يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


23 نوفمبر 2018 "أنا تركي".. قَسَم يعكس بوضوح أزمة هوية

أحيا قرار اتخذه مجلس الدولة التركي في الفترة الأخيرة بإعادة قَسَم يتلوه الطلبة ويقول نصه “أنا تركي” مناقشة في عموم البلاد محورها الهوية. سؤالان فقط يلخصان المناقشة: هل لنا أن نطلق على من يعيشون على أرض تركيا أتراكا؟ وإن لم يكن ذلك صحيحا، ماذا عسانا إذن أن نطلق عليهم؟

يطرح القوميون المعتدلون وجهة نظر مفادها أن الهوية التركية هي هوية مدنية تمثل الشعب بأكمله، بما في ذلك المجموعات العرقية الأخرى مثل الأكراد والألبان والقوقازيين.

ووفقا لوجهة النظر هذه، فإن الهوية التركية هي هوية مدنية جامعة لا تشير إلى أي مجموعة عرقية. بالتالي، فإن المنتمين لهذه المجموعات العرقية الأخرى، كالأكراد والألبان، من المفترض أن يتشبثوا بالهوية التركية باعتبارها هويتهم المدنية.

وتقول وجهة النظر هذه، وهي للتذكير تخص القوميين المعتدلين، إن من الإنصاف تخيل الهوية التركية كهوية مدنية مشتركة لأسباب تاريخية، وأخرى تتعلق بالجغرافيا السكانية.

وحين يأتي الدور على المتطرفين من القوميين، فإن قضية الهوية تصبح أمرا أكثر حساسية. بل إنهم حتى يعارضون فكرة الهوية الجامعة. وبدلا من ذلك، لا يرى هؤلاء سوى هوية قومية في تركيا، وهذه بالنسبة لهم هي الهوية التركية. بالنسبة للقوميين المتطرفين، فإن الحديث عن هوية جامعة أمر يرقى لمستوى الخيانة.

في صف المعارضين لأن يتلو جميع الطلاب قَسَم “أنا تركي” هناك مجموعات مختلفة من قبيل الأطراف المؤيدة للأقليات، لكن هناك أيضا حزب الشعوب الديمقراطي المعارض، وهو حزب موال للأكراد، وكذلك حزب العدالة والتنمية الحاكم بتوجهاته الإسلامية، بالإضافة إلى عدد قليل من المفكرين الليبراليين.

لكن لكل مجموعة في هذا التكتل رؤية مختلفة. فعلى سبيل المثال، يتوقع حزب الشعوب الديمقراطي التوصل إلى صيغة جديدة يتم فيها الاعتراف بالهوية الكردية، أو على الأقل لا تتعرض فيها لتجاهل تام.

المثير للاهتمام هنا أن حزب العدالة والتنمية، الذي يقوده الرئيس رجب طيب إردوغان، يرى في المناقشة الجارية بخصوص الهوية ذريعة لضرب الكماليين، وليس فرصة لتشكيل هوية متعددة الثقافات.

وفي الواقع، فإن موقف حزب العدالة والتنمية بخصوص سياسات الهوية ليس سوى موقف قومي متطرف. فلطالما ردد أردوغان في خطاباته الجماهيرية شعارا يرفعه القوميون المتطرفون مفاده “أمة واحدة، أرض واحدة، دولة واحدة، علم واحد”.

وفي الواقع، فإن السياسة في تركيا لا تبعث على التفاؤل بقرب حل أزمة الهوية، خاصة ما يتعلق بالمشكلة الكردية. وهناك عقبتان كبيرتان تعززان استحالة النظر بتفاؤل لمشكلة الهوية.

لنبدأ بالقول إن المشكلات المتعلقة بالهوية تشكل قسما كبيرا بالفعل من السياسة اليومية في تركيا. بعبارة أخرى، فإن السياسيين الأتراك لديهم عادة أصيلة تدفعهم للانطلاق في المناقشات المتعلقة بقضايا الهوية.

من خلال ذلك، فإن السياسيين الأتراك ينجحون، دون عناء، في تعزيز قبضتهم على دوائرهم الانتخابية، لكن التكلفة تكون في تطرف بعض المجموعات السياسية.

بالتالي، فإن السياسة التركية هي عبارة عن نقاش متواصل لقضايا الهوية، حتى وإن كان موضوع النقاش الأهم هو الاقتصاد أو السياسة الخارجية. فالسياسيون قادرون على الالتفاف سريعا وإعادة صياغة القضايا الاقتصادية أو غيرها في صورة مشكلات تتعلق بأزمة الهوية.

تكون المحصلة انفصال المجموعات السياسية عن بعضها البعض. واليوم، نكاد نجد جميع المجموعات السياسية في عداء لبعضها البعض، نتيجة لسطوة السياسات المتعلقة بالهوية.

وبالنظر لأن الكراهية هي التيار الأساسي الذي يسيطر على العلاقات بين المجموعات المختلفة، فإن من يدير علاقات الكراهية هو أيضا من يسيطر على تركيا.

نعم، إن السطوة غير العادية التي تحظى بها قضايا الهوية في السياسة تؤدي إلى تحويل تركيا إلى محيط متدن سياسيا. هناك منطق بسيط في التحركات السياسية حيث يتوقع من الأفراد تغيير اختياراتهم إن لم يشعروا بالرضا عن الموقف الراهن. لكن سياسات الهوية في تركيا من القوة بحيث يبقى الناس على ولائهم لأحزابهم، حتى وإن لم يرضهم ما تطبقه من سياسات.

ثانيا، من غير الممكن حل مشكلات الهوية هكذا ببساطة من خلال مناقشات نظرية. فالدول التي حققت نجاحات اقتصادية وديمقراطية هي الأكثر قدرة على تجاوز مشكلات الهوية لديها.

أما الدول الفاشلة، فعادة ما يمتد فشلها ليصيبها بالعجز عن تجاوز ما يُطرح فيها من أسئلة تتعلق بالهوية. على سبيل المثال، هناك الكثير من مواطني دول أخرى فاشلة يشعرون بالسعادة، دائما، بعد الحصول على الجنسيات في دول متقدمة.

نجد كذلك الكثير من الأكراد أو الأتراك ممن لا يتوقفون عن مناقشة أزمة الهوية بالوطن، لكن سيسعدهم الحصول على جنسية نرويجية أو أميركية أو جنسية واحدة من دولة الاتحاد الأوروبي.

بالتالي، فإن النجاح كلمة محورية في سياسات الهوية. فحتى إن توفر لها إطار سياسي وسياسي أفضل نسبيا، فإن قدرة الدول الفاشلة تظل أقل على حل مشكلات الهوية لديها.

خذ العراق مثلا، وفيه إطار تحظى فيه الهوية الكردية باعتراف قانوني ودستوري. كما أن اللغة الكردية معترف بها رسميا، باعتبارها اللغة الرسمية في إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بحكم ذاتي. وعلى المستوى القانوني، فإن العراق أكثر ليبرالية من تركيا على سبيل المثال في ما يتعلق بالتعامل مع الأكراد كعرق.

لكن جواز السفر العراقي لا يرقى أبدا لمرتبة جواز السفر الأميركي أو جواز سفر واحدة من دول الاتحاد الأوروبي، ولعل السبب هو فشل العراق في ملفات حيوية كالنمو الاقتصادي والتطور الديمقراطي.

النمو الاقتصادي والتطور الديمقراطي إذا عاملان شديدا الأهمية في حل مشكلة الهوية. وما من شك في أن توفير أطر قانونية وسياسية هو أمر مهم أيضا لنجاح السياسات المتعلقة بالهوية، لكنها ليست المحرك الوحيد في هذه العملية.

لذلك، فإننا لكي نحلل الجدل المثار حول الهوية في تركيا، خاصة ما يتعلق منه بالقضية الكردية، نقول إن تركيا بحاجة لتحقيق نجاح ملموس في ثلاثة مجالات رئيسية تتجاوز أهميتها ما يجري من نقاش نظري. والمجالات الثلاثة هي:

ينبغي على السياسيين التوقف عن التدخل في النقاشات المتعلقة بسياسات الهوية. على تركيا أن تقرر، وعلى الفور، إن كانت تريد نموذجا إداريا فعالا من شأنه المساعدة في حل جميع أزمات الهوية في البلاد. على تركيا تحقيق تقدم في مجالات جوهرية مثل الاقتصاد وسيادة القانون والتطور الديمقراطي.

لذلك، فطالما لم تحقق تركيا نجاحا في هذه المجالات الرئيسية الثلاثة، فإنها ستظل أسيرة للعنف، والأكثر خطورة أنها ستبقى أسيرة لأزمة الهوية. في قَسَم الطلاب الذي كان سببا وراء النقاشات التي شهدناها مؤخرا في تركيا عبارة في البدء تقول “أنا تركي، أمين ومُجِدُّ”.

إن كل النقاش المتعلق بالهوية يدور حول هذه العبارة الافتتاحية “أنا تركي”، لكن نظرية الهوية، كما عرضنا في هذا المقال، تذكّرنا بأن أمرا آخر لا غنى عنه لحل أزمة الهوية هو الوضع الحقيقي لأي أمة: هل هي بالفعل أمة تتمتع بالأمانة والجدّ؟

نقلًا عن موقع صحيف "العرب".

Qatalah