يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


8 أبناء هم من أنجبهم مؤسس الدولة العثمانية، عثمان بن أرطغرل، كانوا جميعا يرتجفون في حضرته، ولا يعصون له أمرا، إلا أورخان الذي دأب على مراجعة والده في كل صغيرة وكبيرة، وجاهر بمخالفته الرأي، ونال من هيبته أمام كبار رجال الدولة.

لم يشاهد أحد في القصر أورخان يبتسم يوما، طباعه الحادة، وغلظته في التعامل، وقسوته المفرطة مع الجواري والعبيد جعلت الجميع يخشاه و يتزلف إليه لينجو من عقابه، حتى والده الأمير كان يحسب له ألف حساب، ويسترضيه، وعندما ضاق به ذرعا أرسله على رأس الحملات التي ذهبت لغزو المدن والقلاع البيزنطية ليبتعد عن شؤون الحكم وينشغل بالحروب.

الانتصارات التي حققها أورخان على البيزنطيين جعلته يزداد غطرسة، فتعالى على إخوته وأنكر تصرف والده حين عهد لشقيقه الأكبر علاء الدين بولاية العرش، وبمجرد أن علم بمرض والده الشديد عاد إلى القصر ليستن تلك السنة السيئة التي سار عليها سلاطين الدولة العثمانية من بعده!

 

اغتيال الأشقاء 
دخل أورخان على والده فوجده يحتضر في فراش الموت، فقرر أن ينفذ مخططه الدموي، استبدل حراس القصر بجنود يخضعون لسلطته المباشرة، أمرهم بإغلاق الأبواب، ومنع أي شخص من الدخول والخروج، فشعر إخوته بالرعب وأدركوا أن نهايتهم قد اقتربت.

بمجرد أن فاضت روح والده الأمير عثمان، اقتحم أورخان حجرة أخيه علاء الدين وأجبره بالقوة على التنازل له عن ولاية العهد، قبل أن يفصل رأسه عن جسده بضربة واحدة من سيفه الغادر، لم يكن مصير إخوته الـ6 الآخرين أكثر حظا من علاء الدين، فقد أرسل إليهم أيضا من يهديهم الموت في أماكنهم، ليعتلي العرش بدون منازع، ويقف شامخا أمام رجال الدولة وهم ينحنون له، ويقدمون فروض الطاعة والولاء.

مذابح الأناضول والبلقان
المعارك التي خاضها أورخان أورثته عشقا غريبا من نوعه، أدمن رؤية الدماء والرؤوس المتطايرة، وهو ما جعله يعود سريعا لممارسة هواية القتل بغزو البيزنطيين، فاستولى على مدينة بورصة في العام 1326 لتصبح أول عاصمة في تاريخ العثمانيين، همجيته في اقتحام القرى والمدن بثت الرعب في قلوب المدنيين، فالأمير كان يشرف بنفسه على عمليات سلخ جلود الأسرى، وذبح الأطفال وإحراق الشيوخ وتقديم السبايا كهدايا لأشرس جنوده من المرتزقة التركمان ليفعلوا بهن ما يشاءون.

التخريب والترويع والاستعباد، ثلاثة أساليب استخدمها الأمير الدموي لتوسيع رقعة مملكته، طموح أورخان كان أكبر من مجرد الاستيلاء على العديد من مدن الأناضول، فسعى للمشاركة السياسية في الداخل البيزنطي مستغلا حالة الوهن الشديد التي أصابت القسطنطينية.

التحالف مع الإمبراطور
اندلعت الحرب الأهلية البيزنطية عام 1341، واستمرت 6 أعوام، ولم يستطع الإمبراطور يوحنا الخامس كونتاكوزينوس، السيطرة عليها، فأرسل إلى أورخان ابنته  ثيودورا لتطلب منه العون ضد خصومه، أعجب أورخان بذكاء ابنة الإمبراطور وسحرته بجمالها، فرفض عودتها إلى والدها وقرر أن يتخذها زوجة له، ولم يكن والدها قادرا على رد رغبته.

أقنعت ثيودورا زوجها الأمير بنجدة والدها، فأرسل إليه مجموعة من قواته، واستغل التحالف في مهاجمة البلقان، لينفذ أبشع الجرائم في حق المسيحيين من أهلها،أعطى أورخان أوامره الصارمة بترويع وقتل كل مسيحي يرفض الدخول في الإسلام، وهو ما لاحظه راهب سالونيك، جريجوري بالاماس، الذي وقع في الأسر العثماني في العام 1354 أي بعد عدة سنوات فقط من الهجمات الأورخانية.

 

اعتناق التقاليد البيزنطية
لم تكن ثيودورا مجرد زوجة عادية من زوجات الأمير، كانت المرأة المقربة إليه والتي استطاعت تغيير النظام السياسي والإداري المتبع في كيان الدولة العثمانية الناشئة، والطبيعة الاجتماعية داخل الأناضول بأكمله، فرضت ابنة الإمبراطور ثقافتها على الدولة، مستغلة الطبيعة الدينية المتحررة للعثمانيين الذين نشأوا داخل وسط تركماني اعتنق المذهب الحنفي السني ظاهريا، وأبطن إيمانا صوفيا متطرفا يميل إلى التشيع المغالي والوثنية الشامانية (عبادة مظاهر الطبيعة والسحر).

أصبح الأمير العثماني دمية في يد زوجته تحركها في الاتجاه الذي تريده فتنصل من مبادئ الشريعة الإسلامية واعتنق العادات الغربية، كان أورخان يفاخر بعشق زوجته، ويجلسها بجانبه على العرش ليستمع إلى نصائحها وينفذها في الحال، وأمر رجال دولته بمصاهرة جيرانهم البيزنطيين مما أنتج طبقة اجتماعية جديدة حملت في عروقها دماء تركية ويونانية، دانت بالإسلام وفقا للرؤية العثمانية المنحرفة، وصارت تحمل ثقافة تخلط التحضر البيزنطي بالقبلية التركمانية.

الطبقة الجديدة والمعروفة تاريخيا باسم "الروم إيلي" شكلت في السنوات التالية لوفاة أورخان أول صورة للنخبة العثمانية الهجينة التي اعتبرت نفسها جزءا من البناء الداخلي لآل عثمان، ارتضت ظاهريًا بعبوديتها لهم، إلا أنها كانت تتصيد فرص الانقضاض على الدولة والسيطرة عليها في أوقات ضعف السلاطين.

خاتمة طاغية
في أواخر أيامه اختار أورخان ابنه سليمان باشا ليخلفه في الحكم، فلم ينتظر "مراد" الابن الثاني للأمير موت أبيه ودبر مؤامرة تخلص بها من شقيقه في العام 1357، أذاق مراد شقيقه سليمان باشا من نفس الكأس التي سقى منها السلطان والده وأخاه علاء الدين، وهو ما جعل الأمير يشعر بالحسرة فمات بعد سنوات قليلة في العام 1362 بشكل غامض مما جعل أصابع الاتهام تشير إلى مراد الذي اعتلى العرش تحت اسم "مراد الأول".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

دائرة معارف الإمبراطورية العثمانية

سعيد أحمد برجاوي الإمبراطورية العثمانية

دائرة المعارف الإسلامية.

حسين يلماز: إعادة تعريف الخلافة ، التحول الصوفي والمعتقد السياسي العثماني.

 

Qatalah