يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عجزت القبائل التركية البدوية في إنتاج حضارة، اعتمدت على سلب الثقافات المجاورة لتصنع هجينا من اللغة والفنون والإبداع المقلد، تنقلت بين الأديان الوضعية والسماوية لتتمكن من احتلال الشعوب والسيطرة على ثرواتها، لفظت العلوم وروجت للخرافة والشعوذة، وتفوقت في أمر واحد فقط: المذابح وإراقة الدماء وإزهاق ملايين الأرواح ونشر الخراب والفوضى في العالم.

الأفغاني: أفقر الألسنة 
أسباب كثيرة حالت دون تحول القبائل التركية من البداوة إلى التحضر في مقدمتها اللغة، فلم يمتلك الأتراك مخيلة بإمكانها ابتكار لغة خاصة بهم، بل وظلوا أسرى للثقافات المجاورة لهم، الأمر الذي جعل الأبجدية التركية غير مستقرة وتمر بحالات عديدة من التغيير.
يقول حسام البهنساوي في كتابه "اللغات السامية: دراسات في النشأة والخصائص والفصائل": تأثرت اللغة التركية على مدار تاريخها باللغات القريبة والمجاورة كالفارسية والعربية، إضافة إلى اللغات الأوروبية مثل الإيطالية والفرنسية.
استخدم الأتراك الأزارقة الأبجدية الأرخونية التي تتألف من 38 حرفا وتكتب من أعلى إلى أسفل ومن اليمين إلى اليسار، وهي مشتقة من الكتابة الصينية، وتم استعمالها من القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي إذ حلت محلها الأبجدية الأويغورية المؤلفة من 14 حرفا بوصفها مقتبسة من الأبجدية السريانية النسطورية التي انتقلت إلى الأتراك بواسطة الرهبان النساطرة وفق ما ذكر أحمد النعيمي في كتابه "النظام السياسي في تركيا".
مع اعتناق الأتراك الإسلام خضعوا للثقافة العربية ليبدأوا الكتابة بحروفها اعتبارا من القرن العاشر الميلادي مع إضافة عدة حروف من الأبجدية الفارسية ليكونا سويا ما عرف باسم الأبجدية العثمانية.
رغم فشل الأتراك في إبداع أبجدية تناسب لغتهم التي يتحدثون بها، إلا أن ذاتهم المتخمة جعلتهم يظنون أنهم أصحاب ثقافة أصيلة، في حين أن الواقع ينفي تلك المزاعم ويؤكد عكس ذلك، في حين يسخر منهم جمال الدين الأفغاني قائلا: "لو تجرد اللسان التركي من الكلمات العربية والفارسية لكان أفقر لسان على وجه الأرض، وعجز عن القيام بحاجات أمة بدوية، ولولا أنه خليط من ثلاثة ألسنة لما رأينا للأتراك شعراً يقرأ، أو بياناً يترجم عن جنان، وهو في حالته هذه إذا وُزن مع لسان من الألسنة الحية تجده قد خف وزناً وانحط معنى".
ومع إلغاء الخلافة عام 1924 انتقل الأتراك إلى الثقافة الأوروبية وقاموا باستبدال الأبجدية العربية بنظيرتها اللاتينية.

دين الترك.. آداة احتلال
لم تكن الأديان السماوية هدفا تسعى القبائل التركية لاتباعها ولكنها بالنسبة لهم مجرد وسيلة لاحتلال البلاد وتأكيد لسلطتهم على الشعوب التي يحكمونها، الأمر الذي جعلهم يتنقلون من ديانة وضعية إلى أخرى وفق مصلحتهم السياسية إلى أن اعتنقوا الإسلام في نهاية الأمر.
يقول برنارد لويس في كتابه "إسطنبول وحضارة الخلافة الاسلامية": تأثرت القبائل التركية في آسيا الوسطى بالحضارات الكبرى المحيطة بها، ما جعل طوائفهم الرئيسة تدين بالبوذية والمانوية والمسيحية النسطورية.
في القرن الثامن الميلادي فتح العرب الأراضي الواقعة بين نهري سيحون وجيحون ودخل الأتراك الإسلام ونقلوا الخط العربي إلى لغتهم، بينما خالفت أفعال سلاطينهم الشريعة الإسلامية وهم ينشرون الخرافة والشعوذة والدجل بين الرعية، كما استوردت تركيا من العراق الطريقة الرفاعية المعروفة في الغرب بـ "الدراوشة الصارخين"، وفي نهاية القرن التاسع عشر ظهرت حركات قومية تركية اتهمت الإسلام بأنه السبب في حالة الانحطاط التي تعيشها تركيا، وعملوا على التخلص من الإسلام كدين والعربية كلغة وحضارة.
اشتهر الكاتب التركي عبد الله جودت بمعاداة الإسلام والمسلمين، ونشر مقالات عديدة في الصحف تحط من شأن العرب، وتدعو إلى تعظيم الأسلاف الأتراك، وترك محبة صحابة النبي محمد، بل وصل الأمر للدعوة إلى التخلص من الإسلام كدين، كما ذكر جورج أنطونيوس في كتابه "يقظة العرب".
يقول محمد حرب في كتابه "المثقفون والسلطة.. تركيا نموذجا":  تبنت الدولة التركية الحديثة كتاب "العقل السليم" الذي كتبه الفرنسي جي موسليير، وترجمه الدكتور عبد الله جودت،  وصدر عن وزارة التربية التركية - طبعة الدولة عام 1929 م ، وكان لهذا للكتاب مكانة خاصة في تاريخ التغير الأيديولوجي التركي لأن أتاتورك- الزعيم القومي-  قرأ الطبعة، ووضع علامات تحت بعض الفقرات مثل "إن التاريخ يعلمنا أن كل الأديان من اختراع رجال ادعوا أنهم مرسلون من طرف الله، يقولون هذا بلا أدنى خجل"، "منشأ كل الأديان هو الخوف والجهل".
بتلك الطريقة انحرف الأتراك عن الإسلام وتبنوا الإلحاد واتباع المذاهب الغربية فيما يخص الدين ولكنهم لم يأخذوا عنها التفكير العقلاني، واحترام حقوق الإنسان والحريات والتسامح مع الآخر والروح العلمية التي تسود القارة العجوز.

شعب يستورد لغته 
يقول محمد عمارة في كتابه "تيارات الفكر الإسلامي" إن اللغة التركية لغة لا حضارة لها، وتمسك العثمانيين بها بدلاً من التحول للغة العربية كان سبباً في تخلفهم، وعجزهم عن إبداع الآداب والفنون، لغة تبدل أبجدياتها مع كل حضارة تجاورها هي لغة ضعيفة، عاجزة عن التعبير.
عرف العالم الأتراك عن طريق غزواتهم ومذابحهم ولم يعرفهم بالفلسفة مثل الأغريق، أو الشعر كالعرب أو الحكمة مثل الفرس والهنود، وبالتالي فقد كانت حضارتهم تعتمد على المدفع وليس القلم وهو ما جعل إنتاجهم الأدبي ضئيلا للغاية ولا يستطيع الخلاص من التأثر بالثقافتين الفارسية والعربية وسيطرت الأخيرة بصورة واضحة على علمي العقائد والقانون لدى الأتراك، أما الشعر وأدب المجاملة فقد كانت إيران هي من زودت العثمانيين بنماذج أسلوبه، فقد كان الإلمام بالآداب الفارسية من أهم أدوات الباحث التركي. 
وفي الفقه اقتصر دورهم على الحواشي والتعليقات البسيطة، دون إنتاج أحكام خاصة بهم تناسب تغيرات العصر، ما أدى لسيطرة الجمود على العالم الإسلامي في الفترة التي حكمه فيها العثمانيون، ويبرهن هدم مرصد إسطنبول بعد عامين فقط من تدشينه في عهد السلطان مراد الثالث،على مدى التخلف والجهل الذي عاشته الدولة العثمانية.

سطو على نسب الأباطرة
بحث مؤسسو تركيا الحديثة عن أصالة حضارية لأجدادهم فلم يجدوا، فقرروا السطو على تاريخ الآخرين الحضاري، ادعوا صلة نسب بالحيثيين والسومريين، وهي الشعوب التي ظهرت في منطقة أعالي الفرات وجنوبي شرق الأناضول قبل نحو 4 آلاف سنة.
يقول حاقان ياووز في دراسة بعنوان "العلاقات التركية - الإسرائيلية من منظور الجدل بشأن الهوية التركية": "في محاولـة لبناء أمـة متجانسة مـن مزيج مـن المجموعات الإثنيـة، كـان الأيـديولوجيون الكماليون مهتمين بالاعتماد على ماضي الحيثيين والسومريين في الأناضول، أكثـر مـن اهتمـامهم باستخراج المصادر الثقافية للذات التركية من التراث العثماني".
لم يكن هذا النهج جديدا على الأتراك، فقد ادعى السلطان بايزيد من قبل صلة نسب بينه وبين الأباطرة اليونان العظام، ولقب نفسه بسلطان الروم، في محاولة لتخطي ما درج العثمانيون على تعريف أنفسهم به أنهم أمراء الثغور، إلى صفة حاكم إمبراطورية إسلامية في العالم القديم، ووريث أمجاد سلاطين قونية السلاجقة، ليرث الأباطرة المسيحيين الذين حكموا الدولة البيزنطية اليونانية في الأزمان القديمة. 

نهب المكتبات العربية
لم يعرف الأتراك التنظير السياسي أو فلسفة الحكم، سيطر نموذج القائد القبلي المستبد على الحكم، الأمر الذي يفسر مدى المعاناة التي عاشها العرب في ظل سيطرتهم على بلادهم بوصفهم يعتمدون على فقه ما يعرف بشرعية المتغلب بالقوة وليس الشورى والبيعة التي عرفها العصر الذهبي للإسلام.
لم يكتف الأتراك بسرقة ثروات البلاد العربية بل نهبوا حضارتها، وثقافتها، ونقلوا العلماء والفنانين والحرفيين إلى إسطنبول، فتضاءلت مكانة المدن العربية.
احتل العثمانيون مصر عام 1517، سيطروا على خيرات البلاد، ووضعوا أيديهم على المكتبات، ونقلوا المخطوطات والمجلدات إلى إسطنبول. يقول ابن إياس: ثم إن الوزراء استدرجوا لأخذ الكتب النفيسة التي في المدرسة المحمودية والمؤيدية والصرغتمشية وغير ذلك من المدارس التي تضم الكتب النفيسة ونقلوها عندهم ووضعوا أيديهم عليها".
600  فنان من خيال الظل أخذهم معه سليم الأول إلى إسطنبول مما حرم مصر من فنانيها المسرحيين.
وفي المدن العربية نهبت مكتبات حلب ودمشق وغزة والحجاز والمدينة واليمن وتمتلك تركيا الآن 250 ألف مخطوط 80% منها باللغة العربية، ما يدل على أن تخريب المكتبات بداية مرحلة مظلمة من تاريخنا، وهدم متعمد للذاكرة الحضارية العربية، كما ذكر حلمي النمنم في كتابه "جذور الإرهاب: احتلال سليم لمصر".
أما العمارة التي عرفتها بعض المشاريع العثمانية فقد كانت خليطاً من الفارسية والبيزنطية، حتى أن أشهر المهندسين الذين عرفتهم الدولة العثمانية وهو سنان باشا المولود عام 1512م، لم يكن تركيا، بل كان مسيحيا من سكان الأناضول، تم أخذه عبدا للأتراك وفق نظام الدوشرمة، كما ذكر برنارد لويس في كتابه.

Qatalah