يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في واحدة من زياراته المتكررة إلى طرابلس، وأمام وسائل الإعلام، قال نائب رئيس الوزراء في الحكومة التركية، أمر الله إيشلر، إن دوره في ليبيا يتمثل في إحلال السلام وتأمين الاستقرار، يقول هذا، بينما تمدّ حكومته الميليشيات الإرهابية بالسلاح، وترسل جنرالاتها لإدارة المعارك ضد الجيش الليبي.

اسم إيشلر برز كأحد رجال الدائرة الصغيرة حول الرئيس التركي، رجب إردوغان، فهو نائب رئيس مجلس الوزراء منذ 2013، وعمل مترجما شخصيا لرجب للغة العربية، وكأكاديمي كان ولا يزال أحد أهم المنظرين الأساسيين لفكر العثمانية الجديدة، لذا لم يكن غريبا أن يمنحه ملف الأزمة الليبية التي تشهد تدخلا تركيا فجا منذ العام 2011.

إيشلر الرجل المسؤول عن توفير الدعم التركي لميليشيات طرابلس، ومدها بالعتاد بل وإدارة غرفة عمليات المعارك ضد قوات الجيش الوطني الليبي، ويلعب إيشلر دوره من خلال منصبه الرسمي كمبعوث تركيا إلى ليبيا بداية من العام 2014.
كثعبان يرتدي ثوب الحملان، يتحدث إيشلر عن السلام، ودعم الحكومة والبرلمان الليبيين، حتى إنه نظم زيارات إلى طبرق حيث قابل أعضاء البرلمان المنتخب ورئيسه، والذي يعد الخصم الرئيس لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، إخوانية الهوى والتي تدعمها أنقرة ماليا وعسكريا ودبلوماسيا.

رعاة الإرهاب
في مؤتمر باليرمو لأصدقاء ليبيا نوفمبر الماضي، أعلن إيشلر انسحاب بلاده، بزعم أن المؤتمر جاء مخيبا للآمال، بعد أن فشلت دولته في فرض إرادة الإخوان واختطاف ليبيا وسرقة مواردها من النفط والغاز.
إيشلر كشف عن وجهه الحقيقي مع انطلاق عملية الكرامة للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، التي تهدف إلى تطهير البلاد من عار الإرهاب، بتخليص طرابلس من سيطرة الميليشيات المدعومة إخوانيا وتركيا، إيشلر لم يتمالك نفسه أمام الانتصارات الميدانية، التي أكدت قرب انهيار المشروع التركي العثماني في ليبيا فخرج يهذي.

إيشلر الذي يحتفظ بعضوية حزب "العدالة والتنمية" وعضوية البرلمان التركي، قال مطلع يوليو الجاري إن "قائد الجيش الليبي، خليفة حفتر، يسعى لإجهاض الحلول السياسية، وأن تطرفه وصل لحد الإرهاب.. فقواته عبارة عن ميليشيات"، بحسب ما نقلت وكالة الأناضول التركية الرسمية.

ذراع إردوغان
إيشلر يمتلك سجلا كبيرا في خدمة إردوغان، جعل الأخير يثق به ويحمله ملف ليبيا، فالقيادي الحزبي ولد العام 1960، في أحد أحياء العاصمة أنقرة، وحصل على ليسانس العلوم الإسلامية ليحصل على الدكتوراة في تخصص التفسير من جامعة أنقرة، أصبح بعد ذلك مدرساً بقسم التفسير في كلية العلوم الإسلامية الأساسية بجامعة جمهورييت، فأستاذا مساعدا ثم بروفيسورا بقسم اللغة العربية بكلية التربية في جامعة غازي.

آمن إيشلر منذ البداية بأفكار العثمانيين الجدد، وإعادة إحياء الإمبراطورية المقبورة عبر سياسة عدوانية تبتلع أرض الجيران، لذا لم يكن غريبا أن يجد نفسه في حزب العدالة والتنمية الذي تأسس في العام 2001، ويترشح لعضوية البرلمان على قوائم الحزب في أنقرة العام 2013، ليصبح بعدها عضواً بمجلس العلاقات الخارجية للبرلمان.

إيشلر واحد من كبار مستشاري إردوغان منذ 2006، وأصبح نائب رئيس الوزراء في حكومة إردوغان العام 2013، بعدها تمكن من الوصول إلى منصب رئيس مجلس التعليم الوطني والشباب والرياضة، بجانب كونه المبعوث الخاص بليبيا منذ العام 2014.
معرفة إيشلر الجيدة بالعربية، جعلته رجل إردوغان في ملفات التسلل إلى الدول العربية، لذا كان طبيعيا أن يكون رئيس هيئة الصداقة التركية السودانية، والتي كانت أحد أبرز أدوات أنقرة للتغلغل في الخرطوم، عبر مطية تركيا الرئيس الإخواني عمر البشير.

جهود إيشلر تكللت بتوقيع اتفاقيات حولت السودان إلى باحة خلفية لتركيا عبر الاتفاق على تأسيس قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن السودانية، لكن ثورة شعب النيلين مطلع العام الجاري نسفت إنجازات إيشلر في السودان عقب الإطاحة بنظام البشير العميل، لكنه حاول مجددا التدخل في الشأن السوداني ومحاولة مغازلة النظام الجديد لكنه قوبل بالرفض.

داعم للإرهاب
موقف إيشلر المؤيد للإرهاب الإخواني يبدو متسقا مع تصريحاته السابقة التي تغنى فيها بالإرهاب الداعشي، فالرجل غير البعيد عن أفكار جماعة الإخوان لم يفوت فرصة إلا وعبر فيها عن تشدده وتطرفه، فبحسب صحيفة سوزجو العام 2014، نشر إيشلر عدة تغريدات صادمة عبر فيها عن دعمه لداعش مقابل ما سماه "جرائم" حزب العمال الكردستاني.

إيشلر نشر دعماً لهجمات داعش على مدينة كوباني السورية ذات الأغلبية الكردية، فقال في إحدى تغريداته التي يأسف فيها لموت أحد عناصر داعش :"ما ذنب هذا الشاب كي يموت بهذا الشكل؟ لماذا لم يعطوه الماء؟ إن داعش يقتل لكنه لا يعذب!".

أثارت تغريدات إيشلر ردة فعل كبيرة خاصة أنه مسؤول رسمي في الدولة، وارتكب خطأ كبيرا بكشف طبيعة تحالف إردوغان مع داعش وجبهة النصرة لتفكيك سورية والعراق، ما أجبره على التراجع ليعود ويؤكد أن داعش منظمة إرهابية، وأنه ما غرد إلا لكونه يتمنى كل الخير والسلام لتركيا، فأي سلام يقصده إيشلر قد يأتي من خلف دعم داعش!

ضد جولن 
أدوار إيشلر لم تقتصر على التدخل في الشأن العربي ورعاية المنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط، بل إن إردوغان أوكله بمهمة أخرى تتعلق بمطاردة خصمه السياسي الداعية الديني فتح الله جولن، بعدما انقلب على صديق الماضي القريب وحليف الأمس، وحوله بين ليلة وضحاها إلى شيطان تركيا الأكبر.

إيشلر كعادته نفذ أوامر سيده على أكمل وجه، وشن هجوما إعلاميا على جولن العام 2013، بحسب صحيفة "تورك 24"، ونشر نائب رئيس الوزراء على مواقع التواصل الاجتماعي هجوما على جولن بزعم أنه يشن حربا على الأمة التركية التي يتم اختصارها في إردوغان وحزبه، يقول إيشلر: "دعونا لا ننسى أنه أثناء الحرب قام العدو - يقصد جولن وجماعته - الذي لا يعطينا فرصة لأداء الصلاة، بالدعاء علينا، نحن أمة محمد".

التغريدة الأهم والتي مسحها إيشلر كانت مثيرة للاهتمام حيث كشف عن خطة إردوغان للقضاء على حركة الخدمة، فغرد: "قمتم يا ناكري الجميل بطعن رئيس الوزراء (إردوغان) في الظهر، وهو الذي سمح لكم طوال 11 عاما بالتوسع والظهور". التغريدة تم مسحها فورا لكنها كانت كاشفة عن دعم إردوغان وحزبه لحركة الخدمة، ثم انقلابهم عليها.

إيشلر هاجم كذلك المدعي العام زكريا أوز لنظره قضايا الفساد التي تورط فيها إردوغان وأبناء وزراء ومقربون منه، لكن الأخطر أنه توعد القضاء التركي بعملية تطهير وتنظيم واسعة، فبحسب صحيفة إف5 هابير التركية العام 2014، تحدث إيشلر أثناء زيارة له في منطقة تشوبوك بأنقرة عن تهديد المحققين في وقائع الفساد التي ادعى أن الحكومة تبذل جهداً في محاربته منذ 11 عاماً قائلاً :"تخطى المجلس الأعلى للقضاء (HSYK) سلطاته، عندما كان من الضروري أن يقوم بدورة وفقاً للقانون، وجدنا المجلس الأعلى للقضاء يحاول تخطي صلاحياته بالمخالفة للقانون"، وذلك بعد الكشف عن قضية الفساد الكبرى العام 2013.

إيشلر كان من طليعة المروجين لوجود الكيان الموازي "جماعة جولن"، وعن طريق ذلك برر تدخلات الحكومة في عمل القضاء فحسب صحيفة إن سون هابيرعام 2014 قال: "نعدل قانون المجلس الأعلى للقضاء وأجرينا كذلك بعض التعديلات في تشكيله، كما أننا نقوم الآن بالقضاء على عناصر الكيان الموازي في الشرطة والجهاز الإداري، من الآن فصاعداً ستكون منظومة العمل مختلفة!".

الجدير بالذكر أن حكومة العدالة والتنمية عزلت أكثر من 291 قاضيا وأكثر من 3 آلاف و659 مدعيا عاما حتى عام 2017 فقط بحسب صحيفة أكشام، وذلك على خلفية اتهامهم بالانتماء لحركة الداعية جولن، كما قامت بحبس مسؤولي قضية الفساد التي تفجرت عام 2013 بنفس التهمة.

 

مؤهلات وهمية
ولكي تكتمل صورة إيشلر، لم تمر شهاداته الأكاديمية التي يتفاخر بها مرور الكرام، إذ فجر الكاتب الصحافي أوغور مومجو بصحيفة أيدنلك العام 2014، مفاجأة حول علاقة كان إيشل برجل الأعمال والإرهابي المعروف ياسين القاضي ممول القاعدة وداعش، وأن إيشلر تعرف عليه عندما كان يدرس بالمملكة العربية السعودية العام 1978، حيث استغل إيشلر تواجده بجانب القاضي لتحقيق مصالحه.

مومجو أكد أنه تبين له من خلال بحث عميق أن إيشلر الذي وصل إلى منصب بدرجة وزير، استغل إمكانات القاضي في تلك الفترة ليتخطى اللوائح الخاصة بمعادلة الشهادات بين جامعات المملكة العربية السعودية والجامعات التركية، حيث منعت اللوائح الخاصة بهذا الأمر معادلة الشهادات التعليمة بين الدولتين إلى عام 1998.

مومجو أبدى تعجبه من كيفية استثناء إيشلر لهذا الأمر، وشكك في مؤهلاته وتساءل متعجباً "في هذه الحالة كيف أمكن لإيشلر أن يصبح بروفيسورا، ولم تكن تركيا تعادل الشهادات من الجهات التعليمية السعودية حتى عام 1998، عليك أن تجد لنا تفسيراً للأمر سيد أمر الله!".

تعيينات المقربين
إيشلر، وحسب وكالة أودا تي في عام 2018 تورط في تعيينات لعدد من المقربين في هيئة أرشيف الدولة وبقرار رسمي من إردوغان كمكافأة له على ما يبدو، فقد تم تعيين أخيه نور الله إيشلر مساعداً لرئيس الهيئة، وكل من محمد أحمد توكدمير وصباح الدين بايرام في الهيئة بمعرفته.

أتيلا كارت، النائب السابق لحزب الشعب الجمهوري كان قد وجه استجوابا في العام 2015 بشأن حادثة مماثلة، حين تم تعيين أيضاً أقرباء لإيشلر، أوغور أونال ودورالي جور أغتش، إلا أن إيشلر نفى تلك الادعاءات، مدعياً عدم وجود صلة قرابة بهما، رغم تأكيدات أتيلا.

 

 

Qatalah