يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


العثمانيون عملوا كمرتزقة في جيش الدولة البيزنطية، وقاتلوا معهم ضد المسلمين تارة، وضد قوات أوروبية تارة أخرى، هكذا يقول التاريخ الذي يسعى الأتراك لتزييفه، وغسيل سمعتهم بين صفحاته. 

في فترات ضعف الدولة البيزنطية، كان العثمانيون ينهشون ما استطاعوا من أطرافها، توطيدا لسلطانهم، وتمكينا لدولتهم، وحمايةً لأراضيهم، وتمهيدًا للاستيلاء على مناطق أخرى.

نهب وسلب
بين تمدد الدولتين العثمانية والبيزنطية علاقة عكسية، فكلما ضعف طرف توسع الآخر على حسابه. لكن كفة الميزان رجحت أغلب الوقت للأتراك، فقد دب الضعف في بيزنطة قبيل ورود الأتراك للأناضول، وزاد التفكك في القرن الحادي عشر الذي شهد ظهور قوة الأتراك السلاجقة.

شهدت بيزنطة أزمة اقتصادية حادة، وعانت من سوء الإدارة وتفكك المقاطعات والصراع المستمر على العرش. توسع السلاجقة على حساب بيزنطة، لاسيما بعد موقعة ملاذكرد الشهيرة عام 1071 التي انتهت بهزيمة ساحقة للجيش البيزنطي وأسر الإمبراطور رومانوس الرابع.

فقدت بيزنطة شرق الأناضول وتدفقت قبائل التركمان التي فرت من آسيا الوسطى هربا من المغول إليها. ورثت سلطنة سلاجقة الروم دولة السلاجقة في الأناضول وقامت بتوطين قبائل تركمانية عديدة في المنطقة.

الهجرة الواسعة والمستمرة للقبائل التركمانية كانت السبب الأول في التوسع التركماني/ السلجوقي في الإقليم. وساعد الغزو المغولي للأناضول على تتريك مناطق كبيرة فيه بسبب هجرة قبائل تركمانية جديدة في ركاب المغول.

أولى غزوات الأتراك السلاجقة ضد بيزنطة كانت عام 1048 حين هاجم إبراهيم ينال شقيق السلطان طغرلبك الأراضي البيزنطية وفيها دشن الخط العام للغزو السلجوقي وأعلن عن غايته وهي النهب والسلب فقد أحرق ينال أرضوم وسواها بالأرض وقتل معظم سكانها. 

من بعده قاد السلطان طغرل بك عدة غزوات، دمر خلالها القرى والمزارع بين بحيرة فان وأرضوم، وكان الهدف طرد البيزنطيين وإحلال الأتراك مكانهم، لا نشر الإسلام بين أهل بيزنطة. عام 1063 دخل السلاجقة سيواس ونهبوها وأجروا بها مذبحة مريعة.

سار عثمان مؤسس إمارة العثمانيين على منوال السلاجقة وحصر توسعه على حساب أملاك بيزنطة. وسقطت مدينة بروسة بيده عام 1326، ومن ذلك الوقت تحولت إمارتهم من إمارة حدود يسكنها رعاة إلى دولة.

السلطان والجميلة
حكمت علاقة سياسية قائمة على المنفعة البحتة علاقة العثمانيين ببيزنطة، على خلاف ثنائية الخير والشر وأكاذيب الدولة المجاهدة التي يرددها العثمانيون الجدد. ويدعم ذلك سلوك العثمانيين تجاه الصراعات الداخلية في بيزنطة حيث اشترى المتصارعون قوة العثمانيين واستغلوها لصالحهم.

شارك العثمانيون كمرتزقة في صراعات بيزنطة ومن خلال هذا الدور أدركوا مدى الضعف الذي تعانيه، وشجعهم ذلك على غزوها، وحين شهدت بيزنطة حربا أهلية منتصف القرن الرابع عشر بسبب النزاع على العرش، استخدم المتنازعان جنودا مرتزقة من الترك والصرب. أحد المتنازعين وهو كانتا كوزين طلب مساعدة السلطان أورخان ووعده بتزويجه ابنته الجميلة تيودورا برغم اختلاف العقيدة والسن إذ كان أورخان في الستين وهي لا تزال قاصرا.

سال لعاب أورخان الطاعن في السن طمعا في الطفلة تيودورا، وقاد بنفسه جيشا قوامه 5500 جندي إلى تراقيا، وحارب ضد المنافس الآخر يوحنا الخامس ووالدته آن صاحبة سافوي والوصية عليه ومكن صهره من الفوز بالعرش.

مكافأةً على تعاونه سمح الإمبراطور الجديد كانتا كوزين لزوج ابنته أورخان بالإغارة على غاليبولي وتراقيا، ونهبها دون معارضة، هذه الغنيمة كانت أول عهد العثمانيين بالتوسعات في أوروبا.

كانتا كوزين طلب مساعدة صهره مرة أخرى ضد هجمات دوشان ملك الصرب، ونجح تحالف العثمانيين - البيزنطيين في طرد الصرب من سالونيكا. مرة ثالثة تدخل أورخان لصالح والد زوجته في صراع داخلي. وحصل العثمانيون على قلعة تزيمب على الدردنيل مكافأة لتكون قاعدة قريبة يتخذونها مقرا لتقديم المساعدة للإمبراطور متى يطلبها.

قاد سليمان بن أورخان فرق المرتزقة العثمانية التي ساعدت كانتا كوزين وعسكر في قلعة تزيمب لكنه استغلها للتوسع لحساب العثمانيين، واستولى على مدينة غاليبولي، وكانت أول قاعدة لهم في أوروبا.

مراد الأول خلف والده واستولى على أدرنة 1361 وتوسع في أوروبا واتبع سياسة السيطرة على الأرض دون اهتمام يذكر بنشر الدين بدليل توطينه القبائل التركمانية في البلقان وطرده للسكان المسيحيين.

الجزية كانت الهدف الأول للعثمانيين حيث كانت تفرض على الجميع، سواء أسلم الإنسان أم رفض. لم يهتم الأتراك بإسلام الأوروبيين قدر اهتمامهم بالاستفادة منهم كجنود، لذلك حين هزموا الصرب أجبروهم على دفع الجزية والقتال في صفوفهم، فكان الجيش العثماني يتوسع في أوروبا بإيدي المسيحيين أنفسهم.

ساعد مراد الأول أحد أبناء الإمبراطور يوحنا الخامس ويدعى أندرونيق على الإطاحة بوالده وأسرته واعتلاء العرش مقابل إعادة منطقة غاليبولي للعثمانيين وزيادة قيمة الجزية.

في عهد بايزيد الأول شارك جيش بيزنطي في حروب السلطان ضد إمارة قرمان المسلمة في الأناضول. وشاركت قوات بيزنطية في حربه ضد تيمورلنك.

صراع الأخوة
بعد وفاة بايزيد في سجن تيمورلنك تنازع أولاده الأربعة (سليمان ومحمد وعيسى وموسى) على الحكم. وامتد الصراع 10 أعوام، وهو أمر يؤكد الطابع الاستعماري للدولة العثمانية، وينفي عنها وهم المثالية والأخلاقية الفائقة التي ينسبها العثمانيون الجدد وأتباعهم لها.

سليمان، الابن الأكبر والأحق بالحكم، سارع إلى الجزء الأوروبي وعقد مؤتمر قمة مع أمراء البلقان ضم يوحنا السابع عن بيزنطة وممثلين عن جنوة والدوق جاكوبة الأول صاحب ناكسوس وفرسان القديس يوحنا وستيفن لازاريفيتش أمير صربيا وتم توقيع اتفاقية سلام، تنازل خلالها سليمان عن أملاك عديدة لبيزنطة مقابل الحصول على الدعم في القتال ضد إخوته، والاعتراف به سلطانا  عثمانيا على المناطق العثمانية في أوروبا وعاصمته أدرنة.

دارت رحى الحرب بين الإخوة ولقي سليمان حتفه، وورث أخوه موسى ممتلكاته. بيزنطة ساعدت محمد في حربه ضد موسى، ونقلت جيشه إلى البر الأوروبي ثلاث مرات، وتمكن بفضل مساعدة بيزنطة من سحق أخيه.

ظلت العلاقة بين بيزنطة والأتراك في مد وجزر وفق مقتضيات السياسية دون أن يكون هناك عامل ديني فيها. كفة القوة كانت في صالح العثمانيين في النهاية وسقطت القسطنطينية في يدهم عام 1453 وبعدها بقليل بقية أملاك البيزنطيين وبذلك انتهت بيزنطة من الوجود.

أما بالنسبة لانتشار الإسلام بين رعايا بيزنطة، فلم يكن أولوية عثمانية، بل قاموا بتهجير البيزنطيين من الأناضول. أما في البر الأوروبي فقد ظل البيزنطيون على دينهم ولم يدخلوا في الإسلام بسبب الصورة المشوهة التي جسّدها الأتراك، وظل الأمر كذلك حتى استقلال اليونان عام 1822.

المصادر :

1 - محمود الحويري : تاريخ الدولة العثمانية في العصور الوسطى
2 - محمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية

Qatalah