يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


دراما أرطغرل، لم تأخذ من التاريخ إلا أسماء أبطالها، أما الأحداث فهي من نسخ خيال كاتب تجرأ على تزوير التاريخ، من أجل الترويج للعثمانيين، ومؤسسي دولتهم، في محاولة تثير السخرية، لإسقاط أحداث المسلسل على واقع الدولة التركية التي يحكمها رجب إردوغان، المملوء بوهم استعادة أمجاد الدولة المقبورة.
حتى لا يمل المشاهد من جرعة الأكاذيب التي يقدمها المسلسل، استخدم المؤلف أسماء شخصيات، وأماكن، ودولا كانت موجودة في الفترة التاريخية التي ينسب إليها أرطغرل، ليحتال على المشاهد، ويوهمه أن الأحداث حقيقية.
هذه المرة استغل المؤلف سلطنة السلاجقة في قونيا، ليصنع أمجاد وهمية لبطله المزعوم على أكتافهم، وخلافًا للحقيقة والتاريخ تحول أرطغرل من راعي ماشية، على أرض وهبتها له الدولة السلجوقية، إلى حام لهم، وأصبح الرجل الذي يخطبون وده.

سلاجقة الروم
 تأسست السلطنة السلجوقية في خراسان، عام 1038، بزعامة طغرلبك، واعترف الخليفة العباسي به سلطانا عام 1041. 
بعد انتصار السلاجقة على البيزنطيين في موقعة مانزيكرت عام 1071، انتقلت القبائل التركية المهاجرة من وسط آسيا إلى الأناضول، واحتلت المدن واستولت على الأراضين بهدف البحث عن موطن جديد لها.
انقسم السلاجقة إلى خمسة بيوت، حكم كل منها منطقة، وفي آسيا الصغرى حكم بيت عرف باسم سلاجقة الروم (1077 -1304) منطقة الأناضول، التي كانت تعرف باسم أرض الروم، وكانت نهايتها على يد المغول.
استغل السلاجقة النزاعات الداخلية في بيزنطة، وتوسعوا على حسابهم، يعتبر سليمان بن قتلمش المؤسس الأول، واتخذ من نيقية عاصمة له، واعترف بسيادة ملكشاه سلطان السلاجقة العظام، وانتقلت السلطنة إلى قونية عام 1092، مع قلج أرسلان بن سليمان.
كان علاء الدين كيقباد من أهم سلاطين الروم، وفي عهده شهدت البلاد نهضة في مجالات عدة، وتوسعت أملاكه في الجنوب والشمال والشرق، وتصدى لغزو الخوارزميين باتجاه غرب آسيا، بعد أن تحالف مع الأيوبيين، وفي عهده خرج المغول من موطنهم، ووصلوا إلى أبواب الأناضول، عام 1237. 
تدور أحداث المسلسل في عهد علاء الدين، الذي كانت الدولة في عهده في أوج قوتها وتوسعها، ورغم ذلك تقدمها الدراما التركية على أنها في لحظات الانهيار، وتملؤها الخيانة، وذلك من أجل صنع بطولات وهمية لأرطغرل في إنقاذ الدولة ومحاربة الخونة.

المنقذ أرطغرل
قبيلة قايي بعد فرارها من تركستان، خوفا من المغول، أقامت في الأناضول، في أرض تتبع السلاجقة، لم يضم السلاجقة هذه القبائل للجيش، فلم يكن لهم دور عسكري في صد المغول والصليبيين، جميع الأحداث عن السلاجقة في المسلسل هي من نسج خيال المؤلف.
العلاقة بين أرطغرل والسلاجقة تبدأ صدامية، بتصديه لخيانة القائد السلجوقي كارا تويجار، الذي تحالف مع الصليبيين، تويجار يخطف حليمة، ووالدها الأمير نعمان، وأخيها، بهدف استخدام الأمير نعمان بن السلطان السابق في تفكيك الدولة ، تنفيذا لأوامر الصليبيين، لكن إنقاذ أرطغرل لحليمة وأسرتها وحمايته لهم يتسبب في فشل المؤامرة.
يخوض أرطغرل صراعا ضد تويجار الخائن، وينقذ الدولة السلجوقية من المؤامرة الصليبية لتفتيت وحدتها، ويقبض على تويجار، ويرسله إلى العاصمة قونية لمحاكمته.
مؤامرات الصليبيين على السلاجقة لا تنتهي، وكذلك بطولات أرطغرل لا حدود لها، هكذا ينسج خيال المؤلف بطولات وهمية لأرطغرل على حساب التاريخ، في المرة الثانية يضع الصليبيون خطة لتزويج أمير حلب الأيوبي العزيز من حليمة السلجوقية.
مقابل هذا الزواج سيدعم العزيز، والد حليمة، الأمير نعمان، في المطالبة بالعرش السلجوقي، ويدعو القبائل التركمانية في حلب لمبايعة نعمان والحرب معه ضد السلطان علاء الدين.
يتدخل البطل أرطغرل ويقتحم اجتماع العشائر التركمانية ويخطب فيهم بحماسة على الإخلاص للسلاجقة، وعدم شق الصف، ويحضهم على رفض بيعة الأمير نعمان.
أرطغرل الذي وقع في غرام حليمة، ينقذها قبل الزفاف، ويلقن العزيز درسا يجعله يتلافى الخلاف مع السلاجقة، وينتبه إلى مؤامرات الصليبيين، وبذلك يمنع أرطغرل وقوع حرب مدمرة بين الدولتين المسلمتين.
يواصل المؤلف التدليس والكذب، فبعد أن ينجح أرطغرل في كشف مؤامرة فرسان الهيكل الصليبيين، يبعث السلطان علاء الدين أحد وزرائه إلى قبيلة قايي، يبارك لها على النصر الكبير الذي حققته، ويقدم هدايا قيمة لأرطغرل، الذي يلمع اسمه في قصور قونية، ويصبح صديقا للسلطان ورجاله المخلصين فيها.
المدهش أن كتب التاريخ التي تناولت أحداث ووقائع دولة سلاجقة الروم، لم تذكر اسم أرطغرل نهائيا، رغم أن صناع المسلسل منحوه شرف إنقاذ الدولة مرتين.

حماية قايي
تزوير التاريخ لم يكن لخدمة أرطغرل فقط، بل لإعلاء شأن قبيلته أيضا، في محاولة ساذجة لتعظيم شأن القبيلة الرعوية ، جعل المؤلف السلطان علاء الدين يبعث رسولا يقابل سليمان شاه، يبلغه بخططه للصلح مع الأيوبيين، وقراره الزواج من أخت أمير حلب، لتقوية العلاقات الطيبة بين الدولتين.
سلطان السلاجقة يطلب من سليمان شاه إرسال مقاتلي القبيلة ، بقيادة أرطغرل، في مهمة حماية قافلة العروس، خوفا من تعرض فرسان الهيكل للقافلة، وخطف العروس أو قتلها، لتعطيل الزواج.
يريد المسلسل أن يقنع المشاهد بأن جيوش السلاجقة والأيوبيين عاجزة عن حماية موكب عروس، بينما فرسان قبيلة قايي هم وحدهم القادرون على التصدي لفرسان الهيكل. 
يذهب فرسان قايي بقيادة جوندودو مع السلاجقة لحماية موكب عروس السلطان، ويغيب أرطغرل الذي خرج يترصد الصليبيين، القافلة تتعرض إلى هجوم بالفعل، إلا أن يقظة فرسان قايي تنجح في صده، وإنقاذ العروس، وهكذا يبقى الصلح قائما بين الأيوبيين والسلاجقة بفضل قبيلة قايي.

الأمير يغيت
يخطف الصليبيون الأمير يغيت ابن الأمير نعمان، وشقيق حليمة، بهدف تجنيده للعمل لصالحهم، حين يكبر في السن. الخطة تقوم على دعم يغيت في المطالبة بحقه في عرش قونيا،
أرطغرل يتدخل مرة رابعة وينجح في إنقاذ يغيت، وقطع الطريق على الخطة الصليبية.
تتواصل الافتراءات والتقول على التاريخ، وضعف الحبكة الدرامية، خاصة في أحد المشاهد التي يتحدث فيها تيتوس أحد فرسان الهيكل، عن نجاحه في خطف الأميرة الأيوبية، بعد المحاولة الأولى الفاشلة للهجوم على القافلة، ولم يذكر المسلسل مصيرها.
تاريخيا لم يصاهر علاء الدين الأيوبيين، وقد حدثت المصاهرة بين الدولتين حين تزوج السلطان غياث الدين كيخسرو بن السلطان علاء الدين  بأخت السلطان الأيوبي الناصر يوسف ،حاكم حلب، بينما تزوج الأخير أخت السلطان السلجوقي، لكن مؤلف دراما أرطغرل حرف التاريخ من أجل حشر بطولات وهمية لأرطغرل.

القائد أفشين
بهدف ربط أرطغرل بقادة دولة السلاجقة المخلصين لها، خلق المؤلف شخصية اسمها أفشين، وهو اسم مأخوذ من اسم القائد التركي الشهير الأفشين، قائد جيش الخليفة العباسي المعتصم بالله.
السيد أفشين قائد سلجوقي سابق، يعيش في جلباب رجل الدولة المخلص، الذي لا يهتم بالمناصب، ويضحي بكل شيء في سبيل الحفاظ على الدولة، من هنا يبدأ ترديد مصطلح الدولة في مشاهد المسلسل، خاصة تلك التي يكون بطلها أرطغرل، ومن خلال أفشين يتعرف أرطغرل على عالم السياسة.
أفشين يقتل الأمير نعمان والد حليمة، لأن الأخير أصر على المطالبة بالعرش، وهو الأمر الذي يهدد وحدة دولة السلاجقة.
بجانب أفشين توجد منظمة سرية، من أهم كبار عشائر الأوغوز، تسمى "ذوي اللحى البيضاء" تعمل على رعاية مصالح الشعب التركي، المنظمة طلبت من أرطغرل عن طريق أفشين، الاجتماع معهم، وتم تكليفه بمهمة غامضة، ومن المتوقع أن تكون إنشاء الدولة التركية، بعد أن انتشرت الخيانة في دولة سلاجقة الروم.
بفضل خيال المؤلف تحولت قبائل التركمان الرعوية إلى منظمات استخبارية، وجماعات سرية، تعرف معنى مصطلح الدولة، قبل أن تعرفه العلوم السياسية الحديثة.

خونة قونية
بعد أن أنقذ أرطغرل السلاجقة من الصليبيين، حان وقت إنقاذهم من المغول، وهي مهمة ليست سهلة، فدولة السلاجقة دُمرت تاريخيا على يد المغول، ولو لم تفن دولة السلاجقة، لما استطاع عثمان بن أرطغرل التمتع باستقلال نسبي، وإنشاء إمارته التي كانت نواة الدولة العثمانية، التي يدعو المسلسل لها.
لم يكن بمقدور أو رغبة صناع المسلسل إنقاذ سلطنة السلاجقة ، إذ إن سقوطها هو فجر دولة العثمانيين، ومن ناحية أخرى لابد من صناعة أمجاد وأعمال خالدة لأرطغرل، على حساب هذه السلطنة، فكان المدخل لذلك هو تصديه للخونة داخل البلاط السلجوقي.
سعد الدين كوبيك، وزير سلجوقي، حقق إنجازات عمرانية وانتصارات عسكرية، إلا أنه وقع في غرام السلطة، فعمل على التخلص من كبار قادة الجيش والوزراء ورجال الدولة، وتسبب في تفكيك أوصالها، وكانت نهايته بإعدامه بأوامر السلطان غياث الدين كيخسرو، لكن المسلسل يعاند التاريخ، ويمنح  شرف إعدام القائد الخائن لأرطغرل.
والثابت تاريخيا بعيدا عن هراء صناعة الدراما التركية، أن كوبيك لم يعدم بسبب خيانته، ولكن بسبب الصراع الداخلي على السلطة، وخوف السلطان من نفوذه.
وزير سلجوقي آخر، ومن أهم القادة العسكريين، يدعى أرتوكوش، يأتي إلى مخيم قبيلة قايي، ويطلب لقاء أرطغرل، للتنسيق معه في عملية مقاومة الخطر المغولي، هكذا جعل قلم المؤلف الكاذب أرطغرل بطل الدولة السلجوقية، ومطهر البلاد من الخيانة، وهي أمجاد تجلب الفخر لصاحبها إلا أنه بالتأكيد لم يكن أرطغرل، ولا غيره، لأن التاريخ لم يعرف هذه البطولات.

Qatalah