يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اندثرت الدولة العثمانية، ولا تزال لعنات الشعوب التي وقعت تحت سيطرتها، تلاحق حكامها الطغاة الفاسدين، وعلى رأسهم السلطان محمد وحيد الدين السادس، الذي ركع أمام القوى الغربية، بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، ووقع اتفاقية تقسيم الدولة العثمانية، وترك البلاد العربية فريسة سهلة للقوى الاستعمارية، لإنقاذ سلطنته.
على نهج الكهل الخائن محمد وحيد الدين، يسير الديكتاتور المفلس رجب إردوغان، الذي يعيش أحلام العثمانية الجديدة، متوهما قدرته على استعادة أمجاد دولة الجواري والغلمان، وغزو الأراضي العربية في سورية والعراق.
في 27 أكتوبر 2018 احتضن قصر السلطان محمد وحيد الدين، الواقع بمنطقة "تشنغل كوي" في مدينة إسطنبول، قمة رباعية حول سورية، بين رؤساء تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا، لم يكن اختيار هذا القصر صدفة، ولكنها أعراض الإمبراطورية الكاذبة التي يعنيها رجب، باعتباره سلطان القرن الـ21.
ولد وحيد الدين في 14 يناير 1861، وتولى العرش وعمره 56 عاما، بعد أن أمضى منها 50 عاما في سجن أقفاص الأمراء، في قصري "يلدز" و"دولمة باهجة"، بأمر من عمه السلطان عبد العزيز، وبقي في القفص أثناء حكم إخوانه الثلاثة، مراد الخامس، وعبدالحميد الثاني، ومحمد الخامس.
تولى العرش في 4 يوليو 1918 بعد وفاة أخيه محمد الخامس رشاد، وانتحار يوسف عز الدين بن السلطان عبدالعزيز، وولي العهد، وأثيرت شكوك حول تدبيره حادث اغتيال ابن عمه.
 أعلنت الدولة العثمانية استسلامها لجيوش الحلفاء، بعد توليته بشهور، واحتلت الجيوش الغربية أغلب أراضي الدولة، خصوصا في المنطقة العربية.
سيطر البريطانيون على العراق والشام، واحتل الفرنسيون شمالي بلاد الشام، وأنزل الحلفاء قواتهم في إسطنبول والمضايق البحرية، ودخلت البحرية البريطانية والفرنسية والإيطالية ثم الأمريكية إلى القرن الذهبي، في عاصمة الدولة، والتي أصبحت قاعدة لنشاط القوات المنتصرة، في المنطقة كلها، بالإضافة إلى إحكام السيطرة على موانئ البحر الأسود، الفرنسيون احتلوا مرسين وأضنة، والإيطاليون أنطاكية وكوشا داسي وقونية، بينما بسط اليونانيون نفوذهم على القسم الغربي من الأناضول، بالإضافة إلى تراقيا.
 
رأى قادة حكومة الاتحاد والترقي بأعينهم انهيار الجيوش العثمانية، وبات مصيرهم مهددا، بعد انتشار أنباء عن اتفاق سري بين السلطان، وقوات الحلفاء، تقضي باعتقال أعضاء الحكومة ومحاكمتهم، فقدم طلعت باشا الصدر الأعظم استقالته بصحبة أنور باشا، وهرب إلى ألمانيا.
أدرك محمد وحيد الدين أن الخيانة هي سبيله الوحيد للحفاظ على سلطنته المستضعفة، تآمر على الشعوب العربية المسلمة، بالتعاون مع الإنجليز، وأرسل خطابا إلى قوات الحلفاء نصه "إنكم تستطيعون أن تنالوا سورية وبلاد العرب، ولكن كفوا أيديكم عن تركيا".
اتفق السلطان مع حكومة لندن على أن بقاء الدولة التركية ضروري لإحداث توازن بين بريطانيا وفرنسا، من جانب وروسيا من جانب آخر، خوفا من احتلال روسيا لمنطقة الأناضول، ومضيقي البوسفور والدردنيل.
قام العثمانلي المهزوم بتأليف وزارة جديدة، برئاسة توفيق باشا - الصديق الوفي للإنجليز - والتي أرسلت بدورها، وفدا وزاريا إلى مدينة مدروس في بحر إيجة، لمفاوضة لندن على شروط الهدنة، وأرجأ الإنجليز الاجتماع النهائي لمدة أسبوعين، حتى تتمكن قواتهم من احتلال الموصل وحلب.
وقع الوفد العثماني على الهدنة في 29 أكتوبر 1918 على ظهر بارجة إنجليزية في ساحل مدروس، والتي نصت على استسلام الدولة العثمانية، دون قيد أو شرط، وبدأ الأتراك في إلقاء سلاحهم، وبدأت خطة الاحتلال طبقا للاتفاقيات، ووقعت إسطنبول تحت الاحتلال المشترك للحلفاء، بقيادة الأميرال البريطاني "كالثورب".
وبعد هدنة مدروس وصل الجنرال "اللنبي" القائد الإنجليزي إلى إسطنبول، وطلب من الأتراك تعيين مصطفى كمال أتاتورك قائدا للجيش السادس، بالقرب من الموصل، التي احتلتها القوات البريطانية.
كان من أهم شروط الهدنة، تسريح الجيش العثماني، وتسليم سلاحه لدول الحلفاء، فأمر السلطان بإلغاء الفرق العسكرية، وتسليم الأسلحة والذخيرة، حتى تلك التي بالمخازن والمستودعات إلى الجيش الإنجليزى، والذي قام بإرسالها للقوات اليونانية.
تم تكليف مصطفى كمال بالإشراف على تفكيك الجيوش العثمانية بالأناضول، طبقا لشروط الهدنة، إلا أن أتاتورك أعلن العصيان في الأناضول، ضد رضوخ السلطان للاحتلال، وأسس جيش المقاومة، وتحالف وحيد الدين مع الحلفاء، وأسس ما يعرف بـ"جيش الخليفة"، وأرسله لقتال القوات التركية المعارضة للإنجليز، واستمرت المعارك لشهور كانت الغلبة فيها لقوات أتاتورك.
 
معاهدة سيفر
لم تكتف دول الحلفاء بإذلال السلطان الخانع، في اتفاقية مدروس، بل أجبرته على توقيع معاهدة "سيفر"، خاصة بعد توقيع الإمبراطورية الألمانية المنهارة على معاهدة فرساي، وطلبت من إسطنبول إرسال وفد للتفاوض بشأن حدود الدولة التركية.
أرسل السلطان وفدا من أربعة وزراء للتوقيع على المعاهدة وهم: رضا توفيق باشا، والصدر الأعظم الداماد فريد باشا، والسفير رشيد خالص، ووزير التعليم العثماني هادي باشا، مخولين بصلاحيات واسعة من قبل السلطان المنكسر.
عُرضت مسودة الاتفاقية على الوفد العثماني في باريس، بقيادة أحمد توفيق باشا في 11 مايو 1920، والتي اعتبرت شهادة وفاة للدولة العثمانية، حسب تصريح ألكسندر ميلران الرئيس الفرنسي حينها، وأعلن رئيس الوفد أن المعاهدة تتعارض مع قواعد استقلالية الدولة وسيادتها، ولا يمكن القبول بها، لأنها تمهد بوضوح إلى إزالة الدولة العثمانية من الوجود تدريجيا.
أحس محمد وحيد بأن صفقته مع بريطانيا قد فشلت، وأن الحلفاء قرروا الإجهاز على دولته، فأرسل رسالة إلى جورج الخامس ملك بريطانيا، في 27 مايو قال فيها: "تبدي الدولة العثمانية شعبا وحكومة، اعتراضها الشديد على مسودة اتفاقية سيفر، التي تقسم الدولة العثمانية، وتمهد إلى تحجيم سيادتها على الكثير من أراضيها، ولذلك ترجو منكم إعادة النظر في المسودة، مع أخذ العلاقات العثمانية الإنجليزية بعين الاعتبار".
وعلى الرغم من اعتراض السلطان على بنود الاتفاقية، لكنه اضطر للانبطاح مرة ثانية، بعد تلويح وفود الحلفاء، التي تحتل إسطنبول، بإعلان الحماية البريطانية على تركيا، وأرسل للوفد يبلغه بموافقته على الاتفاقية.
وقع ممثلو الدول المنتصرة على المعاهدة، في معرض لأحد مصانع الخزف في سيفر بفرنسا، في 10 أغسطس 1920، وقام الوفد العثماني بتوقيع الاتفاقية باسم الدولة العثمانية، ووقع السير جورج ديكسون غراهام عن بريطانيا العظمى، وألكسندر ميلران عن فرنسا، ولونجاري عن إيطاليا
أصبحت سورية وفلسطين، وبلاد ما وراء النهرين، حسب نصوص المعاهدة، دولا مستقلة، تتولى الوصاية عليها القوات المنتدبة من عصبة الأمم، كذلك تخلت الدولة العثمانية عن وصايتها على دول شمال إفريقيا، وتنازلت عن تراقيا الشرقية لليونان، على أن تكون أزمير والإقليم الأيوني تحت حكم اليونانيين، لمدة خمس سنوات.
كانت مصادقة محمد وحيد على معاهدة سيفر هو المسمار الأخير في نعش الدولة العثمانية، بسبب شروطها القاسية والمهينة، والتي تضمنت التخلي عن جميع الأراضي العثمانية، التي يقطنها غير الناطقين باللغة التركية، وقسمت بلدان شرق المتوسط، حيث خضعت فلسطين للانتداب البريطاني، وسورية للفرنسي.
 
عار النهاية
كان مصطفى كمال أتاتورك يرغب في توقيع معاهدة الاستسلام، وتقسيم الدولة العثمانية بنفسه، طمعا في نيل رضا دول الحلفاء، بعد وعدهم بمساندة الحكومة التي توقع اتفاقا نهائيا، بشأن أراضي الدولة المهزومة.
أعلن أتاتورك رفضه الاعتراف بالحكومة في إسطنبول، متهما السلطان بالخيانة، لقبوله التوقيع على المعاهدة، وشكل حكومة بنفسه في أنقرة، التي اختارها عاصمة جديدة للدولة القومية المزمع إنشاؤها، ثم جمع شتات الجيش المفكك، وبدأ ما يعرف بـ "حرب الاستقلال" ضد اليونان.
وجد محمد وحيد نفسه محاصرا أمام انتصارات قوات أتاتورك، بعد أن نالت حكومة القائد العسكرى اعترافا دوليا، خاصة بعد اعترافه ببنود اتفاق سيفر، ووافق على احتلال فرنسا وبريطانيا للولايات العثمانية، وأصبح طرفا تركيا فاعلا، في المفاوضات التي دعت إليها دول الحلفاء، للتوقيع على معاهدة ترسيم حدود الدولة التركية الجديدة، في مدينة لوزان بسويسرا.
دعت بريطانيا لعقد مؤتمر في لندن لحل المسألة الشرقية، ووجهت الدعوة لحكومتي إسطنبول وأنقرة، لإعادة النظر في معاهدة سيفر، وتسابق محمد وحيد وأتاتورك للفوز بشرف التوقيع على المعاهدة، وقدم كل منهما تنازلات كبيرة، من أجل الاعتراف به كممثل شرعي لتركيا الجديدة.
شهد عام 1922 مناقشات بشأن مستقبل الدولة التركية، بين ممثلي أنقرة وإسطنبول من جهة، ودول الحلفاء من جهة أخرى، وأرسل السلطان وفدا برئاسة توفيق باشا، وشكلت أنقرة وفدا برئاسة عصمت أينونو، وحدثت مناقشات حادة بين اللورد كيرزون وزير الخارجية البريطاني، ورئيس وفد أتاتورك، حين أصرت بريطانيا على إلغاء السلطنة، وإعلان الالتزام بالعلمانية، وإلغاء الخلافة وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، والإبقاء على الموصل بعيدة عن تركيا، كشرط لإعطاء تركيا الاستقلال.
أكد السلطان محمد السادس أنه يكتفي بأراضي الأناضول مقابل الاعتراف بحكومته، لكن أتاتورك تمسك بضم شمال سورية والعراق وتراقيا الغربية، الأمر الذي أدى إلى فشل المفاوضات.
أعلن بعدها أتاتورك الحرب على السلطان، وتقدمت قواته في اتجاه إسطنبول.
اتفق محمد وحيدالدين مع حكومة لندن على تأمين هروبه إلى الريفييرا الإيطالية، وفي 17 نوفمبر 1922 غادر إسطنبول هاربا، كلاجئ على متن بارجة بريطانية، وتوفي في مدينة سان ريمو في 16 مايو 1926، بعد أن كتب بيديه نهاية آل عثمان، بالارتماء في أحضان الغرب، مكللا بعار الخيانة.

Qatalah