يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كانوا أسبق إلى التطهير العرقي وذبح المسلمين كالخراف، وربما أكثر دموية من قوات ميلوسوفيتش المتوحشة في البلقان، بأكثر من 100 عام، حين سجل جنود الخلافة العثمانية  في سجلهم الأسود تاريخ مذبحة ضد "أبناء دينهم" في ألبانيا، فقط لأنهم طالبوا بالحرية والاستقلال ورفض التخلي عن أرضهم لجارتهم "الجبل الأسود"، إرضاء لنزوات سلطان إسطنبول. 

بأوامر من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، تسابق الجنود الأتراك بقيادة درويش باشا لقتل الألبان، أعدموا 1500 شاب ورجل رميا بالرصاص، وهدموا البيوت على رؤوس الأطفال والنساء ليصل عدد القتلى والجرحى إلى 2500 شخص في خلال أيام قليلة.
أذل الباشا العثماني الناجين من المذبحة بإحراق محاصيلهم، والتنكيل بهم وتعذيبهم بطرق وحشية، ونجحت محاولته في تجويعهم، ليتم إجبارهم في نهاية الأمر على توقيع وثيقة الاعتراف بالسيادة العثمانية على أراضيهم المحروقة. 

تفتيت ألبانيا 
ظفرت بعض الشعوب البلقانية الخاضعة للدولة العثمانية منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر بالاستقلال التام مثل اليونان، والبعض الآخر بالاستقلال الذاتي مثل الصرب ورومانيا وبلغاريا،  كما خلقت الحرب الروسية العثمانية (1877 - 1878) تغيرات جذرية على الخريطة السياسية لشبه جزيرة البلقان، ففي معاهدة سان ستيفانو التي أملتها روسيا على العثمانيين في 3 مارس 1878، منحت روسيا أجزاء من الأراضي الألبانية إلى بعض الدول البلقانية الحديثة. 
تحركت المشاعر الألبانية القومية لتنتهج سياسة "وحدة الصف والهدف" للدفاع عن وطنهم وحقوقهم، وتشكلت لجان في أنحاء البلاد للاحتجاج على المعاهدة التي اقتطعت مساحات شاسعة من أراضيهم، وأصبح مقر المقاومة مدينة بريزرن في إقليم كوسوفو الذي أصبح جزءا من يوغوسلافيا فيما بعد.
في يونيو 1878 اجتمعت نخبة من مسلمي شمال البلاد من كبار الملاك الإقطاعيين المحافظين والنبلاء إضافة إلى مندوبين من الجنوب بينهم عبد اللاه الفراشيري محرك الروح القومية آنذاك، وأسسوا "رابطة بريزرن" أو العصبة الألبانية التي طالبت باسترداد الأراضي الألبانية التي تنازل عنها السلطان عبد الحميد إلى الصرب، ورفضت تقسيم السلطان  للإقليم إلى أربع ولايات هي يانينا، وموناسير، وأسكوب، وإشقودره، مما أدى إلى مزيد من التفتيت بعد أن كان من قبل ولاية واحدة، هي الأرناؤوط (أرناؤد لق إيلي) لكن عبدالحميد فرض عقوبات اقتصادية على ألبانيا لترضخ لسياساته المستبدة.

مقاومة مشروعة 
قررت العصبة الألبانية تكوين لجان في مدن أخرى خاصة في شكودور لمواجهة اجتياح الجبل الأسود للبلاد، واتفق الزعماء الألبان على اتخاذ خطوتين عمليتين: مساندة مبدأ تكامل أراضي الإمبراطورية العثمانية ووحدتها في مؤتمر برلين، والثانية تقديم التماس للسلطان ليوافق على توحيد الولايات ومنحها الحكم الذاتي، لكن مطالبهم المشروعة قوبلت بالرفض.
قاوم سكان "جيسنجه" و"بلافا" ضم بلادهم إلى إمارة الجبل الأسود، وفقا لمعاهدة برلين 1878، وانضمت إليهما عشيرة ميرديته بقيادة زعيمها بيب دودا، ليصدر السلطان عبدالحميد أوامره إلى درويش باشا بإجلاء الألبانيين عن مدينة دولكنيو وإخلاء الساحل الألباني في المنطقة التي حددت لإمارة الجبل الأسود.

التهجير 
عانى الألبان أثناء التهجير من عمليات قمع وحشية وقتل المئات منهم على يد الجنود الأتراك الذين نهبوا ممتلكات السكان بحجة تحصيل نفقات التهجير، وتعرض الألبان لأكبر موجة من الإجلاء عن وطنهم كما فرضت عليهم الضرائب الباهظة ، وعجزوا عن السداد مطالبين بتخفيضها الأمر الذي رفضه السلطان فأرسل جيشا للمرة الثانية بقيادة درويش باشا في العام 1881 فأحكم قبضته على المنشآت والممرات الجبلية.

الانتقام من ميرديته 
استياء عبدالحميد من عشيرة ميرديته المعارضة لحكمه، جعلته يأمر درويش باشا بالقبض على بيب دودا، فوجه الدعوة إليه لزيارته في إحدى السفن الحربية العثمانية الراسية في مياه سان جيوفاني دي ميديوا، ليتم القبض على بيب دودا ونفيه إلى الأناضول، فقضى 28 عاما في كاستا موني.
بعد القضاء على زعيمها دبر السلطان لإبادة عشيرة ميرديته، فأنشأ قوة عسكرية من الجندرمة عرفت باسم "ميرديته زبطية" مهمتها تركيع الألبان، فتم القبض على المعارضين ونفيهم إلى خارج الأراضي العثمانية، وتهاجم الميليشيات القرى والمدن التركية وتقوم بإعدام مئات الشباب يوميا في الساحات أمام ذويهم، وإحراق المحاصيل وهدم البيوت وحفلات التعذيب وإخضاع السكان للتجويع لإجبارهم على الاعتراف بالسيادة العثمانية.

Qatalah