يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


طوال قرون، روّج العثمانيون لخرافة تاريخية تحاول أن تجعلهم أول من تقدموا لنشر الإسلام في أوروبا. لكن الحقيقة أن الأتراك توسّعوا في البلاد حولهم لا لنشر الدين، بل سعيًّا وراء الغنائم والممتلكات والسطوة وزهوة الانتصارات العسكرية، والحقيقة الأهم أن هناك إمارات إسلامية ومغامرين مسلمين عبروا المضائق وقاتلوا في البلقان ضد بيزنطة قبل العثمانيين بعقود.

الهجرة المتزايدة للقبائل التركمانية إلى الأناضول دفعت بهم إلى التوسع على حساب أملاك بيزنطة والعبور فيما بعد صوب الشطر الأوروبي، لأن الأناضول لم تكن قادرة على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة. وهكذا كانت الدوافع الاجتماعية والاقتصادية هي المحرك الأول للتوسع الذي قامت به القبائل التركمانية نحو الغرب، منذ اعتناقهم الإسلام.

مرتزقة وهاربون
دخول الأتراك إلى أوروبا لم يكن مسألة فجائية مثل دخول المغول إلى آسيا الوسطى، ولكنها كانت تدريجية، اعتمدت بشكل جوهري على انهيار الإمبراطورية البيزنطية وسقوطها.

عمل التركمان الذين استقروا في الأناضول كمرتزقة في جيوش بيزنطة والسلاجقة، وكان أول من خدم البيزنطيين منهم هم سكان غرب البحر الأسود، عندما تولى ميخائيل الثامن الحكم، والذي كان لاجئا ومنفيا في البلاط السلجوقي منذ الغزو اللاتيني (غزو الحملة الصليبية الرابعة) للقسطنطينية عام 1204.

تولى باليولوج الحكم عام 1281 وفي عهده وفد السلطان السلجوقي المخلوع عز الدين لاجئا إلى القسطنطينية مصحوبا بفرقة من الجنود الأتراك وتم تقييد حركة السلطان المخلوع إرضاء للسلطان السلجوقي في قونية. بعد عدة سنوات تمرد الحرس الخاص لعز الدين وتمكنوا من إطلاق سراحه وانسحبوا به إلى شبه جزيرة القرم.

أحد أبناء عز الدين بقي في القسطنطينية بصحبة مجموعة من الحرس وهؤلاء اعتنقوا المسيحية وأصبحوا نواة لفرق الحرس التركية التي سرعان ما تزايدت أعدادها وخدمت كمرتزقة في الجيش الإمبراطوري.

المرة الثانية لعبور الأتراك المضائق إلى أوروبا حدثت في حدود عام 1300 عندما استقدمهم المرتزقة الكتالونيون للعمل معهم ضد بيزنطة.
والكتالونيون جنود مسيحيون من إقليم كتالونيا في إسبانيا، حيث استدعاهم الإمبراطور أندرو نيقاس الثاني، للخدمة في جيشه والدفاع عن أراضيه في الأناضول، ضد غارات القبائل التركمانية وحققوا نجاحا كبيرا في ذلك.
الخلاف دب بين المرتزقة الكتالونيين والإمبراطور، ودخلوا في صراع مفتوح معه واحتلوا غاليبولي وأقاموا دولة فيه. استعانوا بالأتراك في آسيا الصغرى ضد الإمبراطور، ونقلوهم بالسفن إليها وبذلك يكون أول عبور كبير للأتراك إلى أوروبا حدث على يد مرتزقة كتالونيا.

إمارة خليل
تقهقر مرتزقة كتالونيا إلى مدينة تثاليا على بحر إيجة وتركوا وراءهم قوة ضخمة من المرتزقة الترك بقيادة شخص يدعى خليل في تراقيا ومقدونيا. الأتراك أغاروا على خطوط المواصلات ونشروا الفوضى نتيجة التخبط الذي أصابهم.

خليل توصل إلى اتفاق مع الإمبراطور البيزنطي ينص على انسحابهم مقابل تأمين عبورهم البوسفور مع الغنائم التي حصلوا عليها. قوة إغريقية حاولت منع الأتراك من العبور بالغنائم المسلوبة من القرى والمدن الإغريقية لكن الأتراك تصدوا لها.
خليل استدعى تعزيزات من القبائل التركمانية فعبرت إلى الشطر الأوروبي ووقعت معركة مع الإمبراطور كان النصر حليف خليل فيها وانسحب الإمبراطور فأعلن خليل نفسه ملكا.
اضطر الإمبراطور إلى استقدام مساعدة من الصرب لمحاربة الأتراك ونجح في طردهم من جوار القسطنطينية.

قراصنة الترك
منذ ذلك التاريخ شن القراصنة الأتراك القادمون من مختلف مقاطعات آسيا الصغرى هجمات على الجزر والسواحل البيزنطية. كان التنافس بين هؤلاء القراصنة يحول دون تنفيذ غزو منظم لهذه المناطق.
المرتزقة الأتراك قاتلوا ضد الإغريق ومعهم في نفس الوقت. إزاء حملات القراصنة القادمين من مقاطعة إيدين دعا بابا كنيسة روما إلى حملة صليبية قامت بها القوات البابوية ونجحت في الاستيلاء على مدينة سميرنا.

العثمانيون لم يكن لهم دور في هذه الغزوات حيث أدركوا أن الهجوم على بيزنطة في تلك الفترة يهدد العشيرة. اتبعوا سياسة حذرة طويلة الأجل تجاه بيزنطة فرغم أنهم توسعوا على حسابها في الأناضول إلا أنهم لم يعبروا البوسفور إلا بناء على طلب من البيزنطي جون كنتاكوزين عام 1337 مغتصب العرش من الوريث الشرعي جون باليولوج. 

بكوات الترك
عثمان بن أرطغرل حمل لقب بك وكذلك خلفه أورخان وكان هذا اللقب يعني السيد ويطلق على زعيم العشائر التركمانية. زعماء العشائر الأخرى كانوا يحملون لقب بك أيضا وكانوا على قدم المساواة مع عثمان وأورخان من بعده.
قاد هؤلاء البكوات العديد من الغزوات في البلقان باستقلال عن العثمانيين وكان لهم دور في توجيه الشؤون السياسية خصوصا في أوقات الصراع على العرش.
بكوات الأتراك في البلقان كان بيدهم اختيار السلطان الجديد وكثيرا ما دعموا ابن علي حساب آخر. السلاطين عملوا على استرضاء هؤلاء السادة وفي الأوقات التي ينصرف في العثمانيون للصراع على العرش كان هؤلاء يغزون بشكل مستقل المناطق الأوروبية.
عام 1389 قاتل أمراء الإمارات الأناضولية المستقلة صاروخان وآيدين ومنتشا وحميد وتكة بجانب العثمانيين من أجل الغنائم. استولى تركمان صاروخان على سكوبجي وغزوا ألبانيا ودخلوا سكوتاري وديلكنجو وكرويا بين أعوام 1393 و1395.
احتفظ البكوات الأتراك باستقلال نسبي حتى عهد مراد الثاني فقد أقدم الأخير على شن غزوات في أوروبا إرضاء لرغبتهم في الغنائم.

العثمانيون جزء من البيت التركي وهناك فصل بينهما ومع الوقت نحى العثمانيون إلى التمايز عن الأتراك وحدث ذلك بتزاوج السلالة العثمانية من الأوروبيين وتفضيلهم للجيش الإنكشاري المكون من الأوروبيين على الجيش السباهي التركماني.
بشكل محدد، العثمانيون هم أسرة مالكة وليسوا جنسية أو عرقا مستقلا ففي خلال العهد الطويل لهم عانت الأناضول من الفقر وضعف التنمية والتخلف.

المصادر :


Qatalah