يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


 بفرحة، حملت السيدة كولبران مولودتها الخامسة أمينة، ظلت تتأمل عينيها اللامعتين، وتهز سريرا صغيرا يتأرجح بها في غرفة رحبة تفوح منها رائحة الثراء، بمنطقة أسكودار في إسطنبول، بينما تقبض الطفلة على خنصر أمها، ويرقبها والدها جمال، ويتقاسم مع زوجته الابتهاج بأول يوم لابنته في الوجود، محملقا في ورقة توثق يوم 21 فبراير 1955.

لم تنل أمينة قسطا وافرا من التعليم ولم تؤهلها قدراتها لأكثر من شهادة الثانوية بإسطنبول، بعد أن فشلت في إكمال تعليمها بمدرسة مدحت باشا للفنون، لكنها كانت شابة فائقة الجمال طلب ودها كثيرون، وتسابق المتقدمون للزواج منها، لكنها آثرت الارتباط بشاب فقير لا يقارن بمستواها المادي يدعى رجب إردوغان. 
قال هذا الشاب بعد سنوات عن نفسه في مناظرة مع أحد خصومه السياسيين: لم يكن أمامي غير بيع البطيخ والسميط في مرحلة دراستي الابتدائية والإعدادية، حتى أستطيع معاونة والدي وتوفير جزء من مصروفاتي التعليمية.  

المرأة مهيمنة.. مهندس المسار السياسي

منذ ارتباطهما 4 فبراير 1978 وضح على أمينة قوة الشخصية وحب النفوذ أمام زوجها الذي لا يقل أطماعا عنها، فقرر أن يترك لها ساحة إدارة بيته، فضلاً عن إشراكها في خططه الشيطانية.
في نهاية السبعينيات انضم إردوغان إلى "حزب الخلاص الوطني" بقيادة نجم الدين أربكان، ولعبت أمينة دورا في حملاته في عالم السياسة، حتى شهد العام 1994 توليه منصب عمدة بلدية إسطنبول، بعدها بدأ نجمها يلمع في المجال الإعلامي، فكانت مرافقته في كل المحافل، تجلس بكبرياء الواثقة، تتأمل ما يبوح به مما كانت تمليه عليه كل صباح، بينما يلتقط الرجل بعينيه علامات الرضا من وجهها، بدا راضخا انتظارا لمنصب تخططه له وصدقه بخياله الفقير ليكون "خليفة المسلمين".

4 أبناء ونفوذ يتجاوز الحدود 
  
كان محصلة الزواج 4 أبناء "نجم الدين بلال، أحمد براق، وسمية وإسراء"، شربوا من كف الأم، واستطاعت توظيفهم في خدمة سياستها داخل المنزل وخارجه، وما كان أحد منهم ليتخذ قرارا دون استشارتها، مع تغييب منطقي لدور الأب، الذي أصبحت كل مهاراته اتباع تعليمات زوجته المرأة القوية. 
وعلى الرغم مما يقوم به إردوغان من تصرفات عنصرية  ضد العرب، إلا أنه اعتاد استغلال اسم زوجته في إبعاد تلك التهم عنه - ولو زورا - حيث أكد خلال مؤتمر بمدينة سيرت، أن زواجه من سيدة تنحدر من أصول عربية أبلغ رد على عدم عنصريته ضد الذين لا ينتمون للعرق التركي.

أمينة تؤدي أدوارا متعددة للرئيس التركي، وتتصل بشكل مباشر بالدوائر العسكرية والاستخباراتية لحماية زوجها، خاصة في ظل تنامي المعارضة بسبب الظروف الاقتصادية، بالإضافة إلى الأزمات الدولية التي تواجهها أنقرة من وقت لآخر .
من خلال تواصل زوجة الرئيس التركي مع الدوائر الاستخباراتية، سعت لدعمه والحفاظ على حكمه كلما فكر المعارضون في الإطاحة به، لذلك فإن مصير إردوغان مرتبط دائما بنشاطها ومدى تمكنها من التواصل مع دوائر صناعة القرار من العسكريين والجهات الاستخباراتية.

نفوذ زوجة إردوغان لا يقف عند هذا الحد، وما يؤكد تواصلها مع الدوائر العسكرية زواج ابنتها سمية من المهندس سلجوق بيرقدار أحد المهندسين العاملين في مجال صناعة الطائرات دون طيار لأغراض التجسس، فضلا عن دعمها السياسي لوضعها كمستشار لحزب العدالة والتنمية للسياسات الخارجية، بالإضافة لدعم الأم الذي لا ينقطع، ما جعل ابنتها نائب رئيس جمعية النساء والديموقراطية المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة.

لفتت التحركات السياسية للابنة الصغرى الأنظار إليها، حيث لازمت والدها في زياراته الخارجية، فضلا عن عملها كمترجم لغة إنجليزية خاص له، كما كانت تحضر اجتماعات الحزب الحاكم، بالإضافة إلى إشرافها على نشاطات خاصة بالدولة تحت إشراف وبتكليف من أمينة.

أمينة.. ابحث عن الفساد
شهدت تركيا أزمة كبرى فيما عرف بفضائح الفساد الرئاسية، حين جرى تعيين عدد من أقارب المسؤولين في الوظائف العامة، كان منهم نجل رئيس بلدية أنقرة أحد أقارب أمينة، وشغل منصب رئيس الغرفة التجارية، وهو من المناصب الحساسة والمهمة، حيث تعد ثاني أكبر غرفة تجارية بعد الموجودة في إسطنبول.
وفيما يعاني الأتراك من الأزمات الاقتصادية الطاحنة، تعيش السيدة الأولى في مجموعة قصور، منها من تجاوز ثمنه 650 مليون يورو، فضلا عن الإسراف في المأكل والملبس، وفقا لمجلة فوربس الأميركية، فإن إردوغان يحتل مرتبة متقدمة بين الرؤساء الأعلى أجرا وتقدر ثروته بما يزيد على 150 مليون يورو، فضلا عن امتلاكه نسبة كبيرة من الأراضي والعقارات الفخمة.
تعرف الأوساط التركية أن السيدة الأولى تحب التسوق في المتاجر الشهيرة عالميا، حيث أنفقت أكثر من 40 ألف يورو في أحد متاجر التحف خلال مرافقتها لزوجها إلى وارسو.

 
حقائب مفخخة بالبذخ
حالة من التقشف يعيشها الأتراك جراء انهيار الليرة، بينما كانت زيارة الرئيس التركي رجب إردوغان وزوجته إلى المجر تحمل استفزازا للشعب، بسبب حقيبة يد السيدة الأولى ماركة "شانيل" وثمنها 25 ألف ليرة، كما ظهرت خلال إحدى رحلاتها إلى دافوس تحمل حقيبة ماركة (V.R) الهولندية، يتخطى سعرها مليون ليرة، وظهرت بأخرى مايو 2018 من ماركة "هيرميس" قيمتها 51 ألف دولار، وتساءل مراقبون إذا كان إردوغان منحها راتبا "نصف عام" لشراء حقيبة يد،  فضلا عن الملابس باهظة الثمن التي أنفقت عليها مبلغا يتخطى الـ174 ألف ليرة نحو 50 ألف دولار.
ومن أبرز مظاهر الترف افتخارها بشرب الشاي الأبيض الفاخر المزروع في مدينة ريزا، مسقط رأس إردوغان ويعد من أكثر المشروبات استهلاكا داخل قصره، ويصل سعر الكيلو 4 آلاف ليرة في أكواب ذهبية يبلغ ثمن الواحد 300 يورو.

رشوة 4.5 مليون دولار للسيدة الأولى

فجرت صحيفة جمهورييت التركية عام 2018 فضيحة تلقي أمينة رشاوى على شكل تبرعات لصالح جمعية توجيم دير التابعة لها، من رجل الأعمال رضا ضراب، إيراني الأصل المعتقل حاليا في أميركا، بلغت 4.5 مليون دولار، لأسباب لم يتسنّ معرفتها.
لم تقل السيدة الأولى رأيا يؤكد رفضها لممارسات الشواذ جنسيا (يفوق عددهم 7 ملايين في تركيا)، بل ظهرت بجوار زوجها على طاولة إفطار مع عدد من المتحولين جنسيا بينهم بولنت أرسوي المطربة المتحولة من ذكر إلى أنثى، كما ألقى إردوغان كلمة في الحفل شجع فيها حقوق المثليين، واعتبرهم "القوة الناعمة للدولة التركية" وقال إن ما يقومون به يمثل الديبلوماسية الثقافية التي لا تختلف عن نظيرتها السياسية، وكان هذا  التصريح شرارة جعلت عدد شواذ تركيا يزيد على 3 ملايين شخص.

لا تمل زوجة إردوغان من مشاركته جميع المحافل السياسية والدولية التي جمعته برؤساء العالم، وبالتحديد في اجتماعات حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وتضع لمساتها في عدد من المؤسسات الدولية، خاصة حينما زارت بروكسل في 2010 بصحبة 200 سيدة تركية - من المولعات بالشهرة والموضة والأزياء - حتى اعتبرها الشعب وعدد كبير من الأصوليين والمتدينين بأنها سبب الانفتاح الزائد في تركيا.

زهور على قبر مؤسس الصهيونية  

في وقت كانت تعلن دعمها القضية الفلسطينية، ظهرت أمينة بصحبة زوجها في إسرائيل، وهما يضعان إكليلا من الزهور على قبر مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل، مع رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق أرئيل شارون، ما زاد من حدة الهجوم والسخط الشعبي عليها وعلى النظام بأكمله، حيث أفقدت الزيارة مصداقية كلام إردوغان عن القضية الفلسطينية.
كما لم تعلن أمينة أي موقف سياسي بعد نشر وثائق سرية متداولة بين تركيا وإسرائيل، يعلن فيها إردوغان عودة العلاقات بين الطرفين عقب قطيعة 6 سنوات، بعد اعتداء الدولة العبرية على السفينة التركية "مرمرة"، حيث جاء في الوثيقة على لسان إردوغان :"هناك توافق بين أنقرة و(القدس) حول عدد من القضايا"، واعتبر نشطاء ذلك اعترافا بمدينة القدس كعاصمة لإسرائيل، قبل أن يعلن دونالد ترامب الرئيس الأميركي عن قراره بنقل السفارة الأميركية إلى المدينة المقدسة.

عودة الحرملك

طالبت أمينة في عام 2016 بعودة نظام "الحرملك" الذي كان سائدا في عهد الدولة العثمانية، وهو عبارة عن ملحق بقصر السلطان يضم زوجاته وجواريه وأفراد عائلته، عُرف عنه التدخل في شؤون الدولة، حيث يطلق عليه بـ"سلطنة الحريم"، ومدحته قائلة: كان بمثابة مدرسة لأعضاء العائلة الملكية، والأثار التي تركتها النساء في تاريخ حرملك الإمبراطورية العثمانية يمكن أن تمثل مصدرا للإلهام، وبعدها طالب سياسيون وحقوقيون بمحاكمتها واعتبروا تصريحاتها مسيئة لنساء تركيا، حسب صحيفة جيهان.

Qatalah