يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


11 يونيو 2019 أفول الحقبة الإردوغانية في السياسة التركية

أضحى المشهد السياسي التركي أكثر غموضاً وتعقيداً، على خلفية قرار الهيئة العليا للانتخابات التركية، بموافقة سبعة أعضاء مقابل اعتراض أربعة، قبول الطلب الذي قدمه "حزب العدالة والتنمية" لإعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في 23 حزيران (يونيو) الجاري. واستند القرار على اعتبارات عدة، أبرزها: تقلص الفارق بين مرشح "تحالف الأمة" الفائز أكرم إمام أوغلو ومرشح "تحالف الشعب" الخاسر بن علي يلدريم إلى 14 ألف صوت فقط بعد الاستجابة لطلب سابق لحزب "العدالة والتنمية" في شأن إعادة الفرز الجزئي، علاوة على تشكيل أعضاء لجان انتخابية من غير الموظفين العامين، في انتهاك صارخ لقوانين الانتخابات، فضلاً عن حدوث تزوير في بعض المناطق عبر تصويت آلاف الناخبين غير المقيمين في إسطنبول في لجان داخل المدينة، إضافة إلى تشكيك رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في نزاهتها.

وبدوره، رأى إردوغان في هذا القرار انتصاراً لحزبه، ومن ثم راهن على أن يفضي إلى استعادة "حزب العدالة" المدينة الحيوية، وتجنب عواصف السقوط السياسي. فعلاوة على كونها المدينة الأكبر والعاصمة الاقتصادية والتاريخية لتركيا، شكلت خسارة إسطنبول مؤشرا على بداية "شيخوخة" "العدالة" ونخبته. وانطلاقا من مقولته بأن من يخسر إسطنبول يخسر كل تركيا، يخشى إردوغان المسكون بالخوف من بروز بديل يمكن أن يطيح به ويقضي على أحلامه في الاستئثار بالسلطة، ومن أن يفضي فوز أكرم أوغلو ببلدية إسطنبول، إلى إعادة إنتاج تجربته (إردوغان) السابقة، بحيث تكون رئاسة بلدية إسطنبول منصة للمعارض الشاب يقفز منها إلى رئاسة "حزب الشعب" والدولة التركية ككل، مثلما فعل إردوغان من قبل، خاصة أن أوغلو درس الإدارة، واحترف كرة القدم، ويحكم إسطنبول شاباً، ثم ها هو يتجه لرئاسة حزبه توطئة لرئاسة البلاد.

وبينما استشعرت قيادات في "العدالة والتنمية" في إعادة انتخابات رئاسة إسطنبول خصماً من رصيد الحزب وحكومته، وبعدما اعتبرت المعارضة قرار هيئة الانتخابات المخيب للآمال والمقوض للديمقراطية بمثابة خيانة لإرادة الناخبين، متهمة إياها بالخضوع لسلطة إردوغان، شرع أكرم إمام أوغلو، الذي تسلّم رئاسة بلدية اسطنبول في 17 نيسان (أبريل) الماضي بعد أعمال مراجعة وفحص وتدقيق وإعادة فرز في أنحاء المدينة الشاسعة بموجب طعون قدمها الحزب الحاكم، في التحضير للجولة الانتخابية المقبلة عبر عقد محادثات مع قيادات "تحالف الأمة"، وسط تعهد أحزاب المعارضة، بشتى أطيافها، بالاصطفاف خلفه. وقدّم حزب "الشعب الجمهوري"، طلباً رسمياً إلى اللجنة العليا للانتخابات لإلغاء نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت في عموم إسطنبول يوم 31 آذار (مارس) الماضي، على اعتبار أن وجود مخالفات قانونية في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، ينسحب على انتخابات الأقضية وأعضاء مجالس الأحياء، ونظراً لكون البطاقات الانتخابية كافة توضع في ظرف واحد قبل أن تلقى في الصندوق الانتخابي. كما طلب الحزب إلغاء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة التي أجريت في 24 حزيران (يونيو) الماضي، استناداً إلى أن المسؤولين عن الصناديق في الانتخابات المحلية، والذين يزعم إردوغان عدم أحقيتهم القيام بهذا العمل، هم أنفسهم الذين أشرفوا على الصناديق في الانتخابات البرلمانية والرئاسية العام الماضي.

ورغم رفض اللجنة العليا للانتخابات طلب حزب "الشعب الجمهوري" إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول بشكل كامل، أو الانتخابات البرلمانية والرئاسية، خصوصاً بعد رفضها طلباً مماثلاً قدمه حزب "الجيد" بقيادة ميرال أكشنار، فإن مجرد التشكيك في نزاهة الاستحقاقين البرلماني والرئاسي الأخيرين، من شأنه أن يضعف الثقة الهشة في التجربة الديمقراطية التركية المرتبكة، كما يقوض شرعية رئاسة إردوغان وحكومة حزب "العدالة والتنمية". ومن شأن وجود احتمال، ولو ضئيل، بالاستجابة لمطلب إعادة الانتخابات البرلمانية والرئاسية، أن يجهز على آمال إردوغان وحزبه في مواصلة الاستئثار بالحكم، لاسيما أن الأسباب التي دفعت الناخبين لحرمان حزب الرئيس من حصد الأغلبية البرلمانية التي تخوله تشكيل الحكومة منفرداً خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فيما منحت نظيرتها الرئاسية إردوغان فوزاً صعباً بالرئاسة بنسبة 51 في المئة فقط، ما برحت قائمة على نحو ينذر بإمكان إطاحة إردوغان وحزبه من السلطة، إذا ما واصلت المعارضة تفاهماتها وتمكّنت من توفير البديل المناسب.

وضع قرار إعادة انتخابات بلدية إسطنبول إردوغان وحزبه في مأزق صعب، فعلاوة على مفاقمة منسوب التوتر المتنامي في العلاقات بين أنقرة وكل من واشنطن وبروكسيل، من شأن فوز بن علي يلدريم في انتخابات 23 الجاري برئاسة بلدية إسطنبول، أن يستحث المعارضة والمجتمع الدولي على التشكيك في نزاهة الانتخابات. أما إذا خسر يلدريم للمرة الثانية أمام مرشح "تحالف الأمة" المعارض الشاب الطموح أكرم إمام أوغلو، وهو الاحتمال الأرجح، فستكون ضربة سياسية قاصمة لإردوغان و"العدالة والتنمية"، إذ ستكون الهزيمة الثالثة لرئيس الوزراء ورئيس البرلمان السابق في الانتخابات البلدية، إذ كانت الأولى في انتخابات العام 2014 في بلدية إزمير، على يد عزيز كوكا أوغلو، الذي كان يترأسها منذ العام 2004.

لا تزال الأزمة الاقتصادية، التي نجحت المعارضة في استثمار تعاظمها منذ آب (أغسطس) 2018 لسحب البساط من تحت أقدام حزب "العدالة والتنمية" و"تحالف الشعب" قائمة، خصوصاً بعدما وصل معدل التضخم إلى نحو 20 في المئة، وارتفعت نسبة البطالة إلى ما يقرب من 13 في المئة، وفقدت الليرة التركية أكثر من 30 في المئة من قيمتها إثر فشل السياسات النقدية، وإصرار إردوغان على التدخل الأهوج في سياسات البنك المركزي. وجاء قرار إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول ليفاقم هذا التأزم، إذ تراجعت الليرة التركية بما يفوق ثلاثة في المئة في أدنى مستوى لها خلال سبعة أشهر، وتجاوز سعر صرف الدولار ست ليرات إثر تصاعد مخاوف المستثمرين من حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد. ولما كان إردوغان يعتمد بالأساس في الطفرة الاقتصادية التي حققها كما في تجاوز محنته الاقتصادية الراهنة على الاستثمارات الأجنبية، التي تولي اهتماماً بالغاً لسيادة القانون والاستقرار السياسي في البلد الذي تعمل فيه، إلا أن الجدل حول إعادة الانتخابات، ألقى بظلال من الغيوم على المشهد الاقتصادي المرتبك أصلاً.

وما برح سوء أداء مسؤولي حزب "العدالة والتنمية" في البلديات يشكل دافعاً مهماً للتصويت الاحتجاجي ضد مرشحيه في أي انتخابات مزمعة، فعلاوة على تدهور مستوى أداء هؤلاء المسؤولين ومسؤولي "تحالف الشعب" على مستوى المحليات، فضلا عن تسليط مرشح "تحالف الأمة" الفائز برئاسة بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو خلال الأيام التي باشر فيها عمله كرئيس بلدية قبل إلغاء نتائج الانتخابات، الضوء على تجاوزات وفساد سلفه المنتمي لـ "حزب العدالة والتنمية"، كشف تقرير لرئيس ديوان المحاسبة بعنوان: "التقييم العام للمراقبة الخارجية لعام 2017"، بعدما راقب نحو 88 في المئة من البلديات الكبرى والإدارات التابعة لها و39 في المئة من البلديات الصغرى، كما أجرى عمليات تفتيش على 30 بلدية كبرى، و22 إدارة مرتبطة بها، و24 بلدية صغيرة، و98 من بلديات المقاطعات، عن تفشي المجاملات ومحاباة الأصدقاء والأقارب في التوظيف، وأساليب الكسب غير المشروع، ومخالفة القانون. كما لاحقت مرشحين للانتخابات البلدية الأخيرة تهم عدة على شاكلة التحايل للإضرار بالمؤسسات والهيئات العامة، والتزوير في أوراق رسمية، وإعداد وثائق منافية للواقع. وهي انتهاكات أكد التقرير أنها تحولت إلى ممارسات عامة على مستوى عموم البلديات.

وما أنفك نزف حزب "العدالة والتنمية" للأصوات مستمراً مع تحول الصوت الكردي، إذ فقد الحزب أصوات مؤيديه من الأكراد، الذين طالما شكلوا عنصر الحسم في انتخابات سابقة شتى لمصلحته، إثر جنوح الأكراد في المدن والبلديات الكبرى، والذين يتخطى تعدادهم 15 مليوناً ويشكلون نسبة 18 في المئة من إجمالي الناخبين في عموم البلاد، إلى منح أصواتهم لمرشحي تحالف المعارضة، لاسيما "حزب الشعب الجمهوري" الذي تحالفوا معه بشكل غير معلن، نكاية في حزب "العدالة والتنمية"، الذي قوَّض وشائج التقارب مع الأكراد بتحالفه مع حزب "الحركة القومية" المناهض لهم، وإصراره على المضي قدماً في توجيه ضرباته العسكرية ضد عناصر حزب العمال الكردستاني والميليشيا الموالية له في سورية والعراق.

نقلًا عن موقع جريدة "الحياة اللندنية"

Qatalah