لم يحد السلطان ورجال الدولة من البذخ والأبهة. فعلى سبيل المثال، عاد السلطان - الذي لم يفكر فيما إن كانت القصور القائمة مناسبة لاحتياجاته - إلى اقتراض الأموال من الخارج لتشييد المزيد من القصور والأجنحة. وقد شرح المفكر والشاعر العثماني توفيق فكرت ما كان يحدث في ذلك الوقت في قصيدة تعرف باسم "عيد النهب".
كلوا أيها السادة، فهذه الوليمة الشهية وليمتكم
حتى تشعروا بالشبع والغثيان، كلوا حتى تنفجروا..
التاريخ يدور في حلقات. بمعنى آخر، التاريخ غالبا ما يعيد نفسه، وأعتقد أن هذا هو السبب في أن أعمال ابن خلدون تظل مناسبة جدا لكل العصور حتى الآن.
وها نحن اليوم أشبه بشهود أو مؤرخين لانهيار جديد، لكنه انهيار تكرر عدة مرات على مر التاريخ. كل شيء كما هو في تركيا الحديثة – القصر كما هو، والترف القاتل للرعاية الاجتماعية، والاستبداد الذي يضعف الجيش، والضريبة المتزايدة وغير المناسبة، كلها كما هي. نفس الغطرسة واللامبالاة. وصدق الشاعر حينما قال: "المنزل يحترق، والوليمة في الطابق العلوي".
لا أعرف ما الذي أصف به ذلك وكيف أوصفه. إذا أشرت إلى عصائر فاكهة التنين (البتايا) التي قدمت إلى الضيوف في مناسبة أقيمت في الآونة الأخيرة بالقصور الرئاسية للرئيس التركي رجب طيب إردوغان في وقت تشهد فيه البلاد أزمة اقتصادية، لكانت هناك دعوى قضائية يرفعها الناس المستاؤون الذين لم أذكر لهم أن الشاي الأبيض الذي احتساه البعض هناك تبلغ تكلفته 700 دولار للكيلوجرام. إذا قلت إنه أسطول من المركبات، فإنني بذلك أتجاهل ذكر الطائرات البالغة قيمتها 500 مليون دولار التي استخدمتها الحكومة. وإذا تحدثت عن القصر الرئاسي لإردوغان الذي يضم ألف غرفة، لربما فاتني ذكر قصر الرئيس الصيفي المكون من 300 غرفة والذي تطلب إزالة 50 ألف شجرة في محافظة موغلا في جنوب شرق تركيا.
دعونا نستمع لكلمات الكاتب العظيم توفيق فكرت في قصيدته "عيد النهب":
كلوا أيها السادة، فهذه الوليمة الشهية وليمتكم
حتى تشعروا بالشبع والغثيان، كلوا حتى تنفجروا
هذا الحصاد سينتهي، فلتأخذوا معكم كل ما تستطيعون
غدا قد ترون كل المواقد التي تطقطق وهي تزول
بطون اليوم قوية، وحساء اليوم دافئ
اقضموا والتهموا واملؤوا الأطباق
كلوا أيها السادة، فهذه الوليمة الشهية وليمتكم
حتى تشعروا بالشبع والغثيان، كلوا حتى تنفجروا.

Qatalah