يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


الغزو التركي لقبرص قبل خمسة وأربعين عاماً، أسفر عن شطر الجزيرة إلى جزئين، أحدهما في الشمال يسكنه القبارصة الأتراك ويمثل ثلث مساحة الجزيرة، وهو ما يعرف بجمهورية "شمال قبرص التركية" التي لا تعترف بها أية دولة في العالم سوى أنقرة، الشطر الثاني في الجنوب يقطنه القبارصة اليونانيون، ويمثل ثلثي مساحة الجزيرة، وهو ما يعرف بجمهورية قبرص المعترف بها دوليًا، وعضو الاتحاد الأوروبي.

صحيفة "الجارديان" البريطانية، أجرت تحقيقاً في الجزيرة بعد مرور أربعة عقود على الغزو التركي، كشف أن عشرات السنوات من الدعاية التركية السوداء في المناهج الدراسية ومنصات الإعلام، فشلت في أن تنتزع حنين القبارصة الأتراك لأصدقائهم الذين يشاطرونهم سكنى الجزيرة الواقعة شرق المتوسط.



الأصدقاء الألداء
من أمام متجره الذي لا يبعد كثيرًا عن "المنطقة العازلة" التي تحرسها قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي تمر عبر قبرص كما "الندبة"، يُبدي أوزكان زكي رأيه حول الأزمة الاقتصادية العصيبة التي ضربت الجزء الجنوبي من الجزيرة التي تسيطر عليه اليونان.

زكي، 76 عاماً القبرصي التركي، يعتبر أحد القلائل الذين ما زالوا لديهم ذكريات عن الاندماج مع اليونانيين، قبل أن يُقسّم الغزو التركي الطائفتين العرقيتين وراء أرض محايدة موبوءة بالأعشاب الضارة في 1974، لذا فهو يحاول أن يتناسى الأحقاد التي حاولت أنقرة أن تزرعها في القبارصة الأتراك، ويشعر كأنه مواطن قبرصي مثل أي مواطن في جمهورية قبرص (اليونانية) التي تعاني من بعض المشكلات المالية التي يرفض التعبير عن أي نوع من الشماتة بسببها.

زكي يؤكد، بينما كان جالسًا على كرسي خشبي وُضع بين صفوف من القمصان المبهرجة عند مدخل متجر ملابسه، :"لا نريد أن نسخر منهم، لأن هذا يمكن أن يحدث لأي أحد .. هذا فخ، في رأيي، فخ يهدف إلى إعطائهم درسًا"، ويضيف زكي أنه، في نفس الوقت، يعتقد أن إخوانه القبارصة لا يخلون من النواقص.

مبتسمًا، من خارج متجره الذي يبعد أمتارا قليلة عن أكياس الرمل المليئة بآثار الرصاص والبنادق الصدئة أمام الحواجز التي ما زالت رمزًا قويًا لتقسيم الجزيرة على يد القوات التركية، يضيف زكي :"غالبا ما أذهب إلى الجانب الآخر لرؤية أصدقائي، أنا أتحدث اليونانية، لكوني مواطنا قبرصيا، فإنني أتطلع إلى لم شمل الجزيرة".

جيب تركي
عقود من العزلة الدولية المفروضة على كيان ما يعرف "جمهورية شمال قبرص التركية"، أسفرت عن تشدّد وجهات نظر بعض السكان من القبارصة الأتراك الذين يعتمدون اعتمادًا كليًا على أنقرة، بل إن البريطانيين المغتربين الذين استوطنوا في قبرص الشمالية والذين يقعون مع القبارصة الأتراك تحت الحصار الاقتصادي منذ أن تم إعلان استقلال "جمهورية شمال قبرص" من جانب واحد في 1983، هم أيضًا يعبرون عن بعض الآراء المتطرفة تجاه جمهورية قبرص المعترف بها دوليًا.

فوق ميناء كيرينيا الخلاب، في بلدة بيلابيز المُعطّرة بالياسمين - التي خلّدها الروائي البريطاني لورانس داريل (1912 - 1990م) في كتابه "ليمون مر" الذي سرد فيه سيرته الذاتية عن العيش في قبرص في الخمسينيات القرن الماضي - يستحضر البريطانيون الانقسامات التي عصفت طويلًا بالجزيرة.

مصادر تمويل الجمهورية الانفصالية، تقتصر على الدولة التركية، وتعتمد عليها كلية في ظل عزلتها الدولية، لذا لم تتأثر بالأزمة المالية التي أصابت جمهورية قبرص قبل سنوات، ومع ذلك تظل مستويات المعيشة في قبرص التركية متخلفة عن نظيرتها في قبرص اليونانية، ناهيك عن وجود 45 ألفا من القوات التركية على أراضيها، ما يجعلها تبدو وكأنها حامية عسكرية تركية، في مناخ يوحي بالقسوة.



التأزم الاقتصادي
جمهورية "شمال قبرص"، على وشك أن تخسر أعمالها التجارية في دوامة الانهيار الاقتصادي الذي تعصف بجنوب الجزيرة، فضلاً عن حالة الركود التي ضربت الاقتصاد التركي مؤخراً، حيث من المحتم أن تتأثر قبرص الشمالية بفترة الركود الطويلة التي عانت منها قبرص نتيجة لانهيار القطاع المصرفي اليوناني المتضخم، بسبب المساعدات التي حصلت عليها من الدائنين الدوليين.

تأثر القبارصة الأتراك، يتجلى في بعض مجالات التعاون القليلة التي برزت منذ رفع الحواجز أمام حرية الحركة بين الجمهوريتين قبل أقل من عشر سنوات، لاسيما في الأماكن السياحية مثل الملاهي الليلية التي تنتشر في الشمال، حيث يشعر أصحابها بالأسى نتيجة ندرة الزبائن من القبارصة اليونانيين.

وفي المبنى الحديث الذي يضم غرفة تجارة الإقليم في شمال نيقوسيا، يشعر المسؤولون بالقلق من تداعيات الأزمة، رئيس الغرفة غوناي جيركز، يقول: "أنا لست سعيدًا على الإطلاق، يعمل حوالي ألفين و500 من القبارصة الأتراك، يوميًا، في جميع مناحي الحياة في الجنوب، ومن المرجح جدًا أن يفقد معظمهم وظائفهم بسبب انكماش الاقتصاد، كما ستتقلص تجارة السلع، التي تبلغ قيمتها حوالي 5 ملايين يورو".

جيركز، يجد نفسه الآن في موقف يصف فيه معاملة أوروبا للحكومة القبرصية اليونانية بأنها "غير منصفة مطلقًا"، رغم أن حملتها أجهضت الاعتراف الدولي بقبرص الشمالية، ويضيف :"لقد قدّرنا أن ما بين تسعة إلى عشرة آلاف شركة قبرصية يونانية إما ستُفلس أو ستتقلص أعمالها بشكل كبير، لذلك، لسنا سعداء بما يحدث هناك". 

شبح الإفلاس
عضوية الجزيرة المُقسّمة في الاتحاد الأوروبي - التي تبعت دخولها إلى منطقة اليورو قبل سنوات - كانت بمثابة انتصار كبير للقبارصة اليونانيين، وقبل ست سنوات لجأت قبرص للاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لتجنب انهيار العملة الموحدة، حيث صرح آنذاك الرئيس القبرصي نيكوس اناستاسيادس بأن خطة الإنقاذ البالغة 10 مليارات يورو، التي وقعتها قبرص مع دائنيها، قد احتوت الأزمة بشكل فاعل.

اناستاسيادس، أضاف أمام تجمع للموظفين الحكوميين في العاصمة المُقسّمة :"لقد تجنبنا خطر الإفلاس، احتوينا الموقف رغم كل مآسيه، ليس لدينا أية نية للانسحاب من اليورو". 

المسؤولون في الشمال، ليسوا متيقنين من ذلك، حيث يخشى الكثيرون من أن يخرج اناستاسيادس، المعتدل في جهود المصالحة، عن مساره بسبب المستنقع الذي تجد قبرص نفسها متعثرة فيه، بالتالي سوف يضطر إلى تأجيل التوصل إلى حل.

درويش إروغلو، رئيس قبرص الشمالية الأسبق، قال :"حقيقة أن جيراننا الجنوبيين دخلوا في مثل هذا النوع من الأزمات لا يسعدنا، ربما تكون هذه المشكلات من العوامل التي قد تطيل أمد التوصل إلى التسوية، قد تُجبر أيضًا صديقنا العزيز السيد اناستاسيادس على بذل كل طاقته في حل المشاكل الاقتصادية وبالتالي يكون لديه وقت أقل يخصصه لعملية التفاوض".

خطاب الكراهية
على جانبي "الخط الأخضر" الذي يُقسّم جزيرة قبرص، تتلاشى ذكريات التعايش سريعًا، في أجواء التناحر العرقي المشحونة للغاية، فإن الخطاب المشحون بالحقد والكراهية الذي تغذيه أنقرة لبقاء الجزيرة مقسمة، وبقاء حاميتها العسكرية بها لا يخفت أبدًا، بيد أنه على الرغم من ذلك ثمة الكثير من الشعب بين اليونانيين والأتراك، من يقول إن الأزمة الاقتصادية يجب أن تُستخدم لحل النزاع.

علي رستم، صاحب متجر كتب، من القبارصة الأتراك، محتكمًا لخطة السلام الأخيرة للأمم المتحدة لتوحيد الجزيرة، قال إنه على الرغم مما ارتكبته تركيا في الجزيرة من جرائم، وقيامها بتقسيمها عام 1974، فإن على القبارصة اليونانيين أن ينظروا للمستقبل من أجل مصلحتهم، مضيفًا :"عليهم أن يتعلموا التسامح ونسيان الماضي".

Qatalah