يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يضع إردوغان قواعد خاصة لاختيار مستشاريه ومندوبيه خصوصًا في خارج تركيا، أهمها أن يكون المرشح متطرفا فكريًا، ويفضل أن يكون له سابق خبرة في ممارسة العمل الإرهابي، فأصحاب سير ذاتية من هذا النوع باتوا فقط المؤهلين لإسناد مهمة الحديث باسم ديكتاتور أنقرة في محاولاته لتحقيق أحلامه التوسعية، ومساعيه لتخريب دول العالم.

من ألمانيا إلى بريطانيا مرورًا بهولندا يحاول إردوغان ذرع رجاله في أوروبا للتجسس على الأتراك المعارضين واستقطاب الجاليات المسلمة، التي يسعى لتصدير نفسه بينهم على أنه "خليفة المسلمين". 

في لندن، عيّن إردوغان، التركي عبد الرحيم بوينوكالين أحد عناصر حزب العدالة والتنمية المعروفين بالتطرف وممارسة الإرهاب على المعارضين، ممثلًا للحزب في العاصمة البريطانية، وهو ما دعا إلى فتح السِجل الإجرامي لرجل الحزب الحاكم. 

شبكة "نورديك مورنيتور" السويدية كشفت أن بوينوكالين له تاريخ في الإجرام، مشيرة إلى أنه قاد هجمات عنيفة على مقر لصحيفة في تركيا، ما يثير المخاوف من أن هذه الخطوة هدفها نشر التطرف بين جماعات الشتات التركية والإسلامية في بريطانيا.

وترى الشبكة السويدية أن هذه الخطوة جزء من حملة  إردوغان، الذي كان يستثمر في المجتمعات التركية والإسلامية في جميع أنحاء أوروبا كوكلاء لتنفيذ مخططاته الخبيثة، ويطلب منهم تعبئة وتأسيس أحزاب سياسية أو العمل داخل أحزاب قائمة لتعزيز أجندة حزبه الحاكم. 

سلفي متطرف
احتل بوينوكالين، وهو إسلامي متشدد يتمتع بجذور سلفية في خلفيته العائلية، عناوين الصحف في تركيا عندما قاد مجموعة تضم 200 شخص وهاجمت  مبنى تحتله صحيفة "حرييت" اليومية بالعصي والحجارة يوم 6 سبتمبر 2015 وحاولت هذه المجموعة الدخول إلى غرفة الأخبار، وكان هدف الهجوم "إرهاب الصحافيين".

بوينوكالين شغّل رئيس منظمة الشباب في حزب إردوغان آنذاك، وفي تصريحاته التي نقلتها  وكالة أنباء الأناضول الرسمية، لم يعرب عن أسفه للهجوم، بل واصل تهديداته ضد محرري الصحيفة، ونقل عنه قوله "أقترح أن يعتادوا على ذلك"؛ في تشجيع منه على تكرار الهجوم الإرهابي على الصحيفة.

بالفعل، تعرضت الصحيفة لهجوم للمرة الثانية بعد يومين وسط أنباء عن إهمال الشرطة وعدم الرد في الوقت المناسب لمنع الهجوم البربري الذي نفذته عصابة إردوغان الحاكمة.

علي أورنيك، الصحافي في "حرييت" نشر آنذاك العديد من التغريدات، وكتب: "داهم أنصار حزب العدالة والتنمية الصحيفة اليومية... لا توجد شرطة". وفي تغريدة أخرى، قال :" بلغ عددهم حوالي 200. دخلوا المبنى وألحقوا أضرارًا بمكاتب وأجهزة الكمبيوتر في قسم الإعلان في غياب الشرطة ". 

وبحسب تغريدة صحافي آخر كان المهاجمون المجرمون يرددون شعارات دينية ويقولون" الله أكبر" عندما حاولوا اقتحام المبنى؛ وكأنهم حققوا انتصارًا على العدو في معركة عسكرية.

إرهاب برعاية الديكتاتور
تنظيم الاحتجاج والهجوم الذي تلا ذلك جرى تنظيمه بعد حملة قام بها مؤيدو إردوغان على الإنترنت، وكون هؤلاء المجموعة المعروفة باسم "المتصيدون" في حزب العدالة والتنمية، وكتاب الأعمدة الذين دعوا الناس للاحتجاج يوميًا بعد نشر الصحيفة موضوعًا عن خطاب ألقاه إردوغان.

مؤيدو إردوغان رددوا إدعاءات بأن الصحيفة ألغت تصريحات إردوغان ونشرت اقتباسات خاطئة نقلًا عنه، معتبرين أن ذلك سبب كافٍ للاحتجاج "العنيف" ضد الصحيفة. 

إردوغان نفسه برر الهجوم الإرهابي على الصحيفة من قبل مؤيديه، وانتقدها بعد يومين من الهجوم، قائلاً إنها شوهت كلماته.

تظهر اللقطات بوينوكالين يعطي توجيهات إلى المخربين الذين قادوا الهجوم على صحيفة "حرييت" إذ قال: "علينا أن نتحمل مسؤولية عدم إعطائهم فرصة للضرب عندما يجب علينا"، في إشارة إلى رئيس تحرير الصحيفة آنذاك، سادات إرجن.

وفي 21 أكتوبر 2015، تحدث بوينوكالين في مقاطعة مرسين متفاخرا حول كيف أنه وأتباعه علّموا صحافيي "حرييت" درسًا لعدم "إهانة القيم الإسلامية" بعد ذلك، وقال: "لقد استهدف صحافيو (حرييت) رئيسنا علانية من خلال الإشارة إلى أنه يمكن أن يتقاسم مصير الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي".

وتابع: "لقد وصفوا مرارًا وتكرارًا إردوغان بالديكتاتور، وظنوا أنه لا يمكن لأحد استجوابهم عندما يهينون القيم الإسلامية لهذا البلد، لكن فروع شباب حزب العدالة والتنمية قضت على هذه الحصانة منذ ثلاثة أسابيع"؛ في إشارة إلى الهجوم الإرهابي. 

حماية المجرم
في محاولة لإثارة حماس أعضاء حزب إردوغان المستعدين لممارسة الإرهاب، قال بوينوكالين: "لقد تلقينا في الآونة الأخيرة انتقادات بأن فروع شباب حزبنا لم تعد مكرسة لقضية الحزب، وأنهم لم يعودوا يخرجون إلى الشوارع ويحتجون. نحن بحاجة لاتخاذ إجراءات يا أصدقائي! نحن بحاجة إلى استعادة تلك الثقة… انظروا، ما فعلناه في مبنى (حرييت)، لقد احتل هذا الحدث أجندة الصحافة في البلاد لأسابيع".

بعد ذلك، في 28 أكتوبر 2015، ظهر بوينوكالين، الذي خطط للهجوم على مبنى الصحيفة قبل شهر واحد فقط، بجوار رئيس الوزراء المؤقت ورئيس حزب العدالة والتنمية آنذاك أحمد داود أوغلو في احتفال أقيم في العاصمة التركية أنقرة. 

كانت الصورة رسالة مرسلة لتعزيز الانطباع بأن الحزب الحاكم كان وراء التصرفات الإرهابية، وأنه سيدافع عنها، ويحمي مرتكبيها، وعندما سئل أوغلو عما إذا كان حزبه يعتزم اتخاذ إجراء تأديبي ضد بوينوكالين بسبب تصريحاته، قال إن النائب لم يكن لديه نوايا سيئة وأن التعليقات صدرت في "بيئة ودية".

مكافأة 
علاوة على ذلك، كافأ إردوغان بوينوكالين بتعيينه نائباً لوزير الشباب والرياضة، حيث واصل حشد وتنظيم الشباب الأتراك للدفاع عن رئيس الجمهورية، كما أنقذه من الملاحقات القضائية التي حركتها صحيفة "حرييت" ضده.

محاميو "حرييت" قدموا شكاوى جنائية ضد بوينوكالين وبعض أعضاء فرع الشباب في حزب العدالة والتنمية، يتهمونهم فيها بإلحاق أضرار بالممتلكات وانتهاك حرمة الملكية الخاصة بالإضافة إلى توجيه تهديدات هدفها نشر الخوف بين الجمهور؛ غير أنه تم التظلم ضد هذه الشكوى ولم تنل الصحيفة أية حقوق. 

غيرت "حرييت" في وقت لاحق موقفها التحريري لأن حملة الإرهاب أثرت على مالكي الجريدة والصحافيين فيها، ثم أصبحت صحيفة موالية للحكومة وتم بيعها في نهاية المطاف إلى رجل أعمال قريب من إردوغان. وباتت اليوم، واحدة من العديد من الصحف التي تعمل أبواق للنظام المستبد.

في ديسمبر 2015، أسقطت النيابة التركية تحقيقًا مع بوينوكالين و 30 آخرين تم التحقيق معهم لتورطهم في أعمال عنف بمبنى الصحيفة. تم توجيه الاتهام لستة وعشرين مشتبهاً به، ولكن تمت تبرئة جميعهم باستثناء واحد في نهاية المحاكمة في نوفمبر 2018. 

لم يتلق سوى شخص واحد، تم التعرف عليه، ويدعى مسعود يشليرت غرامة قدرها 2000 ليرة تركية (نحو 350 دولارًا) بسبب إتلاف ممتلكات خاصة، كما حكم القضاة بالسجن على آخرين لمخالفتهم حرمة الممتلكات الخاصة، لكن تم تعليق هذا الحكم على الفور.

في الواقع، لم يُحاسب أحد فعليًا على الهجوم العنيف على مبنى الصحيفة، إذ إن حكومة إردوغان وفرت الحصانة للأشخاص الذين تصرفوا لدعم سياسات الديكتاتور التركي، الذي لم يتأخر عن مواصلة تصعيد المجرمين في مواقع مختلفة داخل تركيا وخارجها. 

في 23 يناير الماضي، جرى تعيين بوينوكالين ممثلاً لمكتب حزب العدالة والتنمية في لندن وفقًا لبيان صادر عن نائب رئيس الحزب للشؤون الخارجية.

وإلى جانب عمله في بريطانيا مندوبا عن حزب إردوغان، فمن  المتوقع أن يسند إلى بوينوكالين تنظيم وتعبئة مجموعات الشباب التركية والإسلامية في المملكة المتحدة تحت مسماه الرسمي؛ غير أن مهمته الفعلية تنصب على نشر التطرف بين الجاليات المسلمة- بعضهم ينضم إلى التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" وغيرها، فضلًا عن مهمة مندوب إردوغان للتجسس على المعارضين الأتراك، وهو ما ثبت أن ارتكبته الحكومة التركية في أكثر من دولة أوروبية، ومنها ألمانيا. 

Qatalah