يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


11 أكتوبر 2018 أولويات إردوغان تدمر اقتصاد تركيا

عندما تبدأ البلدان بالهرب من أزماتها السياسية والاقتصادية، إلى اختراع لعبة الانتخابات المبكرة، فإن ذلك يشير إلى وجود أزمة خطيرة، مما يدفع باللاعبين السياسيين إلى السعي لاكتساب شرعية جديدة للعودة إلى اللعبة ذاتها من جديد.
 

ظلت المجموعة الحاكمة في تركيا تحرص بشدة على عدم تعرض صورة الاقتصاد التركي ومناخ السياحة لأي خدش في أذهان المراقبين للأوضاع من الخارج. غير أن فاتورة طموحات الرئيس رجب طيب إردوغان السياسية على المستويين الداخلي والخارجي كانت مرتفعة الثمن والتكاليف. والآن جاء وقت الحصاد المر، بعد سلسلة من التداعيات والاضطرابات والأطماع المتصلة بالشخصية النرجسية لإردوغان.
 

كل ما سبق أدى بشكل دراماتيكي إلى بدء العد التنازلي لانهيارات غير معلنة بشكل واضح في الاقتصاد التركي، باستثناء ما لم يقدر النظام على التكتم بشأنه، مثل انهيار العملة التركية إلى الحضيض، ومواجهة قطاع السياحة جملة تحديات أمنية وآثار سلبية للاضطرابات السياسية، ظهرت مؤشراتها مؤخرا ولم تعد في خانة الأسرار والتكهنات.
 

من ملامح الآثار السلبية على قطاع السياحة أن الجمهور العربي الذي يشكل شريحة مهمة من السياح في تركيا قرر إيجاد وجهات بديلة عن إسطنبول، خاصة بعد أن دق الكثيرون ناقوس الخطر ونبهوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى كثافة تزايد حوادث الاعتداء على السياح الخليجيين. ومما دفع بهذه الشريحة من السياح إلى التفكير جديا بشطب تركيا من قائمة وجهاتهم السياحية، أن أجهزة الأمن التركية تمنح الأولوية للجانب السياسي، مقابل التساهل مع الجرائم الجنائية وتجاهل أعمال الترويع والاحتيال التي يتعرض لها الأجانب.
 

هكذا يفقد إردوغان والمجموعة الإخوانية الحاكمة ورقة السياحة والاقتصاد، بما تمثله من محورية في البروباغندا الدعائية التي لطالما استخدمها حزب العدالة والتنمية للتسويق لتجربة إخوان تركيا التي تفقد بريقها الزائف مع الوقت، وكانت من قبل تجد لها صدى مغشوشا بين صفوف الإخوان العرب وأدواتهم الإعلامية. ويبدو أن التطبيل لما كانوا يصفونها بالواحة الاقتصادية الصاعدة والوجهة المثالية للسياحة والتنمية الصاعدة لن يكون مجديا ولا بد أن يتوقف. وهناك مؤشرات جديدة تكشف أن كل الأحلام الإردوغانية قد بدأت تتهاوى، وانكسر معها إطار الصورة المثالية التي كان الترويج لها جزءا من برنامج الإخوان في تركيا وخارجها.
 

إذن تركيا اليوم تمر بأزمة شديدة على المستويين السياسي والاقتصادي، لكن يجري التعتيم عليها بقدر الإمكان. بينما خرجت بعض معالم الأزمة إلى العلن. وبحسب تجارب كثيرة تابعناها من قبل، عندما تبدأ البلدان بالهرب من أزماتها السياسية والاقتصادية، إلى اختراع لعبة الانتخابات المبكرة، فإن ذلك يشير إلى وجود أزمة خطيرة، مما يدفع باللاعبين السياسيين إلى السعي لإعادة برمجة المشهد واكتساب شرعية جديدة للعودة إلى اللعبة ذاتها من جديد، على قاعدة امتصاص مظاهر الأزمة وإشغال الجمهور بحدث الانتخابات، وما يرافقه من حالات انفعال وبرامج دعائية.
 

وهذا بالضبط ما يراهن عليه إردوغان، رغم أنه أدخل نفسه في ورطة وضع شعبيته على المحك، مما يجعل مهمة الفوز بالأغلبية تشغل تفكيره قبل أي شيء آخر، وخاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار المخاوف من آثار التداعيات الاقتصادية ومدى انعكاسها على نتائج التصويت، وهي المسألة التي قد تحرم إردوغان على الأقل من الحفاظ على الأغلبية وحجم الأصوات المعتاد الذي كان حزب العدالة والتنمية يحصده.
 

لذلك وبدلا من أن تكون الانتخابات المبكرة حلا مؤقتا لمنح إردوغان وحزبه فسحة للتنفس وإعادة ترتيب الأوراق، يبدو أنها سوف تتحول إلى اختبار مر ممزوج بالقلق، بدليل تصريحات إردوغان والمحيطين به بشأن ضرورة حصد أغلبية الأصوات. الأمر الذي يجعل الانتخابات المرتقبة تتجاوز مسألة الاستفتاء ضمنيا على شعبية إردوغان، إلى رسم ملامح تركيا في المستقبل، بعد أن أصبحت ورقة الإسلاميين شبه محروقة، نتيجة لانكماش مشروعهم بعيدا عن مصلحة الشعب التركي. وأبسط ما يمكن أن يستنتجه المواطن التركي أن برنامج الإسلاميين لم يعد معنيا بتركيا العلمانية الحديثة، في ظل تمحور التطلعات السياسية حول شخصية إردوغان المهووس باستعادة هوية الدولة العثمانية وصناعة المجد الشخصي.
 

قد تنجح عملية الهروب إلى الانتخابات المبكرة بعض المرات في إعادة توزيع المسؤولية وإشراك قوى أخرى في تحمل عواقب الفشل وإعادة فرز قوى ووجوه جديدة يمكنها أن تنتشل الوضع من الكساد، لكن في الحالة التركية المنتظرة أصبح المطلوب من الانتخابات أن تبقي على الوضع كما هو وأن تعيد تنصيب إردوغان في موقع الرئاسة بصلاحيات أوسع، رغم أنه أصبح عراب الانهيار والانكماش والانقسام السياسي والرهاب من الانقلاب على نظامه.

يريد إردوغان من العملية الانتخابية أن تعيد منهجه وأسلوبه الدعائي إلى الواجهة من جديد، بينما يتزايد نمو المعارضة ضده من داخل الوسط الذي ينتمي إليه أيديولوجيا، الأمر الذي يجعل من الانتخابات القادمة شبيهة بعملية جراحية صعبة للغاية.
 

ولا بد من استعراض حقائق يحرص المخدوعون بتجربة إخوان تركيا على إخفائها. أولها أن منهج إردوغان وجماعته قاد تركيا إلى الانسداد والفشل، خاصة بعد الرهاب الذي أحدثته المحاولة الانقلابية التي دفعت نظام العدالة والتنمية إلى توجيه كل إمكانيات الدولة وإعادة تفصيل دستورها لبناء كيان مستقبلي يهدف في المقام الأول إلى حماية إردوغان وأجندته الشخصية التي تتكشف معالمها مع الوقت.
 

وما لا يستطيع النظام التركي إنكاره أنه يستهلك الكثير من الأموال ويوجه سياسته الخارجية لحماية الإخوان وتلبية طموحاتهم، وهناك تزاوج مكشوف بين النزعة العثمانية الجديدة والمشروع الإخواني بلغت مستويات من التنسيق والاستثمارات التجارية المشتركة التي لن تبقى سرية أكثر مما مضى.

لقد خلق إردوغان صورة وهمية عن تركيا في أذهان الإخوان العرب، واضطر لدفع ضريبة من أموال الشعب التركي لدعم تلك الصورة المخادعة وردم الهوة بين الواقع المأزوم، وبين الخيال الحالم الذي يروج لتركيا إسلامية تعمل على استعادة الخلافة.
 

يلزم فقط مرور بعض الوقت ليتضح للمخدوعين أن تلك الصورة كانت زائفة. أما بالنسبة للشعب التركي فإنه يعرف واقعه جيدا. فإردوغان ليس عراب النمو الاقتصادي الذي شهده الأتراك خلال السنوات الماضية ويوشك الآن على الجمود. والثابت لدى خبراء الاقتصاد أن الطفرة التي حدثت كانت بفضل تورغوت أوزال الرئيس الثامن لتركيا الذي تولى الرئاسة من 1989 حتى وفاته في 17 أبريل 1993، وكان قبلها في منصب رئيس الوزراء بين 1983 و1989. مما يعني أن أوزال هو الذي قاد نهوض تركيا العلمانية اقتصاديا أواخر القرن الماضي، ثم جاء إردوغان لاستغلال المشهد بعد أن أصبحت عجلات قطار التنمية تدور، وقطف الإخوان ثمرة التحول الاقتصادي خلال العقدين الماضيين، وها هم الآن يقودون تركيا إلى هاوية الإفلاس، بعد أن خسرت الليرة التركية نصف قيمتها أمام الدولار.
 

ومن مؤشرات الانحدار الاقتصادي الذي تذهب إليه تركيا في عهد إردوغان أن نسبة البطالة ارتفعت لأعلى مستوياتها في 7 سنوات وبلغت 13 بالمئة، إضافة إلى عجز مستمر في الموازنة وتراجع في معدلات النمو، في حين بلغ التضخم السنوي في تركيا 10.85 بالمئة طبقا لمؤشرات أبريل الماضي. بينما اكتفى إردوغان المحاصر بأرقام التراجع المخيفة بالاعتراف بالتضخم والعجز التجاري واستجداء تأييد الأتراك في التصويت القادم، والزعم بوجود مؤامرة، ربما تمهيدا لتبرير أي خسارة محتملة في الانتخابات.
 

أحدث ضربة تلقاها إردوغان جاءت من البرلمان الأوروبي الذي أعلن أنه لن يراقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية، نظرا لتزايد شكوك لدى دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن نزاهة عملية الانتخاب التي تتم في ظل نظام الطوارئ الذي لم يتم رفعه منذ واقعة الانقلاب المزعوم عام 2016. هذا الحسم الأوروبي يسحب البساط من تحت إردوغان ويقلل من قيمة انتخابات يريد منها أن تجدد مشروعيته وتخفي انهيارات الاقتصاد التي تحدث على يديه.

نقلًا عن موقع صحيفة "العرب"

 

Qatalah