يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بتزييف الحقائق وأحداث وهمية لا أساس لها من الصحة، صنع رجب إردوغان، بطلا من وحي خياله، لشخص قبلي يدعى أرطغرل، ترأس مجموعة من الرعاة والمحاربين في الجزء الشمالي الغربي من الأناضول، وحوله من شخص نكرة لا ذكر له في التاريخ إلى بطل الأتراك ومبيد الصليبيين وأمل العالم الإسلامي.

ولاكتمال الصورة، تم كتابة سيناريو ركيك، مليء بالبطولات الوهمية والمعارك الخارقة، التي لا يصدقها عقل أو منطق، مع تذييلها زورًا باسم واحد من أهم الرحالة في التاريخ العربي، "ابن عربي"، لتقديم أرطغرل المزعوم على أنه بطل لا مثيل له وأن سلالته إنما أتت لإنقاذ العالم الإسلامي من المخاطر التي تحيق به.

الكذب لم يقف عند حد تقديم غوابرُ العثمانلية البائدة بصفات لم تكن يومًا فيهم من الشجاعة والإقدام وغيرها من الصفات الحميدة، بل وصل لحد تزييف حياة والد أرطغرل، سليمان شاه، إذ فجأة تحول من سيد قبيلة صغيرة إلى أهم سادة الأتراك والرجل الذي وقف في وجه الصليبيين وأفسد مؤامراتهم.

بفضل الكذب والافتراء تحول الرجل الذي هرب من مواجهة المغول إلى أسد تهابه الدولة الأيوبية والسلجوقية، وهمًا يؤرق مضاجع قادة الصليبيين، لم يتوقف الافتراء عند ذلك فحاول المسلسل التغطية على حقيقة هروب القبيلة من المغول بأحداث وهمية عن توحيد القبائل التركية لصد الخطر المغولي عن الأناضول التي احتل الأتراك أطرافها حتى ذلك الوقت.

سليمان الجبان
القصة التقليدية تقول إن القبيلة الأم للعثمانيين هاجرت من آسيا الوسطى واستقرت في كردستان ومع اقتراب الخطر المغولي من العراق فرت القبيلة بزعامة سليمان شاه إلى الأناضول حيث سلطنة قونية السلجوقية واستقر في أخلاط قرب بحيرة وان في هضبة أرمينيا.

بعد أن خف الخطر المغولي قرر سليمان شاه العودة إلى بلاده فسار إلى قلعة جعبر وأثناء عبوره نهر الفرات غرق في النهر، وقد خلف أربعة أولاد رجع اثنان منهم إلى حيث جاءوا بينما تابع الآخران المسيرة إلى الشمال الشرقي في سهول أرضروم ومعهما أربعمائة أسرة وتولى أرطغرل قيادة هذه المجموعة.

حتى التاريخ الذي تبنته الدولة العثمانية وسار على نهجه المؤرخون الأتراك لا يذكرون أية مآثر عن شخص سليمان شاه سوى الضريح الوهمي في سورية والذي تم نقله إلى منطقة سورية تبعد 180 مترا فقط عن الحدود التركية.

الأب الأسطوري
حياة سليمان شاه الحقيقية لا تصلح للتقديم في العمل الدعائي أرطغرل فلو تم تقديمه على أنه زعيم قبلي لا يختلف عن مئات مثله لما جذب أنظار المشاهد.

أرطغرل بطل إردوغان الوهمي بحاجة لأن يولد لأب أسطوري يعلمه الحكمة والفروسية ويرث منه صفات البطولة، عملية تزييف النسب شملت القبيلة ككل فهي قبيلة مختارة جعلتها الدراما تنتسب إلى شعوب الإيغوز الذي انحدرت منه سلالة السلاجقة.

يبدو سليمان شاه من خلال حديثه وخطبه كأنه قائد عصري يحمل هم قضية قومية لا قائد قبلي يبحث عن مأوى للقبيلة بعد أن ضرب الجفاف الأرض المحيطة بهم. فجأة ودون مقدمات معقولة يتحول سيد قبيلة الرعاة إلى أحد قادة جماعات الإسلام السياسي.

يدعم سليمان شاه ابنه أرطغرل في مغامراته ضد الصليبيين والسلاجقة والأيوبيين ويتحدى السادة الذين لا هم لهم سوى تأمين حياة القبيلة، خطاب أرطغرل ووالده لا يختلفان عن خطاب إردوغان الذي يتخفى بقناع القضايا الإسلامية.

سليمان شاه هو إرهاصات قيامة أرطغرل ومن الغريب أن يتحول سيد قبيلة الرعاة إلى شخص يدعي الجهاد أشبه بأيمن الظواهري أو بن لادن وهو على مشارف الموت دون وجود أية مقدمات أو خبرات في حياته تنبئ عن هذا التحول.

الدراما منحت سليمان شاه صفات لم يعرف بها تاريخيا ومنها الشجاعة فصنعت من الرجل الذي هرب بقبيلته من كردستان إلى الأناضول بطلا يتصدى لمؤامرات منظمة فرسان الهيكل الصليبية.

راعٍ بلا ماشية
لم يستطع صناع المسلسل إخفاء احتقارهم للرعي لكنهم لم يستطيعوا إخفاء حقيقة أن قبيلة العثمانيين كانت مجرد مجموعة من الرعاة حتى عهد عثمان بن أرطغرل الذي اعتمد بشكل أساسي على الغزو والنهب.

لم يظهر سليمان شاه مرة واحدة في المسلسل وهو يناقش مسائل الرعي والقطعان مع سادة القبيلة، لم يتحدث مرة واحدة عن امتلاك قطيع من الماشية هو أو أبناؤه وهو أمر مخالف للتاريخ فكيف يكون سيد قبيلة رعوية مجردا من أية ملكية وعلام استحق السيادة إن كان فقيرا معدما.

أرطغرل هو الآخر مثل والده لا يذكران أمور الرعي لكنهما يتحدثان عن قضايا العالم الإسلامي، في مرات كثيرة يخطب سليمان شاه في القبيلة عن خدمة العالم الإسلامي وكثيرا ما دافع عن مغامرات ابنه أرطغرل ضد الصليبيين رغم أنها جلبت المشاكل على القبيلة.

مقابل سليمان شاه صاحب الخطاب القومي يتبنى سادة القبيلة خطابا قبليا ضيق الأفق ويهتمون بأمور القطعان والأمن وتجنيب القبيلة مشاكل لا طاقة لهم بها. 

الخيط الوهمي الذي وضعه صناع المسلسل لربط قبيلة قايي بالتاريخ وهو الحرب ضد الصليبيين يمثل اعترافا غير مقصود بزيف الادعاءات الدرامية عن بطولات أرطغرل ووالده لأن بداية الأحداث قامت على الصدفة فلو لم يقابل أرطغرل حليمة ويدافع عنها ضد الصليبيين لما كانت القبيلة اهتمت بأمور خارج الرعي وصناعة السجاد البدوي.

قائد المجاهدين
العالم كما يحلم به إردوغان هو دراما أرطغرل حيث أسلافه أصحاب أمجاد وبطولات ولهم مستقبل واعد. سليمان شاه تحول إلى مجاهد ضد الصليبيين بدأ بدعم بطولات ابنه أرطغرل وكفاحه ضدهم ثم قرر قيادة جيش القبيلة بنفسه لهدم قلعة فرسان الهيكل.

أرسل سليمان شاه الجواسيس لمراقبة القلعة بعد أن نجح ابنه أرطغرل في معرفة مكانها السري، حشد سليمان فرسان القبيلة ووزع المهام وخطب في المقاتلين ثم سار بجيشه وحاصر القلعة.

بفضل مساعدة داخلية تلقتها القبيلة من داخل القلعة عن طريق إيزادورا والفارس كلاوديوس الذي تحول للإسلام حصلت القبيلة على خريطة الأنفاق أسفل القلعة ونجحت في اقتحامها وفتح البوابة.

دخل جيش قبيلة قايي القلعة وانتصر على الصليبيين وحصل على غنائم كبيرة، بعد النصر صلى سليمان شاه بالمقاتلين صلاة الشكر في القلعة الصليبية ووزع الغنائم وصلى على الشهداء وخطب قائلا: "إن انتصار اليوم أنقذ المسلمين من خطر حملة صليبية وأخر إمكانية تجهيز حملة جديدة إلى 60 عاما".

اكتملت بذلك صورة المجاهد كما نقلها صناع المسلسل من كتب التاريخ وهي صورة صادقة إلا أن سليمان شاه لم يكن له نصيب منها إلا على شاشات التلفزيون.

طار صيت سليمان بعد الانتصار المزعوم وأثنى ملوك وأمراء المسلمين عليه وعلى أولاده لكن لم يكلف أحد من المؤرخين نفسه عناء تسجيل هذا النصر الباهر على ورقة أو في كتاب تاريخ.

العزيز أمير حلب وحفيد صلاح الدين الأيوبي القاهر الحقيقي للصليبيين زار بنفسه مخيم قبيلة قايي ليقدم التهاني والشكر لزعيمها سليمان شاه على النصر الذي حققه وعلى الخدمة العظيمة التي قدمها للإسلام، والأكثر افتراءً أن سليمان شاه لم يخرج بنفسه لاستقبال العزيز بل انتظر في خيمته ودخل أمير حلب كأنه سيد بدوي جاء ليحدث سليمان عن ضياع ماشية من قطيعه.

بالطبع لأن تلك الأحداث لم تقع إلا في خيال المؤلف الذي يكتب وفق توجيهات إردوغان.

بطل من ورق
بعد هذا الانتصار الأسطوري دبت الحماسة بين القبائل التركمانية وقررت عقد اجتماع لبحث مستقبل الشعب التركي وصد الخطر المغولي أسوة ببطولة قبيلة قايي.

رئيس الاجتماع كان السيد سليمان شاه وابنه أرطغرل اللذان نجحنا في إقناع سادة القبائل المترددين في حسم رأيهم وتأييد تحرك القبائل التركية إلى الأناضول والاتحاد على صد الخطر المغولي.

سليمان شاه تحدث عن النصر الذي أحرزه ضد الصليبيين وتبعه أرطغرل والطريف أن خطاب المسلسل تحول إلى نبرة القومية التركية بدلا من نبرة الإسلام لأن الأخيرة تحتم على الاجتماع التوجه إلى بغداد لإنقاذها من الخطر المغولي القريب منها.

تغير خطابات المسلسل أمر اعتاده المتابع للشأن التركي فالرئيس إردوغان أستاذ في تغيير الأقنعة فتارة يلعب بالقومية وأخرى بالدين وثالثة بالديمقراطية وهكذا.

سادة القبائل تهنئ سليمان شاه وأولاده بالنصر الذي جعل قصور الحكام في القاهرة وبغداد وحلب ودمشق تلهج بالثناء عليهم.

هكذا بجرة قلم أضاف المؤلف محمد بوزداغ بطولة وهمية جديدة ومجدا مكذوبا إلى جد العثمانيين الذي لم يعرفه التاريخ إلا باسم نكرة على ضريح في أرض سورية.

مسمار جحا
في قرية أشمة في محافظة حلب السورية يوجد ضريح يدعي الأتراك أنه مقام على قبر سليمان شاه، لا توجد دلائل على صدق هذا الزعم لكن التاريخ العثماني الرسمي فرض تلك المقولة وتم تأكيدها بتجديد الضريح في عهد الاحتلال العثماني إلا أن هناك شكوكا عديدة حول هوية صاحب الضريح.

بموجب معاهد أنقرة عام 1921 بعد جلاء الاحتلال العثماني وفي عهد الانتداب الفرنسي على سورية وقعت الأخيرة معاهدة تنازلت خلالها عن المنطقة المقام عليها الضريح لتركيا وأصبحت أرضا ذات سيادة تركية في خطوة لا تفسر إلا بمقولة "منح من لا يملك لمن لا يستحق" وتفسر الخطوة بأنها محاولة فرنسية لكسب ود جمهورية تركيا الناشئة.

تم نقل الضريح مرتين والأخيرة في موقعه قرب الحدود. حياة سليمان شاه في المسلسل انتهت بكذبة كما بدأت بنفس الأسلوب فبدلا من أن يلقى حتفه أثناء عبوره أحد الأنهار وهو يهرب من المغول جعله المسلسل يلقى حتفه أثناء عبور النهر لكن ليس غرقا.

مات سليمان شاه التلفزيوني موتة طبيعية لكن على ضفة النهر فلو غرق ربما لن يعثر أتباعه على الجثة فجعل المخرج الموت على ضفة النهر للتأكيد على وجود الجثة التي تم دفنها.

وبدلا من الفرار من المغول جعل المخرج سليمان شاه يموت وهو عائد من اجتماع نجح خلاله في توحيد القبائل التركمانية على التصدي للمغول، هكذا انتهت حياة ثرية في الدراما ولا قيمة لها في التاريخ.

Qatalah