يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


21 أكتوبر 2018 أميركا وتركيا.. تقارب أم تعايش المصالح؟

نجحت سياسة العصا التي تنتهجها إدارة الرئيس ترامب في إجبار تركيا على الإفراج عن القس الإنجيلي أندروا برانسون المحتجز لديها منذ عامين بعد تحدٍ من جانب إردوغان لفترة كبيرة, وكشفت في المقابل حجم التناقضات في السياسة الخارجية التركية, فرغم التأكيدات المتكررة من جانب إردوغان بعدم الإفراج عن برانسون باعتباره إرهابيا له علاقة بحركة عبد الله غولن التي يتهمها بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية في عام 2016 وبعلاقته بحزب العمال الكردستاني, وأن القضاء التركي مستقل, إلا أنه تراجع أمام الضغوط الأميركية الكبيرة خاصة بعد العقوبات الاقتصادية التي فرضتها في شهر سبتمبر الماضي برفع الرسوم على الصلب والألومنيوم التركي بنسبة 50% وأدت إلى فقدان العملة التركية الليرة لـ40% من قيمتها, كما أن عملية الإفراج ألقت بعلامات استفهام حول القضاء التركي وكشف زيف استقلاليته خاصة بعد التعديلات الدستورية التي أتاحت لإردوغان تعيين أربعة من أعضاء مجلس القضاء الأعلى, حيث أصبح القضاء التركي أداة في أيدي إردوغان يستخدمه لأغراض سياسية خاصة في قمع المعارضة تحت مظلة ودعاوى المحاولة الانقلابية الفاشلة.

قضية برانسون كشفت حجم الأزمة في العلاقات الأميركية ـ التركية, فاحتجاز برانسون وتزايد لغة التصعيد من جانب واشنطن ضد تركيا كانت عرضا للأزمة العميقة بين البلدين, خاصة في ظل إدارة ترامب, فالعلاقات شهدت توترات كبيرة نتيجة للعديد من الملفات والقضايا أبرزها تصدع التحالف الاستراتيجي الذي جمع الولايات المتحدة وتركيا لفترات كبيرة ضمن مظلة حلف الناتو ووجود القاعدة العسكرية الأميركية انجيرليك في تركيا، التي لعبت دورا مهما في الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وقبلها الحرب على طالبان في أفغانستان عام 2001, وكان توجه إردوغان نحو التحالف مع روسيا وابتعاده عن التحالف الغربي أحد الأسباب الأساسية وراء هذا التصدع, والذي زاد بشكل كبير بعد مساعي أنقرة للحصول على صفقة الصواريخ الروسية المتقدمة اس 400 والتي تعتبرها واشنطن انتهاكا للعقوبات العسكرية المفروضة على روسيا بسبب تدخلها في الانتخابات الأميركية والأزمة الأوكرانية.

ملف سورية شكل أحد أبعاد الأزمة الأميركية التركية, في ظل تقلب وتحول المواقف التركية من التحالف مع الولايات المتحدة والدول الغربية إلى التقارب مع روسيا ومحاولة تقرير مستقبل سورية وإدارة التفاعلات العسكرية عبر جولات الاستانة وإنشاء مناطق خفض التصعيد, ورسم مسار الحل السياسي بعيدا عن الولايات المتحدة, لكن رهان إردوغان واجه بتحدي الملف الكردي ودور الولايات المتحدة التي تمتلك قواعد عسكرية في منطقة شرق الفرات واعتمادها على الأكراد في محاربة تنظيم داعش وتحجيم التمدد التركي ووقف مخططها بمهاجمة مدينة منبج، حيث أبرمت اتفاقا مع تركيا في يونيو الماضي بتسيير دوريات عسكرية مشتركة وإخراج وحدات حماية الشعب الكردي, المكون الرئيس لقوات سورية الديموقراطية من المدينة, لكن تأجل تنفيذ الاتفاق, كما أعلن إردوغان نفسه الأسبوع الماضي, بما يعكس محدودية الخيارات التركية في التعامل داخل سورية دون التنسيق مع الولايات المتحدة, التي في المقابل لديها شكوك في تركيا واتجهت نحو الاعتماد أكثر على الأكراد.

أيضا الملف الإيراني يمثل أحد الملفات الشائكة في العلاقات الأميركية ـ التركية, خاصة في ظل التناقض الكبير في المواقف من إيران, فالولايات المتحدة تنتهج سياسة متشددة تقوم على ممارسة أقصى الضغوط على النظام الإيراني بعد الانسحاب من الاتفاق النووي ثم فرض العقوبات الاقتصادية, وذلك لمواجهة الخطر الثلاثي الإيراني المتمثل في امتلاك إيران السلاح النووي وتطوير برنامجها الصاروخي الباليستي ودعمها للإرهاب في المنطقة عبر أذرعها الإرهابية مثل حزب الله والحوثيين في اليمن والميليشيات في سورية والعراق, وفي المقابل ترفض تركيا الالتزام بالعقوبات الأميركية خاصة في مجال النفط, وسعت لدى الإدارة الأميركية للحصول على إعفاءات من تطبيق العقوبات مع فرض الموجة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران في نوفمبر المقبل والتي ستشمل صادرات النفط الإيراني, وقد رفضت واشنطن منح تركيا هذه الإعفاءات وهو ما يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد التركي في ظل العلاقات التجارية الكبيرة بين تركيا وإيران.

إشكالية السياسة التركية التي ينتهجها إردوغان هي محاولة المزج بين المتناقضات, مثل التحالف مع قطر والتقارب مع الدول الخليجية الأخرى في ذات الوقت, كذلك الجمع ما بين تحالفه التقليدي مع أميركا وفي ذات الوقت بناء تحالفات وشراكات مع خصوم أميركا خاصة روسيا وإيران, وهو ما ترفضه الولايات المتحدة التي تعتبر أن تركيا لم تعد الحليف الاستراتيجي التقليدي, كما أن روسيا لجأت إلى التحالف مع تركيا لاعتبارات مصلحية وقتية في محاولة لموازنة النفوذ الأميركي وإبعاد تركيا عن الغرب، لكن من الصعب أن يصبح تحالفا استراتيجيا دائما.

منهج إردوغان في التحالف مع المتخاصمين وضعه محل شك وريبة مع كل الأطراف ويعكس رهاناته الخاسرة, ولذلك فإن الإفراج عن القس الأميركي قد يؤدي إلى منع التصعيد مع الولايات المتحدة لكنه لن يؤدي إلى تطبيع العلاقات أو عودة التحالف الاستراتيجي التقليدي في ظل استمرار العديد من الملفات العالقة بين البلدين وستظل العلاقة في إطار تعايش المصالح.

نقلا عن "الأهرام"

Qatalah