يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بين أروقة طوب قابي سراي، القصر العثماني المطل على مضيق البسفور، ارتكبت الجرائم ضد الأشقاء بدم بارد، فشريعة الغابة التي حكمت العثمانيين لقرون، نصت صراحة على أن يقتل السلطان الجديد الإخوة، ويلطخ بدمائهم مفتتح عصره، لكن تحت ضغط الحفاظ على السلالة الحاكمة تم التراجع عن هذه الممارسة الهمجية إلى أخرى لا تقل عنها وحشية، فتقرر حبس إخوة السلطان في غرف معزولة عرفت تاريخيا بـ "الأقفاص"، كانت جحيما عاشه عشرات الأمراء.

العثمانيون الأتراك عرفوا -كقبائل رعوية- بالتعطش لسفك الدماء، لا يتوقفون أمام شرع أو عرف، فتمادوا في العسف حتى طال أهل البيت العثماني ذاته، بعدما تم إقرار تقليد دموي منذ منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، يتيح للسلطان الجديد أن يقتل إخوته وذريتهم، حتى يضمن انعدام المنافسة على العرش، وهو القانون الذي عرف بقانون "البغي"، والذي استصدر له محمد الثاني فتوى شرعية تقننه من شيوخ السلطان.

 

أدى "البغي" الذي استمر يحكم العلاقات بين أبناء عثمان لقرنين، إلى نتائج وخيمة كادت أن تعصف بالبيت الحاكم في إسطنبول، إذ جرت دماء الأمراء أنهارا في أروقة القصر السلطاني، وكادت الذرية العثمانية أن تباد عن بكرة أبيها، إذ لم يستنكف السلاطين يوما من قتل الرضيع أو المريض أو العاجز في صراع شيطاني على السلطة، لذا تفتق ذهن السلطانة الدموية، صفية خاتون، في القرن السابع عشر الميلادي، عن فكرة قوامها أن يتم وقف قتل الإخوة والاكتفاء بحبسهم في غرف مسكّرة لا يدخلها إلا الخصيان للأمراء أصحاب الحظ السيئ الذين كتب عليهم أن يصاحبوا الوحدة لسنوات طوال، وفق ما ذكره أحمد عبد الرحيم مصطفى في كتابه "أصول التاريخ العثماني".

السلطانة الأم لم تكن تعلم، أو لم تهتم، بأن فكرتها الشيطانية ستولد جيلًا من الأمراء المسوخ، إذ ترتب على ملابسات معيشة الأمراء فقدانهم القدرة على ممارسة حياة طبيعية تؤهلهم لتحمل مسؤولية إدارة دولة تحتل الكثير من الأقطار، كانت شخصيات أمراء هذا العصر ضعيفة هشة، تفتقد إلى التوازن النفسي الموجود عند أبناء الفقراء في أسواق العاصمة العثمانية. 

عرفت الفكرة الشيطانية  بـ"سجن الأقفاص"، وأصدر السلطان فرمانا يقضي بتحديد إقامة جميع الأمراء، إلى أن يتم تحديد أي منهم تنطبق عليه شروط وراثة العرش، حال موت السلطان القائم بالأمر، لتبدأ السلطنة من ذلك التوقيت مرحلة جديدة من التنكيل بأبنائها الذكور، الذين كتب عليهم السجن في وقت تمتع أغوات القصر وخصيانه بحرية الحركة في جنباته، وفق ما ذكرته ماجدة صلاح مخلوف في كتابها "الحريم في القصر العثماني". 

 

عذاب مقيم
وضع السلطان وقهرمانات القصر وأغواته قواعد صارمة للتضييق على الأمراء داخل أقفاصهم الفاخرة، فجناح أي أمير مسجون كان يؤثث بأفخر الأثاث والمفروشات، لكنها جنة الحبيس، لا حرية فيها ولا بشر، مكتوب على الأمير أن يجالس الفراغ بين أربعة جدران يكلم أشباحا تؤنس وحدة خانقة، تمتد منذ لحظة البلوغ، وهي السن التي يتم نفي الأمير فيها إلى السجن الحريري، إلى أن تسمح له الظروف في يوم من الأيام بأن يعانق الحرية مرة أخرى، أو قد لا تسمح، وفق ما ذكرته دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية.

كانت أجنحة الأمراء العثمانيين يطلق عليها في الأدبيات التركية تسمية واضحة الدلالة، "قفص"، هكذا كانت الأمور واضحة للجميع، فالغرض هو حبس الأمراء وتقييد حركتهم ومنعهم من مخالطة الناس والرعية، حتى لا تكون لديهم أية شعبية يتخوف منها على مكانة السلطان الحاكم بالهوى، لذا أحيطت غرف الأمراء بجدران عالية تكرس عزلتهم عن العالم الخارجي، وصدرت الأوامر الصارمة بقتل كل من يخالف الأوامر ويحاول الاقتراب من هذه الأقفاص.

تركت التجربة القاسية أثرها المدمر على نفوس الأمراء الذين أصيبوا بالأمراض النفسية الفتاكة، وتحولوا إلى شخصيات تعاني من ضعف مزمن في الشخصية، يعانون من جنون الارتياب، فقد عاشوا لسنوات في رعب من أن يسمعوا خطوات رسل الموت الذين يخطفون أرواح الأمراء تنفيذا لأوامر السلطان، لذا لم يكن غريبا أن يتولى في هذه الفترة سلاطين عرفوا بالخلل النفسي والعته العقلي أمثال: مصطفى الأول، وإبراهيم الأول، وكل منهما كان مثالا على الجنون المطبق.

زاد الطين بلة أن السلطانات اللاتي تحكمن في أمور القصر العثماني، أردن رجالا ضعافا، سلاطين كعرائس خيال الظل، تتحرك من خلف الستار، تتحكم فيهم نساء الحرملك، لذا لم يكن غريبا أن يتم إدخال الجواري إلى الأمراء في سجونهم بين الحين والآخر، فيما لم يتم أي من هؤلاء الأمراء تدريبه على شؤون الحكم أبدا، لم يتعلم الفروسية وقيادة الجيوش، ولم يخالط جنود الإنكشارية ولم يجالس الوزراء ورجال الدولة لمعرفة كيفية تسيير أمور الدواوين، فتحول الأمراء إلى دمى تتناقلها السلطانات ووزراء الدولة وأغوات الجيش وعبيد القصر، وفق ما ذكره روبير مانتران في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية". 

كلف السلطان الجواري بسرد أساطير تزرع في نفوس الأمراء الخوف من المستقبل، ليخرج ولي العهد ضعيفا محطمًا نفسيا، وإمعانًا في إذلال الأمراء، تم حرمانهم من معاشرة النساء بغرض الإنجاب، لقطع نسلهم، فوجود ذرية لأي من هؤلاء الأمراء خطر على حياة السلطان القائم، ولم يكن الأمير في محبسه ينتظر إلا دخول أحد العبيد بأطباق الطعام، أو دخول السياف، لينهي حياته، ونادرًا ما كانت تتسلل جارية للتسلية على الأمير الحزين، وذلك طبعا تحت علم وسمع ومراقبة السلطانة الأم.

الأمراء في ساعات فراغهم الطويلة أدمنوا شرب الخمر، وتعاطي الأفيون، وكان غالبيتهم يعاني نوبات الصرع، نتيجة تكليف السلطان للجواري بالقيام بسرد روايات على أسماعهم تزرع في نفوسهم الخوف من المستقبل، نتيجة ذلك خرج ولي العهد من القفص محطمًا نفسيا وضعيفًا، وتحولت القصور العثمانية المترامية الأطراف إلى جحيم خانق لأبنائها، وأصبح الخصيان والغلمان هم الأسياد، وأصبحت مصائر هؤلاء الأمراء مرتبطة بالحارس، وفق ما ذكره محمد جميل بيهم في كتابه "فلسفة التاريخ العثماني".

ضحايا الأقفاص
بدأت سلطنة الظلم في جني ثمار قانون "الأقفاص"، كان الأمير مصطفى الأول الذي أسندت إليه أمور الدولة العام 1617، بعد وفاة أخيه السلطان أحمد، أحد أبرز النماذج التي تولت العرش بعدما شوهتها تجربة "الأقفاص"، إلى درجة أن اسمه في كتب التاريخ هو "مصطفى المجنون".

يقول المؤرخ "صولاق زاده" عن مصطفى: "تولى العرش وهو ابن الـ26 عامًا. كان في عقله بعض الخفة، لطول الفترة التي قضاها في منفاه، ومع ذلك عُيّن سلطانًا بعدما أمرت السلطانة الأم شيخ الإسلام وقتها بالإفتاء بجواز حكمه مع خفة عقله".

تمكن الأمير عثمان بن أحمد من عزل السلطان مصطفى، ليُعيده مجددًا إلى ذل القفص، وأمر جنوده بالتنكيل به والعمل على إذلاله، إذ اعتقد أنه سلبه حقه في الحكم، ليمكث في سجنه أربعة أعوام أخرى، خرج بعدها في ظروف الفوضى التي عمت السلطنة ليتولى الحكم مجددا لمدة عام (1622-1623)، ريثما تنتهي السلطانة كوسيم من صراعها وتجهيز ابنها مراد الرابع من تولي السلطنة، بعدها تم عزل مصطفى مرة ثانية وأخيرة حيث عاش في المنفى لنحو 16 عامًا.

 

ويعد السلطان إبراهيم بن أحمد، ضحية أخرى للأقفاص، إذ تولى العرش العام 1640، واستمر في حكمه 8 أعوام رغم أنه لم يكن شخصية مؤهلة للحكم إطلاقاً، فقد عاش حياته في ظل سلطنة أخويه عثمان الثاني ومراد الرابع حبيس القفص لفترة وصلت 22 عاما، وكان في غرفة ﻻ تحوي إلا نافذة يتابع منها الطيور في سماء البسفور، ومن محبسه شاهد إعدام إخوته الأربعة بأوامر سلطانية، وأصابته مشاهد الدم بلوثة عقلية لا فكاك منها، لذا حكم ثماني سنوات (1640-1648)، قاد الدولة فيها إلى الفوضى المطلقة وكانت متعته قتل الوزراء وتعويض حرمانه بملاحقة الجواري.

أيام أخيرة
في أواخر عقود الدولة العثمانية كانت أقفاص الأمراء، قد نقلت إلى قصري "يلدز" و"دولمه باهجه"، بعدما أصبح قصر طوب قابي، المقر الأصلي لظاهرة الأقفاص، غير مستخدم كمقر للحكم، وتفاوتت فترة الحبس في أواخر عهد الدولة، فالسلطان عبد العزيز (حكم 1861- 1876)، حبس أبناء أخيه في القفص بمجرد أن خلف أخاه عبدالمجيد الأول على العرش، وبلغ به الهلع أنه كان يصطحب أكبر اثنين منهم معه في أسفاره إلى أوروبا العام 1867، خوفًا من قيامهما بخلعه وهو بعيد عن العاصمة، وفق ما ذكره السلطان عبدالحميد الثاني في مذكراته.

كان محمد السادس آخر السلاطين العثمانيين، وتولى العرش وعمره 56 عامًا، أمضى منها 50 عاما في المنفى، ودخل القفص بأمر من عمه السلطان عبد العزيز، وبقي في القفص أثناء حكم إخوانه الثلاثة، مراد الخامس وعبدالحميد الثاني ومحمد الخامس، والذي شهد زوال الدولة العثمانية ومعها ظاهرة "سجن الأقفاص" التي كانت ولا شك أحد أسباب انهيار السلطنة.

Qatalah