يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم تكن مسرحية الانقلاب العسكري الذي روّج له ديكتاتور أنقرة، رجب إردوغان، يوليو 2016، إلا خطةً ليُحكِم سيطرته على مفاتيح السلطة في البلاد، وأهمها بالطبع: الجيش. فخلال عامين من ذلك التاريخ، كان نحو 40% من قيادات القوات المسلحة التركية وضباطها، إما خارج الخدمة، أو في مراكز ومناصب غير ما كانوا عليه قبله.

كل من لم يوافقوا هوى المستبد، لبسوا البيجامة، في أحسن الأحوال، بدلا من البدلة العسكرية، لا لشيء إلا لأنهم عارضوا تغيير هوية الجمهورية، ومسايرة طموح الديكتاتور بإعادة السلطنة العثمانية الغابرة، أما من وافقوه وساعدوه، أنعم عليهم الطاغية بالكثير، ليفقد الجيش التركي الكثير من كفاءته، ويتحول تدريجيا إلى "جيش عقائدي أيديولوجي"، بنص تعبير المعهد الكردي بواشنطن.
إرهان أفيونجو، أحد الأتباع الذي وضعهم إردوغان على رأس مؤسسات التعليم العسكري التي أعاد هيكلتها، وأهمها جامعة الدفاع الوطني، لكي يسهل له تطويع الجيش، وتنفيذ أجندته الإقليمية، دون معارضة.
من هو أفيونجو؟
حسب تقرير لصحيفة حرييت عام 2017، ولد أفيونجو في مدينة توكات القريبة من البحر الأسود عام 1967، حيث أكمل تعليمه الابتدائي والمتوسط فيها، ثم التحق بقسم تدريس التاريخ في كلية أتاتورك، جامعة مرمرة، ثم تخرج عام 1988، ليقوم بعمل رسالتي الماجستير والدكتوراه في نفس القسم ويحصل على الدكتوراه في موضوع بعنوان "الدفترخانة في عهد الدولة العثمانية من القرن الـ16 للـ18".

ابتداءًُ من عام 2007 بدأ أفيونجو يفرض وجوده كظاهرة إعلامية، حيث قدم برنامجاً أسبوعياً على تلفزيون 24 بعنوان "حدث في زمن ماضي"، وهو الطرح الذي وجدت فيه القنوات المقربة من العدالة والتنمية ضالتها، من أجل الترويج لدعاية الحزب وإصباغ الوهم بصبغه تاريخية وعلمية.

قناة هابير تورك المملوكة لمجموعة جنار جروب، والعائدة لرجل الأعمال المقرب من إردوغان، تورجاي جنار، استعانت بأفيونجو لتقديم برنامج بعنوان "التاريخ الخفي" استمر من 2009 حتى 2015،  كما بدأ يكتب في صحيفة هابير تورك جازيتي.

التحول الأكبر في عالم الشهرة بدأ من خلال تعاونه مع ميرال أوكاي السيناريست المعروفة، وذلك في الموسم الأول لمسلسل القرن العظيم، والمعروف في العالم العربي باسم حريم السلطان، حيث كان أفيونجو مسؤول المراجعة التاريخية للمسلسل الذي نال شهرة كبيرة.
بعد عمله مع أوكاي، طلبت رئاسة الجمهورية أفيونجو للعمل كمستشار للرئيس السابق عبد الله جول، عام 2012، حيث ترأس هيئة أتاتورك العليا للثقافة واللغة والتاريخ، لتتاح له فرصة الاقتراب من إردوغان، الذي صار فيما بعد حاكما مطلقًا للبلاد.

في تلك الفترة، صار أفيونجو كاتبًا ثابتًا يوميًّا في صحيفة الصباح ذائعة الصيت والمقربة من الحزب الحاكم، ليجد صدى أوسع لكتاباته، والتي كانت دائما ما تدور في إطار تمجيد الدولة العثمانية. كما لاقت كتبه "الرايخ العثماني يتكشف" و"بحثٌ في القضية الأرمينية" و"الشبح العثماني"، و"تساؤلات حول الإمبراطورية العثمانية"، وغيرها، قبولا لدى دائرة الحكم. 

أفيونجو رئيساً للدفاع الوطني
في 2016، كانت القفزة الكبرى لأفيونجو، إذ اختاره إردوغان في شهر أكتوبر، رئيسا لجامعة الدفاع الوطني، بدرجة وزير. بحسب صحيفة "دوليت" (الدولة) الإخبارية، فإن الجامعة مؤسسة للتعليم العسكري مرتبطة مباشرة بوزارة الدفاع، حيث تضم كل الأكاديميات التركية العسكرية، مثل المدرسة الحربية والجوية والبحرية.

جامعة الدفاع الوطني أصبحت المؤسسة التعليمية العسكرية الوحيدة في البلاد، بعد يوليو عام 2016، حين تم إغلاق كل المدارس الحربية بأوامر من حكومة العدالة والتنمية، لتحل الجامعة فيما بعد محل تلك المؤسسات، بحجة عدم تكرار أحداث الإنقلاب المزعوم مرة أخرى.
تعيين رئيس الجامعة يتم عبر رئاسة الجمهورية، وكذلك الأمر بالنسبة لمساعديه. ويعتبر المنصب بدرجة وزير، حيث تأخذ قراراته الصفة الوزارية. 

وحسب صحيفة سياسي هابير عام 2016، أعلن المركز الصحفي لرئاسة الجمهورية التركية تعيين أفيونجو بعد موافقة وزير الدفاع خلوصي آكار، ورئيس الوزراء آنذاك، بن علي يلدريم، ليصبح أفيونجو مبعوث إردوغان لتغيير العقيدة العسكرية للجيش التركي، والأجيال الجديدة بالمدارس الحربية، ليمرر فكرة استعادة السلطنة العثمانية وهيمنتها على حساب دول الإقليم، كما كان يروج أفيونجو في كتاباته.

حليف حركة الخدمة يغير جلده
في الفترة التي تلت مسرحية الانقلاب، حرص إردوغان على شيطنة حركة الخدمة وكل من ينتسب إليها أو لا يعاديها، لكنه وقع في فخ التناقض، حين قام بتعيين أفيونجو، الذي كان ينتمي إليها، فحسب وكالة أودا تي في عام 2016، ظل أفيونجو يكتب في صحيفة بوجونديه "اليوم" المملوكة لحركة الخدمة طوال 6 أعوام، وحتى بعد أحداث تسجيلات الفساد في آواخر عام 2013 التي بدأ فيها الصراع بين الداعية فتح الله جولن، وإردوغان يخرج للعلن.

الفضيحة وقتها كشفت عن عمليات فساد تتجاوز الـ87 مليار يورو، حيث تورط مسؤولون، منهم ابن إردوغان وإردوغان نفسه في عمليات رشوة قدرت بأكثر من 70 مليون دولار. 
أفيونجو، وحسب أودا تي في بدأ في الكتابة بالصحيفة من الفترة من 9 مارس 2008 حتى عام 2014، ورغم ذلك أسند إليه إردوغان رئاسة أول جامعة للدفاع الوطني، والتي حلت محل كل المدارس العسكرية.

أفيونجو يحتقر الجمهورية
حسب صحيفة جمهورييت عام 2017، تضمنت إحدى حلقات برنامج "في عمق التاريخ" على قناة تي في نت، الموالية للحزب الحاكم، توجيه إهانات إلى مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، منها ادعاء بوجود علاقة مشبوهة بين أتاتورك وابنته بالتبني، أفيت إناني، وكونها كانت المرأة الأولى في تلك الفترة.

هذه الاتهامات رأتها وكالة أودا تي في شيئا مثيرا للتعجب. فكيف تقابل هذه الأقاويل بصمت رسمي، في ظل وجود باحث متخصص في التاريخ مثل أفيونجو، على رأس جامعة الدفاع الوطني، وهيئة أتاتورك للثقافة واللغة والتاريخ!.

الصحيفة تساءلت عن موقف افيونجو واختياره الصمت، حيث قالت: "أفيونجو الذي ظل يقدم برامج عن التاريخ ويشغل منصباً رسمياً، اختار أن يظل صامتاً أمام الإهانات التي وجهت لأتاتورك مؤسس الجمهورية في الفترة الأخيرة!".

Qatalah