يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"النور الذي لا يزيل الظلمة لا يعول عليه".. لم يقرأ مؤلف حلقات الكذب التركية "قيامة أرطغرل" نصوص الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، لذا أقحمه على مسلسله المكذوب، فيما الآثار المكتوبة جميعها للمتصوف الإسلامي الشهير تتناقض بالكلية مع التاريخ العثماني الحافل بالخرافة ونشر الجهل والظلام.

المسلسل قطعة فنية قائمة على تزييف التاريخ، والاستحواذ على ألباب المشاهدين، بمعارك خارقة وحبكة درامية مليئة بالأحداث، واستخدم المؤلف شخصية ابن عربي للتنبؤ ببطولة أرطغرل وسلالته لإنقاذ العالم الإسلامي من المخاطر التي تحيق به.

وضاعة أصل الأتراك دفعت القائمين على مسلسل أرطغرل لاختلاق حكايات ونبوءات، ووضعها على ألسن شخصيات تاريخية عظيمة في محاولة بائسة لإضفاء شيء من القداسة على تاريخهم المجهول، كما فعلوا مع ابن عربي.

توظيف ابن عربي أقوى دليل على بناء سيرة أرطغرل الخارقة على الكذب والافتراء، فحياة الشيخ مدونة بتفاصيلها ولا يعقل أن يغفل كاتبوها ومن عاصره عن ذكر لقاءاته مع أرطغرل.

الشيخ الأكبر

محيي الدين بن عربي أحد أشهر المتصوفين، لقبه أتباعه وغيرهم من الصوفيين بالشيخ الأكبر، ولذا تُنسب إليه الطريقة الأكبرية الصوفية. ولد في مرسية في الأندلس عام 1164 وتوفي في دمشق 1240.

 بدأ رحلاته الطويلة المتعددة إلى بلاد الشرق بين عامي (1200 -1223)، واستقر في دمشق حتى وفاته وقد زار حلب لفترة قصيرة.

يعتبر أهم وأشهر المتصوفة في الحضارة الإسلامية، وقد ذاع صيته بين جميع الأمم ويحظى باهتمام كبير في الدراسات الأكاديمية عن التصوف الإسلامي.

هناك شكوك تاريخية في شخصية أرطغرل كما يرويها التاريخ العثماني الرسمي الذي بدأ تدوينه عام 1450، أي بعد قرون على موته، ولا يوجد أي ذكر عن قبيلة قايي في المراجع التاريخية التي تناولت فترة الحروب الصليبية أو سيرة محيي الدين بن عربي، أو وثائق الأسرة الحاكمة في حلب.

المسلسل يدعي اللقاء مصادفة بين أرطغرل مع ابن عربي، خلال سفر الأول إلى حلب، وعودة الثاني إليها من سياحته في البلاد. 

نبوءة مكذوبة

في إحدى الغابات، يظهر ابن عربي وبصحبته أحد مريديه يضمدان قدم غزالة مصابة بسهم، كان أرطغرل أطلقه عليها لاصطيادها لكنه لم يصبها. هنا يبدأ اللقاء المزعوم بين الاثنين ويحذر المتصوف الرجل التركي من الأعداء والخونة.

نبوءة ابن عربي الأولى تتحقق ويهاجم أرطغرل ورفاقه مجموعة من الجنود التابعين لقائد سلجوقي اتهمه المسلسل بالخيانة، ضمن سلسلة من الخونة الذين قدمهم للمشاهد، ليظهر العثماني بينهم على أنه الوحيد المخلص للأمة الإسلامية.

ينجو العثماني ورفاقه لكن أحدهم يصاب بسهم في ساقه، ويلتقي ابن عربي بهم مرة ثانية ويعالجه ثم يدور حديث بينه وبين أرطغرل، يحدثه فيه عن المشاكل الداخلية للعالم الإسلامي وتأمر الصليبيين، وخطر المغول القادم من الشرق والدسائس والحروب بين الإمارات.
بعد الحديث عن مأزق العالم الإسلامي يلتفت ابن عربي إلى أرطغرل ويقص عليه نبوءة عن بطل سيوحد المسلمين، ويقاتل هو وذريته في سبيل الإسلام، وسيكون فتح القسطنطينية على يد أحفاده.

الأمر الأكيد أن النبوءة تمت صياغتها بعد سقوط القسطنطينية بيد محمد الفاتح عام 1453، وتعرضت للإضافة خلال الكتابات التاريخية اللاحقة.

بقية النبوءة تتحدث عن ضم الجزيرة العربية والشام والقدس إلى أحفاد البطل المنتظر، وهو الأمر الذي تحقق بغزو سليم الأول سلطنة المماليك عام 1516.

رد أرطغرل على النبوءة كان الابتسام والعهد على القتال مع هذا البطل لخدمة الإسلام.

فات صناع المسلسل ومن ورائهم رجب إردوغان أن ضم القدس ومكة والمدينة للعثمانيين لم يأت بعد جهاد ضد الصليبيين، بل بعد العدوان على سلطنة المماليك التي طردت الصليبيين نهائيا من الشام وصدت الخطر المغولي.

الملاك الحارس

لم يكتف صناع أرطغرل بهذين اللقاءين بل عمدوا إلى تكوين رابطة بين أرطغرل وابن عربي في عملية فجة ومزيفة، لتوظيف الدين في تلميع صورة العثماني وتقديمه للمشاهد على أنه شخصية تقية، تسلك في حياتها بإشراف ومباركة من أعظم متصوف إسلامي.

لا يكتفي ابن عربي المزعوم على التنبؤ ومعالجة أحد رفاق أرطغرل، بل يتولى حمايته أثناء زيارته لمدينة حلب التي يقدمها المسلسل على أنها وكر الجاسوسية والمؤامرات الصليبية، في اتهام خفي للعرب بالخيانة والعمل لصالح أعداء الدين.

خلال استضافة أمير حلب الأيوبي العزيز لأرطغرل في قصره يتعرض لمحاولة اغتيال دبرها الصليبيون ونفذها عملاؤهم في القصر بقيادة قائد الجيش ناصر.

يظهر ابن عربي محاطا بمريديه يذكرون الله وفجأة يشعر بالخطر المحيط بأرطغرل، فيسخر قوة الرياح ويحركها لتعبر شوارع حلب ثم تصل إلى غرفة نومه، وتطفأ الشموع التي كانت تبث مادة مخدرة وضعها الخونة لكي يستطيعوا قتله.

ابن عربي يظهر لأرطغرل في المنام ويطلب منه الاستيقاظ، فيصحو في اللحظة التي يدخل فيها القاتل غرفته، ويتمكن من صد الهجوم الغادر وبذلك ينجو البطل المنتظر بفضل رعاية ابن عربي.

قائد المقاومة

ابن عربي الذي قدمه المسلسل على الشاشة يختلف كليا عن الشخص الحقيقي، فالأول نسب المؤلف إليه أفعالا وأقوالا لم تصدر منه، من أجل توظيفها في خلق هالة مقدسة حول جد العثمانيين.

يقود ابن عربي شبكة من المسؤولين والدراويش والمقاتلين الذين يعملون بشكل مستقل في التصدي لأعداء الإسلام، في وقت تقاعس فيه الحكام عن هذا الدور.
المسلسل يخلق دورا لم يقم به ابن عربي على الإطلاق، بهدف تخوين حكام الإمارات الإسلامية والعربية واتهامهم بالتقصير عن حماية البلاد، حتى يقدم لنا أرطغرل على أنه الحامي المنتظر.

في حلب أتباع ابن عربي يساعدون أرطغرل في إنقاذ الوزير المخلص للإسلام شهاب الدين من مؤامرة صليبية، نفذها الخونة بقيادة ناصر للإطاحة به حتى تخلو لهم حلب ممن يخشون جانبهم، أو يقفون في وجه مؤامراتهم على العالم الإسلامي.

افترى صناع مسلسل قيامة أرطغرل على التاريخ، تماشيا مع خطاب إردوغان القائم على توظيف الدين في خدمة أهدافه السياسية، وأطماعه الشخصية في السلطة والتوسع على حساب جيرانه.

Qatalah